المشهد السردي بأفق المحاكاة التصويرية في “جمرات المكان” نصوص سيرية للأديب العراقي نصير الشيخ
#سفير برس_ هويدا محمد مصطفى

“جمرات المكان” مجموعة نصوص سيرية، أخذنا الكاتب من خلالها لمسيرة من الأحداث والعوالم التي تقدم نفسها من خلال الرؤى والتصورات، والوعي الجمالي والتشكيل المشهدي، واللغة التي تبتكر لنفسها وسائل تعبيرية تتنوع في معناها الخاص والمتشعبة بالنضوج والحس الإنساني والفكر العميق، ومزجها بالوجدان الصادق الذي يعكس داخله إلى خارجه.
الكاتب أخذنا إلى عمق التاريخ والأصالة، وما تركته الذاكرة من أحداث مؤثرة، لتكون البداية مع “المكتبة العصرية” التي اشتهرت بحضورها الدائم في بيع الكتب وعرضها، والتي تعتبر من أهم المكتبات لمؤسسها عبد الرحيم الرحماني. وقد تصدرت الكتب المتنوعة لمؤلفات مفكرين وروائيين عرب وعالميين، حيث تناول الكاتب أحداث تلك المرحلة الزمنية بكل تفاصيلها، لتجد نفسك وأنت تقرأ مفرداته تعيش تلك الأحداث بموجات متتالية من الدفق الشعوري المرتبطة بحضور الآخر عبر تشكيل ورؤية.
يحاول الكاتب إبراز خصوصية الأداء الفني وضروراته المقنعة للقارئ، ليس كفكرة فقط، وإنما كوْن من الدلالة وما تضيفه من أبعاد محلقة، والتدرج في التعبير واستنطاق المعاني المخبأة برؤية تخييلية وفضاء سردي متمرد على قيود الزمن لينقلنا من محطة لأخرى، فيقول:
“الكتاب الورقي بؤرتها كمعرفة مستدامة، أعني الكتاب الأدبي تحديداً وإشراقاته ومدارات صموده كفاعل ثقافي ومعطي حضاري، بمواجهة مسارب التجهيل التي تتسلق جدران حياتنا، وما تشهده من وقت ضائع حد الهدر لدى قطاعات واسعة من الشباب التي انضوت تحت سطوة مسارات البرمجيات ووسائل التواصل الاجتماعي”.
ليؤكد الكاتب نصير هنا على تغيرات الزمن والمفارقات التي يعيشها هذا الجيل. يبدو أن التحول المكاني الراسخ في وجدان وقلب الرؤيا له طعم مميز ومتفرد، لا يظهر فيه أثر للزمن، فالتقاط الجمال ورؤيته والاستمتاع به هو الأهم، من خلال إبراز النص بخصوصية الأداء الفني وضروراته المقنعة للقارئ، ليس كفكرة فقط، وإنما كوْن من الدلالة والانجذاب والإبهار في التحول التدريجي والمنطقي من خلال البحث عن الذات وعن التراث والمهن التي مازالت تسكن ذاكرة التاريخ والأرصفة.
كما في نصه السيري “الصابئة المندائيون” أبناء النداء الأول، حيث أخذنا إلى حرف تراثية وشعبية وأصالة الأجداد وعمق الانتماء، من خلال تلك الطقوس والمهن التي مازالت تمثل سر الحياة، من خلال الكتابة على صفائح النحاس أو الفضة أو الألمنيوم خوفاً من تحريفها أو التلاعب في كلماتها، بالإضافة إلى ذكره صناعة المناجل والسكاكين والزوارق. هنا الكاتب أخذنا إلى جدلية الأشياء الحالمة برؤيتها وتجربتها، بمعنى البحث في أسرار الجمال والذاكرة واستعادة أماكن الحنين والصور التي تتزاحم بالكثير من المؤثرات التي تؤدي الوظيفة الجمالية المناطة بها، من خلال خلق الحقل الدلالي الذي تتحرك ضمنه المعاني.
وخصوصاً أن الكاتب متأثر بالأمكنة والطفولة وتلك الرسائل التي تمتزج ببرد الشتاء، ثنائيات عجيبة غريبة، مرة تتمايز ومرة تتآلف منسجمة، ولدتها جينات البساطة وجينات الدروشة حد العبقرية لآباء وأجداد، مازالت تشع كمنبع الضوء، تستنطق التحولات ونوازع الشوق باستعادة الماضي، مستدعياً الزمان والمكان أو متحرراً منهما. وهذا الاسترجاع له حالات سحرية تأتي في صياغات الحلم التي يعتمدها الكاتب، فهي ليست مجرد حالات سيرية سردية انتقالية تنهض بها حمولات العبارات والألفاظ، بل هي حكاية في روح الدراما كما في المسرح التعبيري الحديث، نثارات حكايات وإضاءات حافلة في صورها وعباراتها ونزعات نفس الكاتب المتوثبة بالغموض في بعضها، والحوارات السريعة المختزلة بشخوصها، ليترك الكاتب للمتلقي تجميع عناصر المكانية ورتق فراغاتها في مخيلته ووعيه النفسي والفني، هكذا يمتلك الأشياء في حدود الخيال وكسر الزمان للدخول إلى العمق.
كما في نص بعنوان “نوستالجيا المسرح” ليقول:
“قصيدة ‘حفار القبور’ لشاعر الحداثة الأول (بدر شاكر السياب) كانت هي المتن النصي للعمل المسرحي، ومضمون العمل وشفرته البحث عن الحقيقة ومن ثم كشفها أمام الضوء في ظل أنظمة الفاشست. ولأن أرواحنا تواقة في حينها للجديد والمدهش.. بل وللجرأة، أصبحت الخطى تستعجل المسير للتنفيذ، والرهان مسبقاً على نجاح الفكرة”.
الكاتب هنا فتح باب التجريب في الإيقاع البصري من خلال دلالات بصرية وفضاء المعنى في ترسيخ المشهد برؤياه ورموزه الجمالية والتباين في العلاقة الجوهرية بين النص والعنوان. مما لا شك فيه أن عملية اختزان المفردات اللغوية، ومدى المرونة في البحث عنها في الذاكرة والاستجابة للمثيرات أو المنبهات التي تستدعيها أو تستحضرها في الذهن، ثم مدى قدرة الكاتب على ربطها بما يتناسب معها من أفكار ومفاهيم، كلها أمور تدل على نسبة نمو التفكير وسرعته، وبالتالي فإن الثراء اللغوي لا يدل على ثراء ثقافي فحسب، وإنما على خصوبة في التفكير.
“التنف.. جمرات المكان وظيفة في حقيبة، الفضاء مفتوح حد الوضوح، هناك تتجلى الطبيعة الإلهية في صفائها، والأنواء تستقر وتتبدل، الفجر بزرقته الناصعة وبرودته اللذيذة، الضحى بانسياب شمسه وطلاقتها، الظهيرة التي تصافح التراب ومنح الأفق سراباً يدل على أشيائنا البعيدة”.
الكاتب نصير الشيخ قدم لنا مجموعة نصوص سيرية من خلال البوح النفسي الهائل الذي يختزنه، لتظهر من خلاله تفاصيل ليس مهمتها الحشو والإطالة، وإنما الإبانة والكشف. مهمتها كل هذه المعطيات المتعددة للزمن، أنها تداعيات تأملية هادئة ومنفعلة، وحوار داخلي وظفه الكاتب بهذه التقنية السردية الممتعة بتفاصيل قصصها والطروحات التي أتقن صياغتها بلغة أنيقة وأسلوب فني متميز.
“جمرات المكان” نصوص سيرية صادرة عن دار توليب للطباعة والنشر والتوزيع. ويذكر أن نصير الشيخ شاعر وإعلامي من العراق، صدر له: مساقط الظل، في أعالي الكلام، شجرة من محنة الوقت، الإقامة في جسد الشعر – قراءات نقدية، كأس لحياة أخرى – شعر، النافذة والظلال – قراءات في تجارب مختارة من التشكيل العراقي، ما يضيء من الكتابة – قراءات نقدية، من ظلال كرومها – شعر.
#سفير برس_ هويدا محمد مصطفى




