إعلان
إعلان

الخوارزميات تدجّن عقولنا… استعادة نموذج إعلام رقمي عادل _بقلم :حسين الإبراهيم

#سفيربرس

إعلان

• ما هي المعايير التي يجب أن تتبعها الخوارزميات في اتخاذ قرارات الرقابة على المحتوى؟

• كيف يمكن تحقيق الشفافية والمساءلة في عملية الرقابة الخوارزمية ؟

• ما هو دور كل من المنصات الرقمية، الحكومات، في تشكيل سياسات وإشراف على الرقابة الخوارزمية؟

• كيف يؤثر التحيز المتأصل في البيانات التي تدربت عليها الخوارزميات على قرارات الرقابة؟

يضج عالمنا اليوم بالاتصال الرقمي، وتُعد منصات التواصل الاجتماعي بوابتنا الرئيسية للمعرفة، للتفاعل، وللتعبير عن أنفسنا. لطالما بشرت هذه المنصات بحرية لا محدودة في مشاركة الأفكار، ولكن خلف واجهاتها اللامعة، تكمن آلية صامتة تعيد تشكيل ما نراه وما نقوله: الخوارزميات.

هذه الخوارزميات، المصممة لزيادة التفاعل وتحديد وقت بقاء المستخدمين، غالباً ما تتحول إلى قيود غير مرئية. من خلال تحديد سرعة تدفق المعلومات، وطبيعة المحتوى الذي يُعرض، وحتى طول النصوص التي تُسمح بانتشارها، فإنها تحول المساحات الرقمية من قاعات للنقاش العميق إلى مجرد ثرثرة بعيدة عن التفكير والثقافة.

في ظل هذا الطوفان من المحتوى المُقيّد والمُحفّز بشكل اصطناعي، يصبح من السهل أن يفسح المجال للوعي المجال للمحتوى غير المسؤول، الذي يفتقر إلى العمق، ويشوه الحقائق، ويقلل من قيمة الخطاب الهادف.

هل هذه المنصات حقاً أدوات للتواصل، أم أنها تصوغ واقعنا الرقمي، وتعيد هندسة الرأي العام، بطرق تقوض فهمنا وتحدّ من إمكانياتنا؟

الاعتقاد بأن الخوارزميات يمكن استخدامها لإعادة هندسة الرأي العام لصالح أجندات معينة ليس مجرد نظرية مؤامرة، بل هو استنتاج مبني على فهم لكيفية عمل هذه الأنظمة، ودوافع الشركات التي تشغلها، والتأثير المتزايد للتكنولوجيا على تشكيل السرديات المجتمعية والسياسية.

عندما تهمس الخوارزميات: تحول وجه الرقابة الإعلامية

لم تعد الرقابة الإعلامية، في عصرنا الرقمي المتسارع، تلك القوة الصارمة التي كانت تتجسد في أختام المنع الصريحة أو أجهزة التلفزيون ذات القنوات المحدودة. لقد تطورت، بل وتخفت، لتصبح همسة خوارزمية، غالباً ما تمر دون أن يدركها المتلقي، لكنها تحمل قوة هائلة في تشكيل ما نراه وما نفهمه. كانت الرقابة التقليدية، في جوهرها، عملية واضحة المعالم: إما أن يُسمح للنص بالمرور بعد مراجعته من قبل سلطة ما (دولة، ناشر، محرر)، أو يُمنع. كانت الأهداف غالباً ما تتراوح بين الحفاظ على “الأمن القومي” و”النظام العام” و”الآداب العامة”، وقد تكون مقصورة على مجتمع أو دولة بعينها.

لكن العصر الرقمي، سيما مع بزوغ نجم المنصات الاجتماعية، قلب الطاولة رأساً على عقب. لم تعد الرقابة مسألة “حظر” أو “منع” علني بالضرورة، بل أصبحت في كثير من الأحيان مسألة “تضخيم” أو “إخفاء” ضمني. إنها ليست بالضرورة قراراً بشرياً مباشراً بالمعنى القديم، بل هي نتاج خوارزميات معقدة، تعمل في الظل، وتُصمم وفقاً لأهداف قد لا تكون واضحة للمستخدم العادي. فبدلاً من أن يقرر “المحرر” ما لا يجب نشره، باتت الخوارزميات، ببرمجتها لتحقيق أهداف مثل زيادة التفاعل، هي التي تقرر أي المحتوى سيحظى بالرؤية، وأي المحتوى سيتوارى في غياهب الصفحات الثانية أو الثالثة، أو حتى يُحذف تماماً دون إشعار.

لقد تغيرت الأدوات جذرياً. لم نعد نتحدث عن مقصات الرقيب، بل عن “توصيات المحتوى”، و”إشعارات التنبيه”، و”المنشورات الممولة”، و”حجب الحسابات” التي قد تبدو عشوائية، لكنها غالباً ما تتبع منطقاً داخلياً دقيقاً. أما الأهداف، فقد توسعت لتشمل ما هو أبعد من مجرد “النظام العام”. أصبحت تشمل أهدافاً اقتصادية (تحقيق أقصى قدر من التفاعل لزيادة عائدات الإعلانات)، وأهدافاً قد تكون أيديولوجية أو سياسية، عبر تشكيل وعي الجمهور وتوجيهه دون أن يشعر. بهذا التحول، لم تعد الرقابة مجرد “فلترة” للمحتوى، بل أصبحت “هندسة” كاملة للواقع الذي نراه ونفهمه، مما يضعنا أمام تحدٍ جديد: كيف ندرك هذه الرقابة غير المرئية، وكيف نحمي مساحة التفكير الحر والثقافة في عالم تهمس فيه الخوارزميات بما يجب أن نراه؟

وجهان للرقابة: مقارنة بين يد الإنسان وأمر الآلة

لطالما كانت الرقابة الإعلامية، بأشكالها المتنوعة، سيفاً ذا حدين؛ وسيلة للحماية وأداة للقمع. لكن عندما نتحدث عن الفرق بين الرقابة التقليدية التي عرفناها لعقود، والرقابة الخوارزمية التي تفرضها علينا المنصات الرقمية اليوم، فإننا نتحدث عن تحول جذري ليس فقط في الأدوات، بل في طبيعة السلطة نفسها، وفي طريقة ممارستها، بل وحتى في أهدافها الخفية.

الأهداف: من “النظام العام” إلى “البقاء والتفاعل”

غالباً ما تمحورت الأهداف المعلنة للرقابة التقليدية حول مفاهيم كـ “النظام العام”، “الأمن القومي”، و”الأخلاق المجتمعية”. كانت هذه الرقابة، وإن كان قد يُساء استخدامها، تسعى غالباً لحماية المجتمع من مخاطر واضحة ومحددة، أو للحفاظ على استقرار هياكل السلطة القائمة.

في المنصات الرقمية، قد تبدو الأهداف أعمق وأكثر تعقيداً، بل وأحياناً أكثر غموضاً. الهدف المعلن قد يكون “الحفاظ على بيئة آمنة وتجربة مستخدم إيجابية”، لكن الهدف الحقيقي، وغالباً ما يكون خفياً، هو تحقيق أقصى قدر من التفاعل وبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة، وذلك لتعظيم الأرباح من الإعلانات.

يقول تشارلز دويل، رئيس تحرير صحيفة نيويورك تايمز، محذراً: “عندما يمتلك عدد قليل من الشركات القدرة على التحكم في الخطاب العام، فإن هذا يمثل تهديداً للديمقراطية.” هذه السيطرة، التي تمارسها الآن الخوارزميات، لم تعد موجهة بالضرورة نحو حماية المجتمع بمعناه الواسع، بل نحو حماية نموذج العمل التجاري الذي يعتمد على جذب الانتباه.

الأدوات والأساليب: من اليد البشرية إلى الـ “كود”

الفرق الأبرز يكمن في من يقوم بالرقابة. في العهد التقليدي، كان هناك “إنسان” خلف عملية الرقابة: محرر، ناشر، موظف حكومي، أو رقيب. هذه الأداة البشرية، رغم ما قد تشوبه من تحيزات شخصية أو ضغوط خارجية، كانت على الأقل قابلة للفهم والتواصل. يمكن للشخص أن يجادل، يقدم التماساً، ويفهم سبب القرار (غالباً).

أما الرقابة الخوارزمية، فهي لا تعتمد على “يد” بل على “كود” – خوارزميات معقدة، “صناديق سوداء” لا يعرف الكثيرون كيف تعمل بدقة. هذه الخوارزميات تعمل بشكل آلي، واسع النطاق، وفوري.

مثال بسيط: منشور على فيسبوك يصف تفاصيل طبية دقيقة قد تُعتبر “شبه عارية” من قبل الخوارزمية، فيتم حذفه فوراً، بينما قد يمر منشور آخر يحض على الكراهية، لأنه لم تكتشفه الخوارزمية بنفس السرعة أو الكفاءة.

الأدوات تتنوع بين الحظر الآلي والتقييد والتوصيات المخصصة التي قد تخلق “فقاعات ترشيح” حيث لا يرى المستخدم إلا ما يتماشى مع آرائه والشفافية والمساءلة.

تتميز الرقابة التقليدية (في أفضل حالاتها) بالوضوح النسبي. هناك قوانين، وسياسات تحريرية، وغالباً ما تكون هناك قنوات واضحة للاعتراض. أما الرقابة الخوارزمية، فهي تعاني من نقص هائل في الشفافية والمساءلة. عندما يتم حذف محتوى أو تقييد حساب، غالباً ما يكون السبب غامضاً، والإجراءات المتبعة للطعن غير فعالة أو معقدة. وكما يقول إدوارد سنودن: “من الأفضل أن تخاطر بحرية التعبير قليلاً من أن تخاطر بالرقابة.” وفي عالم الرقابة الخوارزمية، قد تكون المخاطرة بحرية التعبير كبيرة جداً، بسبب غياب الوضوح والمساءلة.

الفرق بين الرقابة التقليدية والرقابة الخوارزمية

في نهاية المطاف، لم تعد الرقابة مجرد عملية منع، بل أصبحت هندسة للواقع الرقمي، يتم التحكم فيها بواسطة خوارزميات قد تخدم أجندات خفية، محولةً مساحاتنا الرقمية من فضاء للتعبير الحر إلى ساحة لعب لقوى لا نراها، ولا نفهمها بالكامل.

بين حماية الرعاع وهدير الذات… معركة الحجج حول الرقابة الخوارزمية

عندما يتعلق الأمر بالرقابة الخوارزمية، ينقسم العالم بين مَنْ يرى فيها درعاً واقياً للمجتمع، وبين من يعتبرها سيفاً مسلطاً على حرية التعبير. تتشابك الحجج المؤيدة والمعارضة في معركة لا تهدأ، معركة تتفاقم حدتها بسبب فراغ أو تقصير ملحوظ من قِبل الجهات التي يُفترض أن تكون حارسة لهذا التوازن: المنظمات العالمية المتخصصة ومنظمات المجتمع المدني.

الحجة المؤيدة: درع الحماية في وجه الفوضى الرقمية

يرفع المؤيدون للرقابة الخوارزمية لافتة “الحماية” عالياً. يرون أن شبكة الإنترنت، بما تحويه من سرعة وانتشار غير مسبوقين، باتت مرتعاً خصباً للمحتوى الضار. فبين خطابات الكراهية التي تزرع بذور الفرقة، والمعلومات المضللة التي تقوض الثقة في المؤسسات (مثل الحملات المناهضة للقاحات أو نظريات المؤامرة الخطيرة)، والمحتوى الإباحي غير القانوني الذي يستغل الفئات الضعيفة، والمخاطر المتزايدة للتنمر الإلكتروني، يصبح وجود آلية فلترة أمراً ضرورياً. إن الخوارزميات، رغم عيوبها، قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة تفوق قدرة أي فريق بشري، وبالتالي “حماية” المستخدمين، خاصة الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، من التعرض لهذه المواد السامة. يجادل البعض بأن تقييد التعبير في بعض الحالات هو ثمن مقبول للحفاظ على “السلامة الرقمية” و”الصحة العامة للمجتمع”.

الحجة المعارضة: سيف القمع على عنق حرية التعبير

في الجهة المقابلة، يصدح المعارضون بصرخة “القمع” و”الرقابة الذاتية”. يرون أن هذه الخوارزميات، رغم نبل الادعاءات، غالباً ما تتحول إلى أداة قمعية، لا سيما ضد الأصوات المعارضة أو الآراء غير التقليدية. فالخوارزميات، كما أشرنا، غير محايدة؛ إنها تعكس قيم ومعتقدات صانعيها، ويمكن أن تكون متحيزة ثقافياً وسياسياً. إنها قد تحظر تغريدة تنتقد سياسة حكومية، بينما تسمح بانتشار دعاياتها. كما أنها تخلق ما يُعرف بـ “تأثير التخويف“ (Chilling Effect)، حيث يبدأ المستخدمون في فرض رقابة ذاتية على ما يقولون خوفاً من الحظر أو تقييد المحتوى.

فراغ الدور: تقصير الحراس الأهم

وهنا يأتي الدور المحوري، وغالباً ما يكون مخيباً للآمال، للمنظمات العالمية المتخصصة مثل الأمم المتحدة، أو منظمة العفو الدولية، أو حتى الهيئات الحقوقية والتقنية الكبرى، ومنظمات المجتمع المدني المحلي. كان يُنتظر من هذه الجهات أن تلعب دوراً رائداً في وضع معايير واضحة وعادلة للرقابة الخوارزمية، وأن تضغط بقوة من أجل الشفافية والمساءلة من قِبل المنصات. لكن في كثير من الأحيان، نجد هذه المنظمات إما مترددة في اتخاذ مواقف حاسمة، أو مقيدة بنفوذ الجهات التي تستفيد من هذه الخوارزميات (سواء كانت حكومات ذات أجندات معينة أو شركات التكنولوجيا الكبرى)، أو ببساطة غير قادرة على مواكبة السرعة الفائقة للتطور التقني.

هذا يترك التقصير ساحة الرقابة الخوارزمية مفتوحة أمام المنصات لتحديد قواعد اللعبة، وغالباً ما تخدم مصالحها الخاصة. تصبح “الحماية” ذريعة للسيطرة، وتتحول “التجربة الإيجابية” إلى مساحة تفتقر إلى التنوع النقدي، وتُختزل النقاشات الثقافية والسياسية الهامة إلى مجرد “ثرثرة” خوارزمية.

يضعنا غياب الصوت الرادع والمنظم لهذه القضايا أمام خطر حقيقي: خطر أن تتحول الخوارزميات من أدوات لتمكيننا، إلى أدوات للتحكم بنا، وأن يصبح الفكر النقدي والوعي الواعي ضحايا لـ “مصالح معينة” لا تكشف عنها إلا نادراً.

الرقص على حبال الخوارزميات

في مسرحنا الرقمي الحديث، لم تعد الرقابة مجرد قوة خارجية تُفرض علينا، بل أصبحت محفورة في نسيج تجربتنا اليومية، تتسلل إلى دواخلنا عبر شاشاتنا الصغيرة، وتُشكل أفكارنا وسلوكياتنا بطرق قد لا ندركها دائماً.

تدفع ضغوط الخوارزميات، بتأثيرها الدقيق والمتواصل، المستخدمين نحو مسار من الاستسلام والخضوع السلس، غالباً ما ينتهي بالتنازل عن جزء ثمين من حريتهم في التعبير، ووضع سقوف خاصة بهم لتتناسب مع معايير هذه الآلات الصماء.

تخيل أنك تريد التعبير عن رأي نقدي أو طرح فكرة قد تكون غير مألوفة. يبدأ الأمر برسالة “محتواك يخالف إرشاداتنا”، أو بـ “تلقى هذا المنشور تقييماً منخفضاً”، أو ببساطة، يختفي منشورك دون أن تراه إلا أنت. هذه التفاعلات المتكررة، وإن بدت عادية، تبدأ في غرس شعور بالتردد والخوف. تبدأ في مراجعة كلماتك قبل أن تكتبها، تتجنب الموضوعات الحساسة، وتُفكر ألف مرة قبل أن تنشر. هذا هو “تأثير التخويف” (Chilling Effect) الذي تحدثنا عنه، إنه ليس قراراً واعياً بالمنع، بل هو تقييد ذاتي يبدأ بتعديل تدريجي لسلوكك.

الأمر لا يتوقف عند التردد. الخوارزميات، بذكائها الاصطناعي، تتعلم من سلوكنا. عندما نتجنب موضوعاً ما، أو نُعدل من طريقة تعبيرنا لتجنب الإزالة، فإننا “ندرب” الخوارزمية على أن هذا هو النمط المقبول. بمرور الوقت، فإن ما كان في الأصل “خوفاً” يصبح “رقابة ذاتية” متجذرة. يبدأ المستخدم في توقع ما تريده الخوارزمية، ويتكيف معه، متنازلاً عن حق أصيل في التعبير بحرية عن أفكاره، حتى تلك التي قد تكون مزعجة أو غير تقليدية.

تتجسد هذه الضغوط في صورة “تحسين” مستمر لمحتوانا ليتناسب مع “القوالب” التي تفضلها المنصات. يصبح التعبير عن الرأي أكثر اختصاراً، وأقل تعقيداً، وأكثر ميلاً لتبسيط الأمور بشكل مفرط. هنا تتحول النصوص التي كانت تتطلب عمقاً وتحليلاً، إلى مجرد عناوين جذابة أو تغريدات قصيرة، لأنها هي الأكثر قدرة على اجتياز “فلترة” الخوارزميات.

هذا ليس حديثاً عن تقييد أفكار معينة، بل عن تغيير في “شكل” التفكير نفسه، نحو ما هو أسهل، وأكثر قابلية للهضم، وأقل إثارة للجدل.

الاستسلام التدريجي للخوارزميات ليس مجرد فقدان لحرية التعبير الفردية، بل هو تقويض للمساحة العامة التي يجب أن تحتضن التنوع والاختلاف. عندما يبدأ المستخدمون بوضع سقوف خاصة بهم، لتجنب إزعاج الخوارزميات، فإنهم يساهمون في خلق بيئة رقمية تخنق النقاشات الهادفة، وتُضعف قدرتنا الجماعية على فهم القضايا المعقدة، وتحولنا من فاعلين فكرين إلى مجرد متلقين سلبيين يتفاعلون مع ما تُمليه عليهم الآلات. إنها عملية “تهدئة” للإبداع، و”تبسيط” للفكر، و”إخصاء” لحرية الرأي، كل ذلك في ثوب الخضوع السلس لمعايير خوارزمية لا تخدم إلا نفسها.

نحو إعلام رقمي يعزز العقل لا يقيده

لقد أوصلتنا رحلتنا عبر دروب الرقابة الإعلامية الرقمية، بقيادة الخوارزميات الصامتة، إلى حالة أشبه بـ “التدجين” المدروس. أصبحنا، كأفراد ومجتمعات، نؤدي رقصة متناغمة مع إيقاع الآلة، نضع سقفاً لقيمنا، ونُكمم إبداعنا، ونُقلم أظافر حرية رأينا، ونُروض تفكيرنا النقدي ليناسب حدود ما تسمح به الخوارزميات. لقد تحولت المساحات التي كنا نتوقع أن تكون منبراً للتعبير الحر والنقاش العميق، إلى مسارح ترفيهية بسيطة، أو ساحات لثرثرة سريعة، تبتعد عن جوهر المعرفة والتنوير.

هنا، يبرز دور حاسم، بل ومُلِح، لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية المتخصصة. لقد أظهرت السنوات الماضية قصوراً واضحاً في قدرتها على ممارسة الضغط الفعال، فعلى هذه الجهات أن تتحول من دور المراقب السلبي إلى صانع قرار فعال. يتطلب ذلك:

1. تطوير أدوات وآليات تقييم ومراقبة لأداء الخوارزميات، ووضع معايير ملزمة للمنصات.

2. إتاحة فهم أعمق لكيفية عمل الخوارزميات، وكيفية اتخاذها قرارات الرقابة، وآليات الاعتراض الفعالة.

3. توعية المستخدمين بكيفية عمل الخوارزميات، وبحقوقهم، وبأهمية الحفاظ على مساحة التفكير النقدي والتعبير الحر.

4. توحيد الجهود بين المنظمات المختلفة، وبين الدول التي تلتزم بالحريات.

ليست العودة إلى حوار حقيقي، وحرية تعبير غير مقيدة، وتفكير نقدي واعٍ، نموذجاً من الرفاهية بل ضرورة لمستقبل مجتمعاتنا. علينا ألا نسمح لـ “همسات الخوارزميات” بأن تُدجن عقولنا.

#سفيربرس _بقلم :الإعلامي حسين الإبراهيم

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *