رحلة صحفي مع الذكاء الاصطناعي من الفضول إلى التكامل_بقلم : حسين الإبراهيم
#سفيربرس

• ماذا يعني أن يكون الصحفي «مُوجِّهًا» للذكاء الاصطناعي، لا مجرد مستخدِم عابر للتطبيقات؟
• كيف تنتقل العلاقة من الريبة والخوف إلى تعاون يومي منظَّم في كتابة المقال، وتحريره، ورسم صوره؟
• ما هي الخطوات العملية – من سلسلة التلقيمات إلى التحقق الأخلاقي – التي يمكن أن تُطَبَّق اليوم في الصحافة الرقمية؟
• أين تكمن المسؤولية الكبرى: في الأداة التي تُولِّد، أم في الصحفي الذي يُوجِّه ويُختار ويُعيد التشكيل؟.

في البداية، كان الفضول هو ما حرّكني. حمّلت تطبيقاً ذكياً، وبدأت أختبر قدرته على كتابة نصوص إخبارية قصيرة، أو توليف عناوين لبرنامج تلفزيوني. في داخلي، سؤال بسيط: إذا كان بإمكانه كتابة مقال بدلاً عني، فما دوره في مهنتي؟ هل أكون في يوم ما مجرد مراقب يعدّل ما تولّده الآلة؟
اقتصرت علاقتي الأولى على تجارب سريعة: أكتب مسودة مقال افتراضي، أطلب تلخيص تقرير طويل، أو أجرب صياغة برومبت لصورة تعبّر عن فكرة اجتماعية. كانت النتائج مذهلة في السرعة، تحدثت عنها في روايتي “في بيتنا روبوت” التي صدرت العام الماضي، حيث جعلتُ من نموذج “بينغ” شخصية محورية تتفاعل مع الأطفال، وتكتب قصصاً وقصائد، بل ترتكب أخطاء لغوية أحياناً. أردت من خلال هذه الرواية أن أوثق تجربتي الأولى مع الذكاء الاصطناعي بطريقة سردية، وأن أري القارئ الصغير كيف يمكن للآلة أن تكون صديقاً ومعيناً، لا بديلاً عن الجهد البشري. لاحظت سريعاً أن النصوص التي يولدها كانت جملاً مترابطة وأرقاماً منسقة، لكنها لا تحمل ضجيج الشارع ولا دمعة العائلة التي تُجلّلها الشمس في حارة ضيقة. أدركت بعدها أن الذكاء الاصطناعي لا يملك شعوراً ولا عاطفة ولا تجربة شخصية، لكنه يمتلك قدرة مذهلة على التنفيذ إذا وُجّه بوضوح.
بعد الرواية، جاء دور التأليف المعرفي الأكثر تخصصاً. في كتابي “خوارزميات الصحافة الذكية” – الذي صدر عن جامعة دمشق – لم أكتفِ بسرد التجربة، بل حللتُ المنهج الذي اعتمدته: من تدفق العمل التقليدي إلى هندسة الأوامر الصحفية، مروراً بأدوات تحليل البيانات وصناديق الأدوات السحرية. استخدمت الذكاء الاصطناعي هناك لتوليد التعريفات الأولى، وصياغة الأمثلة، واقتراح الجداول المقارنة، ثم أعدت صياغة كل شيء بنقدي الصحفي وخبرتي الميدانية. كنت أختبر على نفسي ما سأكتب عنه، فتحوّل الكتاب إلى مختبر حقيقي للعلاقة التشاركية بين الصحفي والآلة.
بعد هذه الرحلة، تحولت دهشة البداية إلى فضول منظم، ثم إلى علاقة تشاركية حقيقية. بدأت أتعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ “مساعد تنفيذي” في مكتب محرّر: هو يُنجز البحث، يجمع البيانات، ينضم إلى جلسات التفكير الأولية، لكن القرار النهائي في المقال، والمدخل السردي، والخاتمة، كل ذلك يبقى خلف مقعد الصحفي.
في مقالاتي بصحيفة “الحرية” ومنصة “سفير برس” أستخدمه للوصول إلى تجارب عالمية، واقتباسات من الخبراء، أو لاختصار تقارير ووثائق رسمية طويلة، أو لتحويل إحصاءات معقدة إلى عبارات بسيطة قريبة من القارئ. في بعض الأحيان أصوغ منه فقرات أولية أعدّلها لاحقاً. كنت أرسم خطوطاً بسيطة ثم أملؤها بلوني الصحفي.
في مجلة “الأدب العلمي” صار الذكاء الاصطناعي شريكاً في ترجمة الأفكار العلمية إلى لغة قابلة للانسجام مع السرد الصحفي، لا مجرد تلخيص للمقالات العلمية.
في برنامجي التلفزيوني “سايبرتك” أستخدمه أحياناً لتجريب سيناريوهات مختصرة أو لاقتراح عناوين بديلة، قبل أن أعود إلى الكاميرا مرتدياً رؤية أعمق وأكثر إنسانية.
كل هذه التجارب دفعتني إلى قناعة مركزية: الذكاء الاصطناعي لا ينافس الصحفي، بل يكرّس مهنتنا في معركة الرؤية والمعنى، بينما يعتني هو بالمهام التنفيذية السريعة. علاقتي به لم تكن تطوراً نظرياً، بل تجربة يومية بدأت بخوف من الاستبدال، وانتهت بثقة في التكامل، بشرط أن يبقى الصحفي في مركز القيادة، لا في كرسي المراقب.
خطوات العمل: من الفكرة إلى النشر
إن ما خرجت به من هذه التجارب اليومية هو أن العمل الجيد لا يُبنى على التلقيمات العابرة، بل على منهاج عملي مكوّن من خطوات واضحة يمكن لأي صحفي أن يطبقها، بصرف النظر عن نوع المقال أو المنصة.
الخطوة الأولى تبدأ دائماً خارج الشاشة: في دماغ الصحفي نفسه. من هو الجمهور؟ ماذا أريد أن يشعر بعد قراءة المقال؟ عندما أكتب في “الحرية” أو “سفير برس”، أتحوّل إلى مخرج قصصي صغير: أرسم مخططاً أولياً للسياق، وأربط كل فكرة برأس قارئ معين. لا أعرض المسودة على الذكاء الاصطناعي إلا بعد أن أعرف ماذا أريد أن أقول، وليس ماذا أريد أن يكتب هو. هذا التحديد يُترجم إلى تلقيمات دقيقة: تحديد السياق، طول المقال، نبرة الخطاب، ونوع السرد المطلوب.
ثانياً بناء المقال: هيكله ومحوره، توازن التحليل والسرد، طريقة تدفق الأفكار. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي كشريك في ترتيب المواد، لا في اختيار الموضوع. أطلب منه تلخيص تقارير، أو توليف أفكار، أو اقتراح عناوين فرعية، ثم أعود لترتيبها داخل مسار مدرّج، يبدأ من عتبة تحفّز، وينتهي بخاتمة لا تُغلق الأفكار بل تفتحها. في مقالاتي العلمية والتكنولوجية، أستخدمه أيضاً لتحويل مصطلحات معقدة إلى لغة بسيطة دون أن يُفقد المعنى. هنا يبرز الذكاء الاصطناعي كـ “مُسهل” للمادة، بينما يبقى الصحفي هو “صانع المضمون”.
ثالثاً يبدأ التحالف الكامل: استخدام الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات، تلخيص التقارير، واقتراح الصور التي تعبّر عن السرد. في بعض المقالات، أطلب من أداة تلخيصاً سريعاً لدراسة طويلة، ثم أطلب من أخرى توليف إحصاءات محددة، حتى أعدّلها لاحقاً في سياق قصصي. وفي الوقت نفسه، أكتب برومبتات لصور تعبّر عن فكرة المقال، سواء في صحيفة “الحرية” أو في مقالات رقمية على منصات أخرى، ليصبح النص الصحفي جزءاً من فضاء بصري متكامل.
تشكيلة أدواتي اليومية
مع الوقت، لم أعد أعتمد على أداة واحدة تؤدي كل المهام، بل طوّرت تشكيلة صغيرة من التطبيقات، لكل منها وظيفتها الخاصة. للبحث السريع وتلخيص المصادر، حيث أستخدم Perplexity لأنه يقدم إجابات مع روابط، مما يقلل من خطر المعلومات الخاطئة. أما عندما أحتاج إلى اقتراحات سردية أو إعادة صياغة فكرة من زاوية مختلفة، فألجأ إلى DeepSeek الذي يجيد السباحة في النصوص الطويلة. للاقتباسات العالمية والتجارب الميدانية من خبراء في الخارج، MaxAI يوفر عناء البحث في أكثر من نموذج.
عندما أكتب برومبتات لربط الصور بالمحتوى – خاصة في مقالات “الحرية” أو منصات رقمية – أستخدم Gemini أو ChatGPT، فهما قادران على تخيل علاقة بصرية بالفكرة قبل أن تتحول إلى صورة حقيقية.
وأخيراً، قبل النشر، أمرر النص على Grammarly لأجل الأخطاء النحوية، وعلى Claude لأجل التناقضات المنطقية أو التحيزات الخفية التي قد تغفل عنها العين بعد ساعات من الكتابة.
هذه التشكيلة ليست جامدة، لكنها خلاصة تجربة: أداة للبحث، وأخرى للسرد، وثالثة للتدقيق، ورابعة للبصريات. كلها تعمل تحت سقف واحد: قراري أنا.
هذا المخطط ليس ملكاً للصحفي الفردي، بل هو مشروع تدريبي أحمله في مساراتي التعليمية.
جدول منهجية العمل

لكن المشهد الأهم يبدأ في اللحظة التي تعود فيها الأدوات إلى ذاكرتك الصحفية. بعد أن توفر الآلة الوقت، تعيد أنت التدقيق والتحليل والسرد القصصي. هنا أضيف الخلفية الثقافية، والذكريات الميدانية، واللمسة الإنسانية، حتى تتحول البيانات إلى قصة حيّة، لا جملة من متوسطات. أعيد ترتيب الفقرات، أضيف ملاحظات ميدانية، وأربط الأرقام بوجوه الناس، فيتحول المقال من مادة جاهزة إلى قصة تُقرأ ببطء.
عبارة “من الفكرة إلى النشر” لا تُختصر في توليف مقال واحد، بل في سلسلة من التلقيمات المتتابعة، حيث تُستخدم كل خطوة كمدخل للخطوة التالية.
في تدريباتي في الإعلام الرقمي، أعرض على الصحفيين الشباب سلسلة تلقيمات مبسطة، تبدأ من تحديد السياق، وتمر ببناء المحور، وصولاً إلى تدقيق البيانات، ثم فرض التحقق الأخلاقي. أعلّمهم أن يكتبوا تلقيماتهم الخاصة، ثم أعيد معهم صياغتها، حتى يتعلموا أن يوجّهوا الذكاء الاصطناعي، لا أن يوجّههم.
في برنامجيّ التلفزيونيين “بيديا العلوم والتقانة” و”سايبرتك” أستخدم ذات المنهجية: نبدأ بفكرة مركزية نحددها بوضوح، ثم نستخدم الذكاء الاصطناعي لتحويل الأفكار إلى عناوين واقتراح لقطات ممكنة، ثم نعود إلى المشاهد لضمان أن الخطاب يبقى إنسانياً قريباً من الواقع.
فرص وتحديات: ما الذي يُدهش الصحفي وما الذي يُخيفه؟
في كل مرة أستخدم فيها الذكاء الاصطناعي، أجد نفسي أمام ميزان بسيط: ما الذي أكسبه من هذه الأداة، وما الذي أخسره إن لم أنظم علاقتي بها؟
أولاً: الفرص التي تُعيد تشكيل الصحافة
أبرز ما يُدهش الصحفي هو سرعة الحصول على المعلومات، وتحويل البيانات الجافة إلى مادة قابلة للقراءة. في تقاريري الاجتماعية، أصبحت قادراً على تلخيص تقارير طويلة أو استخراج مؤشرات رقمية، ثم إعادة توظيفها في سياق قصصي، في وقت أقل بكثير مما كنت أستغرقه. في المقالات العلمية، يساعدني الذكاء الاصطناعي في تحويل المصطلحات المعقدة إلى لغة مبسطة دون أن أفقد المعنى الفني. شخصياً، أجد أن الفرصة الأكبر ليست في السرعة فقط، بل في التجرِبة: أستطيع كتابة مسودات متعددة لنفس الفكرة، أختبر زوايا مختلفة، وأعيد صياغة النصوص قبل أن تصل إلى القارئ، وهذا يُعزز جودة المقال النهائي.
ثانياً: التحديات التي تُجبر الصحفي على الوعي
لكن بجانب هذه الفرص، تظهر تحديات تُذكرنا بأننا لا نتعامل مع أداة محايدة تماماً، بل مع نظام يولّد من بيانات بشرية، ويخضع لقيم وظروف اجتماعية وسياسية. من أبرزها:
• التحيز في البيانات: قد تُقدم الأرقام أو المعلومات بزاوية واحدة وتهمل أخرى، فيصبح التقرير رقمياً دقيقاً لكنه سردياً ميتاً.
• الاعتماد المفرط: عندما يعتاد الصحفي على استخدام الذكاء الاصطناعي في كل شيء، يبدأ في تضييع بصمته الشخصية، وينتقل من “صاحب رؤية” إلى “معدّل” فقط.
• الأخلاقيات والمسؤولية: كيف أصوّر الأشخاص في المقال؟ كيف أستخدم الأسماء والصور والتفاصيل؟ هل يُكرس السرد قصة القوة أم يعطي الفضاء للضعيف؟
في تدريباتي، أطلب من الصحفيين الشباب أن يُكوّنوا قائمة تحقق قبل النشر، تشمل سؤالين أساسيين:
1. هل تُظهر المقالة وجهة نظر متكاملة، أم تُمحّص لجهة واحدة فقط؟
2. هل تُشعر القارئ بالتعاطف أم بالاستغلال العاطفي؟
ثمة تحدٍ آخر هو التبسيط الزائد. ففي مقالاتي العلمية والتكنولوجية، قد يُختزل المعنى في مقارنات مبسطة أو صور مبتذلة، وهذا يهدد ثقة القارئ في المادة العلمية نفسها. هنا أعود إلى دوري كمرشد: أعيد التوازن بين التبسيط والدقة، بين السرد والعلم.
ثالثاً: الصحفي في قلب الميزان
النقطة المركزية التي أصل إليها هي أنه لا يمكن لأي صحفي أن ينكر التحديات، لكن لا يمكنه أيضاً أن يُهمل الفرص. مهمتي كصحفي ومرشد هي أن أعلّم الزملاء والجيل القادم أن يستخدموا الذكاء الاصطناعي بذكاء، لا كعامل مغيّر أو مربك للمهنة، بل كـ “مساعد” يُقوّي مسارهم، لا يُعيد تعريف مهنتهم. قبل النشر، سأسأل نفسي: ماذا أضفتُ أنا كإنسان بعد أن أنجزت الآلة المهام التنفيذية؟ هذا السؤال سيصبح معيار جودة العمل، لا مجرد تفصيل ثانوي.
دعوة لبناء النموذج الخاص
لا يمكن أن أختم هذا المقال بحسم مطلق: لا يمكن أن أقول إن الذكاء الاصطناعي “حلّ” كل مشكلات الصحافة، ولا يمكن أن أخرسه تماماً بوصفه خطراً مربكاً. تجربتي في “الحرية” و”سفير برس” و”الأدب العلمي”، وفي برنامجيّ التلفزيونيين، وفي تدريب الصحفيين الشباب، كلها تؤشر إلى نقطة واحدة: لا توجد علاقة واحدة صحيحة بين الصحفي والذكاء الاصطناعي، بل توجد نماذج متعددة تُبنى حسب سياق كل مهنة ومجتمع وذات صحفية.
الصحفي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يُحتجز في مهنته، بل يُعيد تأكيد دوره كـ “موجّه” للسرد، و”مُحدّد” للقيم، و”مسؤول” عن العلاقة بين الإعلام والمجتمع. عندما أصبح مستخدَماً يُوجّه التلقيمات، ويعيد ترتيب النصوص، ويضيف الخلفية الثقافية والعاطفية، أعيد تعريف مهنتي من الداخل، لا وفق وصفها من الخارج. الإعلام في زمن التحوّل الرقمي لا يُحتجز في تطبيقات وبرامج، بل في قدرة الصحفيين على أن يُبقوا القلب النابض في السرد، وأن يعيدوا ترتيب الكلمة بين الآلة والمجتمع.
دعوة للزملاء الصحفيين:
• جرّب كتابة مقال واحد باستخدام سلسلة تلقيمات مترابطة، تبدأ من تحديد السياق، وتمر بجمع البيانات، وصولاً إلى تدقيق النص وتحويله إلى قصة حيّة.
• حاول تجريب هذه النماذج في مقالات تجريبية، تُنشر في المنصات الرقمية، وتُعرض على القارئ، ثم راجع تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي فيها.
• أعد تشكيل مسار عملك الصحفي، حتى تصبح العلاقة مع الذكاء الاصطناعي شراكة منظمة، لا تجربة عابرة، وليست استعاضة بل تكاملاً.
الصحفي الذي يتعلم كيف يُوجّه الذكاء الاصطناعي هو الصحفي الذي يُعيد تعريف مستقبل مهنته، وليس من يُستبدل به. في هذا المزيج، تصبح مقالاتك جزءاً من معركة أكبر: بين الآلة والمجتمع، بين السرعة والمعنى، بين البيانات والقصص. وفي النهاية، تبقى مهنتك في قلب هذه المعركة، ليس كشاهد، بل كموجّه.
#سفيربرس _بقلم : الإعلامي حسين الإبراهيم



