“الوردة الشامية” إنتاج الزيوت العطرية والخلاصات المائية
#سفير برس _ سعاد زاهر

تمثل الوردة الدمشقية إرثاً زراعياً وثقافياً فريداً يمتد لقرون في حوض البحر المتوسط، وتحتل مكانة خاصة في التراث السوري، هدفت هذه الدراسة الميدانية إلى توثيق تجربة معمل “بيوشام” في منطقة خان الشيح بريف دمشق، المتخصص في زراعة الوردة الدمشقية وتقطيرها لإنتاج الزيوت العطرية والخلاصات المائية.
اعتمد البحث على المنهجية الوصفية التحليلية، من خلال مقابلات معمقة مع القائمين على المعمل، وملاحظة ميدانية لعمليات الزراعة والتقطير، وتحليل فلسفة الجمال المرتبطة بهذا المنتج الطبيعي. تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تسلط الضوء على نموذج صمود واستمرارية في قطاع الإنتاج الطبيعي العضوي، رغم الظروف الصعبة التي مرت بها سوريا خلال العقد الماضي.
نشأة المعمل وتأسيسه – حوار مع الدكتورة رولا علي أديب
في رحلتنا إلى مزارع الورد الدمشقي في خان الشيح، كان اللقاء الأول مع الدكتورة رولا علي أديب، مديرة معمل “بيوشام”، تحدثت الدكتورة رولا عن بداية المشروع قائلة: “خطر لي أن أشتغل بالورد حين كنت أبحث عن مجال يمزج بين العلم والجمال، تأسس معملنا عام 2000، لكن البداية الحقيقية كانت مختلفة عما نحن عليه اليوم”.
وأضافت: “عام 2005، كنا نشتغل فقط لصالح السوق الفرنسي، كان من المفترض أن يكون لدينا عملاء آخرين، لكن اكتشفنا أن المعمل يمكن أن نطور فيه عملية التقطير، أحضرنا شخصاً من بريطانيا خبيراً في هذا المجال ليعلمنا أفضل طريقة للتقطير، بقي لدينا حوالي خمسة أيام فقط، تعلمنا خلالها كيفية التقطير بأصوله العلمية الصحيحة”.
قبل مغادرة الخبير البريطاني بعد انتهاء التدريب، قال لي: لماذا لا تعملين بالوردة الدمشقية؟
فهي تستخدم في أوروبا لأغراض التجميل: زيت الورد، ماء الورد، مربى الورد، وحتى الورد المجفف كشاي،وقال لي: ‘باعتبارها وردة دمشقية، هي من دمشق، والمفروض أن تخرج منتجاتها التجميلية أيضاً من دمشق.
رحلة البحث والتجريب
ابتدأت الدكتورة رولا رحلة بحث مضنية: “بدأت أبحث أين تزرع الوردة الدمشقية، وكيفية زراعتها. أرسلنا عينات إلى بريطانيا ليثبت الخبير جودة الوردة، لأنه مرجع في هذا المجال، استمرت التجارب حوالي أربع إلى خمس سنوات حتى تمكنت من استخراج زيت الورد بالجودة المطلوبة، منذ عام 2018 وحتى الآن، نصنع زيت الورد”.
وفي توضيح للفارق الجوهري بين دهن الورد وزيت الورد، شرحت الدكتورة رولا: “زيت الورد غير دهن الورد، عندما نقطع الورد، يرتفع على السطح دهن الورد، لكن هذا ليس الزيت. زيت الورد هو الأفضل؛ عندما نعيد تقطير الماء عدة مرات حتى نستخرج كل الزيت من الماء، حينها نحصل على زيت الورد. دهن الورد يستخدم للروائح، أما زيت الورد فهو الأفضل ومركباته مطلوبة في كل أنحاء العالم”.
التحديات خلال سنوات الأزمة
عن تحديات استمرارية العمل، تحدثت الدكتورة رولا بصدق: “العمل مع الورد، خاصة مع العناية به والاستمرار بريه، يحتاج إلى دافع. نحن خلال المرحلة السابقة، خلال أربعة عشرة عاماً، بقي المعمل على حاله رغم أن كل ما حولنا أصيب بالأذى بطريقة ما، إما تدمر أو سرق أو تعرض للتخريب. معملنا هو الوحيد تقريباً الذي بقي”.
وأضافت: “خلال الأحداث التي عاشتها سوريا في السنوات العشر الماضية، قلت للعاملين لدي في المعمل: إني سأبقي. مع أني كنت أستطيع السفر، فمعي جنسية كندية، لكني قلت لهم: سأبقي في العمل. في حال ضرب المعمل، حينها أوقف الأعمال وأمشي. ولم يطاوعني ضميري بإغلاق المعمل وأن أسافر، وهو يعيل الكثير من العائلات. بقيت أعمل مع العاملين في المعمل، نبذل كل الجهود”.
من الوردة الدمشقية إلى الخلاصات المائية
أكدت الدكتورة رولا أن عمل المعمل لا يقتصر على الوردة الدمشقية: “نحن لا نعمل فقط في الوردة الدمشقية، بل في الخلاصات المائية للاستعمال اليومي والعناية بالبشرة والوقاية، وهي أهم من الوردة الدمشقية. أكيد تعطي الوردة الدمشقية لعملنا خصوصية باعتبارها من دمشق، وهي الأساس الذي نعمل عليه، لكن الأهم هو استخدام الخلاصات المائية. الخلاص الباقية من كافة الأنواع، الخلاصات المائية تساعد جداً في العناية بالشخص”.
وعن فلسفة العناية بالذات، قالت: “الجميلة تبدأ الجمال من نفسه، ثم إلى ما حوله، ليصبح سلوكاً. عندما يستخدم الإنسان هذه الخلاصات، يشعر بنوع من الهدوء والسكينة، لأنه يعتني بنفسه، يخلق من خلال هذه المواد تعاملاً مع يومه الجميل. في زمن يزيد التوتر والضغوط، حين يقول لي أحد: إني أعاني من القولون أو الضغط العصبي، أقول له: اشرب ماء زهر صباحاً ومساء. أنا عالجت نفسي من القولون بماء الزهر صباحاً ومساء”.
وأضافت: “فوائد المنتجات الطبيعية مهمة جداً للصحة والجسم.
أنا أشعر أنني صنعت فرقاً في سوريا من خلال تقديم هذه المنتجات العضوية كي يستفيد منها الناس بأفضل طريقة. كل هذه المعلومات موجودة في الكتب والمراجع، لكن أنا جمعت هذه المعلومات ووضعتها على الورق وصنعتها بأفضل طريقة يمكن تقديمها للناس”.
المنافسة والتفرد
وعن أجواء المنافسة، قالت الدكتورة رولا بثقة: “لا منافس، نحن الوحيدون الذين يستخرجون زيت الوردة بشكل عضوي، ونحن الوحيدون الذين يصنعون ماء الورد بشكل عضوي”.
وعن الحفاظ على روح المكان، أضافت: “المكان جميل، مليء بالأخضر، ونحن نعتني فيه يومياً حتى بأدق تفاصيله، ووروده، وأشجاره بمختلف أنواعها. نحن نحافظ على هذا الجمال، هو يأخذ منا ونحن نأخذ منه، هي حالة جمالية متبادلة. تشعرين أن كل العمال الذين يعملون هنا لديهم حالة مختلفة، لديهم طاقة إيجابية، هناك روح المحبة بينهم ومحبة للعمل والمنشأة. طاقة المنطقة جميلة”.
واختتمت الدكتورة رولا رسالتها: “الناس تعبت بسبب كل ما مررنا به، أحب أن يزور الناس ليرونا أن الحياة جميلة. ربما لا يتخيلون مقدار الجمال الموجود هنا، وبلدنا مليء بأماكن جميلة، ويفترض بنا تسليط الضوء على كل هذا الجمال الذي نمتلكه. أنا طيلة الوقت أقول: الحياة حلوة. صحيح أننا مررنا بلحظات قاسية، لكن هناك الكثير من الأشياء الجميلة. نحن دورنا في هذه المرحلة نشر كل هذا الجمال العميق، بعيداً عن كل التسطيح والقبح الذي يحاول الجو الاستهلاكي نشره”.
فلسفة الجمال – مقابلة مع المهندس محمد خير اللبابيدي
المهندس محمد خير اللبابيدي، مدير مؤسسة نبض المستقبل للتدريب، مدرب دولي في التنمية البشرية وعلوم الطاقة، وعضو الضابطة العدلية في قسم الإعلام والترويج بمديرية سياحة ريف دمشق، تحدث عن الأبعاد الفلسفية للجمال في هذا المكان.
قال المهندس محمد: “مجرد النظر إلى الورد يعطي راحة في النفس، الألوان الزاهية تنعكس على نفسية الإنسان. علاقة اللون مع الإنسان هي علاقة راحة. أنا باعتباري مدرباً في علوم الطاقة، أؤكد أن هناك طاقة اللون وطاقة الرائحة. هذه الطاقة تولد إحساس الجمال، مغروسة فينا وفي نزوليتنا. مطلوب أن نبحث عن الجمال وأن نطمس كل هذا القبح والتشويه”.
وأضاف: “الناس يجب أن تنتقي المشاهد الجميلة بعينيها، كي تنعكس على فكرة الجمال في الداخل. أن نستنشق روائح جميلة عطرة، أن نجلس في المجالس الجميلة. حتى في فلسفة الحياة، هناك ثقافة حياة تتمثل في توجيه النظرة بشكل صحيح. ما نجلسه أو نشاهده إما يؤثر على نفسنا إما يقلل الجمال بداخلنا، مثل مشاهد العنف والطاقة السلبية. هذه تسرق الإحساس بالجمال في الإنسان وتخرجه من فطرته الإنسانية”.
لذلك، نرى الرحلات مثل هذه الرحلة إلى المساحات الجميلة والأماكن الجميلة. لا أحد يذهب إلى مناظر مشوهة سيئة، بل يبتعد عنها ويحاول أن يدير وجهه عنها. الناس يذهبون إلى مناظر جميلة، إلى عبق الطبيعة، إلى عبق التاريخ، إلى تراثنا الممتلئ بجمال مفاهيم الجمال. نحن كحضارة، طالما صدرنا الجمال العميق والحالة العميقة من الفكر. تاريخنا مليء بكل هذا. الإنسان الذي يعيش بين الورود وجمال الورود والعطور سوف يأخذ جزءاً منها، فسينعكس ذلك عليه، سيصبح أكثر إنسانية، أكثر جمالاً، أكثر روحاً. تتألم روحه إذا مسها أي أذى أخلاقي أو سلوكي. لذلك ابحث عن الخضرة، عن الماء، عن الروح الجميلة، عن الطاقة الجميلة، عن وجه الحسن. العلاقات الروحية جميلة بين الناس والطبخ، والأهم العلاقة الجميلة مع الطبيعة: أن نسميها، أن نهتم بها، أن نقضي معها من الأرواح الجميلة حتى تعطينا هي أيضاً.
الورد الدمشقي كإرث ثقافي – حلا علي
حلا علي، مديرة المكتب الإعلامي في مديرية سياحة دمشق، تحدثت عن البعد التراثي: “من الجميل رؤية طلاب المعهد الفندقي يخوضون تجربة التعامل مع الورد الدمشقية، ابتداء من قطفها، كونها إرثاً دمشقياً. تم توثيق الوردة الدمشقية عام 2018 على قائمة التراث. وأيضاً، أقيم المعرض الذي في قلعة دمشق بعنوان ‘وردة وتراث’، نتحدث فيه عن الورد الدمشقية وعلاقته بالتراث. المعرض موجود ضمن قلعة دمشق، وهي تراث. أقيم المعرض بسبب يوم التراث العالمي واقتراب موعد قطف الوردة الدمشقية. جمعنا المهتمين بعلم الجمال وصناعة الورد الدمشقية والتعرف على معالم الجمال في هذه الرحلة، كل ما يتعلق بالوردة الدمشقية الجميلة، وجمعناه في هذه الرحلة”.
عكس صورة سوريا – ضياء حيدر
ضياء حيدر، مدير المكتب الإعلامي في مديرية سياحة ريف دمشق، قال: “نحن نعيش رحلة تهتم بقطف الوردة الشامية، لتعكس عراقة سوريا في مختلف المناطق، لنعيش هذه الحالة الجميلة. في هذه الرحلة نظهر ليس فقط جمال هذا المكان، بل جمال سوريا ككل، جمال الطبيعة والتعايش الجميل بين مختلف المناطق”.
عالم منفصل – رغد الزراد
رغد الزراد، مشرفة دعاية علمية ومسؤولة عن الفريق العلمي الذي يعمل في مجال إنتاج تقطير الورود، عبّرت عن تجربتها الشخصية: “عندما آتي إلى العمل كل صباح في هذا المكان، أشعر أننا منفصلون عن كل هذا العالم الاستهلاكي الذي يشجع الاستهلاك والتسليع. نحن هنا نتعامل مع الورود الرقيقة الجميلة التي يجب أن أعتني بها كي تظهر كما يجب. يجب أن أعتني بنفسي كي أظهر أيضاً. نشعر أنا وزملائي الذين نعمل هنا أننا منفصلون عن العالمية الخارجية. عندما آتي إلى هذا المكان، أنسى كل شيء في هذا الكون، وأنغمس في عملي بشغف وجمال. أشعر أنني قادرة على الضحك والابتسامة والتعامل الودود. نفسيتنا ومزاجنا وضحكتنا… تشعرين أنك هنا ضمن عالم جمالي مختلف. أشعر أنه عندما ينفتح الباب، أنه فتح باب الجنة. هنا جنة الدنيا”.
وأضافت: “فلسفة الجمال في هذا المكان تنعكس من الوردة إلى المكان إلى البشر الذين يتعاملون ويعيشون هناك. سلوكياتهم وتعاملهم مختلف. هنا عالم مختلف”.
#سفير برس- سعاد زاهر



