منهجية الكايزن اليابانية والحالة السورية… تجربة ناجحة لحالة فريدة ..بقلم : د. محمد إبراهيم الدغيم
#سفيربرس _الكويت
كايزن(Kaizen )… عندما يصبح التحسين ثقافة وطن … ( 1 )
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والإدارية و تكثر فيه التحديات ، فإن الدول والمؤسسات تبحث دائماً عن نماذج عملية وفعالة للنهوض وإعادة البناء و إتقان العمل و رفع الكفاءة والجودة بعيداً عن الحلول التقليدية ذات التكلفة العالية أو الخطط النظرية المعقدة، والعمل بأبسط الإمكانات المتاحة ..
وإن سنة التعارف الحضاري بين الشعوب الذي أرسى دعائمها القرآن الكريم حين قال ربنا عز وجل ( و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ) لا يشمل تعارف الألوان و الأنساب و الجغرافيا فحسب ، بل يشمل تبادل المنافع و الاستفادة من تجارب الشعوب و خبراتها من تبادل العلوم و المعرفة و الاستفادة من النماذج الإدارية الناجحة و التعاون فيما بينها لمواجهة الأزمات و الكوارث و نقل الخبرات التعليمية والتقنية و تعلم المزيد من أساليب النهوض والإصلاح الإداري و بالذات بعد الأزمات و الانتكاسات التي تمر بها البلدان .
ولا يخفى على متابع للشأن السوري و مراقباً جيداً لمآلات الأمور الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة للنهوض ببلد أنهكته ظروف الإهمال لعدة عقود و الدمارالكبيرالذي لحق به و ملاحظة الخطوات الإجرائية التي تقوم بها الحكومة لإعادة بناء الانسان و تحقيق العدالة الانتقالية و إعادة هيكلة المؤسسات و مكافحة الفساد و تحقيق العدالة و الشفافية والرقابة ، و مع كل ذلك لا يمنع أن نستفيد في حالتنا السورية من حالات الشعوب و البلدان التي مرت بظروف مشابهة و تطويعها بما يتناسب مع معطيات الواقع السوري و يلائم خصوصيته و ثقافته ..
و هنا نستعرض كمثال للاستفادة من تجارب الشعوب و خبراتها منهجية الكايزن اليابانية و التي تعتبرمن بين أكثر التجارب الإدارية نجاحاً وتأثيراً في العالم ، والتي استطاعت أن تنقل اليابان من آثار الدمار بعد الحرب العالمية الثانية إلى واحدة من أقوى الاقتصادات العالمية.
وقد تبنت هذه المنهجية عدة شركات عالمية كبرى مثل Toyota، لتصبح نموذجًا ناجحًا في رفع الجودة وتقليل الهدر وتعزيز الكفاءة الإنتاجية والإدارية حتى أنها أصبحت ثقافة عمل لدى الشعب الياباني و أسلوب حياة .
ولا يقتصر تطبيق كايزن على القطاع الصناعي فقط، بل امتد ليشمل المؤسسات الحكومية والتعليمية، والصحية، والخدمية، و تطوير الأفراد لذواتهم.
و تُعدّ إدارة الجودة الشاملة منهجية كايزن (Kaizen) من أهم الفلسفات الإدارية على مستوى العالم التي ساهمت في نهضة المؤسسات بكل أنواعها سواءً الإدارية ،الصناعية و الصحية والخدمية .
واليوم، تبدو الحالة السورية بحاجة حقيقية إلى تبنّي مثل هذه الفلسفات الإدارية الحديثة، ليس فقط لإعادة بناء المؤسسات، بل لإعادة هيكلة ثقافة العمل والإنتاج والتطوير المستدام و بنائه .
فما هي منهجية الكايزن ؟
تعني كلمة (كايزن )
Kai = تغيير
Zen = للأفضل
أي أن كلمة “كايزن” (Kaizen) في اللغة اليابانية تعني:
التحسين المستمر أو التطوير التدريجي الدائم.
وتقوم هذه الفلسفة على فكرة أن الإنجازات العظيمة و النجاحات الكبرى ليست نتيجة قرارات مفاجئة ، بل حصيلة عمل متواصل بخطوات بسيطة و تطوير تدريجي و تحسينات صغيرة متراكمة بسيطة لكنها
و لنستعرض أهم المبادئ التي تقوم عليها الكايزن كفلسفة عمل و أسلوب حياة :
أولاً : التحسين المستمر:
فالتحسين من وجهة نظر الكايزن يجب أن لا يتوقف، مهما كان الأداء جيدًا،
فالفكرة الأساسية هي أن يصبح كل يوم أفضل من الذي قبله .
و بالتأكيد هذا يشمل :
تطوير الإجراءات ، تحسين الجودة ،تقليل الوقت والجهد و رفع رضا العاملين والمستفيدين .
ثانياً: التغييرات الصغيرة المتراكمة :
كايزن لا تعتمد على القفزات الإدارية المفاجئة، بل تعتمد على خطوات بسيطة ، تطوير تدريجي و تحسينات يومية ، ومع الزمن تتحول هذه التحسينات الصغيرة إلى نتائج عظيمة .
ثالثاً : مشاركة الجميع
فالتحسين مسؤولية الجميع و لا يقتصر على فئة بعينها ، فالكل معني بالأمر الإدارة العليا و الوسطى ، رؤساء الأقسام ،الموظفون ، الفنيون و العاملون الميدانيون ..
فكل شخص قادر على اقتراح تحسين ، و يجب أن تؤخذ أفكاره بعين الاعتبار دون التقليل من أهمية أي فكرة بل و التشجيع على توليد الأفكار .
رابعاً: التقليل من الهدر بكل أنواعه
تركز كايزن على إزالة كل ما لا يعوق العمل أو لا يضيف قيمة له، مثل الوقت الضائع ، الإجراءات المعقدة ،الأخطاء المتكررة ، الهدر المالي و الانتظار الطويل فعامل الوقت منأهم العوامل لإحداث التغيير و التحسين المطلوب .
خامساً : التركيز على مكان العمل الحقيقي
في كايزن يوجد مفهوم مهم يسمى:
Gemba
أي “المكان الحقيقي للعمل”.
فالإدارات لا تعتمد في تقييمها فقط على التقاريرالتي تصلها، بل تعتمد إضافة لها الجولات الميدانية المتكررة لفهم المشكلة مباشرة و تكون على تماس مع الخطوات الإجرائية للعمل و و الاطلاع على سير العمل و ملاحظة أماكن الالتزام ونقاط القوة و مواطن الخلل .
سادساً: حل المشكلات من جذورها :
إن من يعمل يخطئ ، و لا يوجد عمل يخلو من المشاكل ، لذلك و بدلا من معالجة النتائج فقط ، و بعد تحديد المشكلة و توصيفها بدقة يتم البحث عن :
السبب الحقيقي للمشكلة ، جذور الخلل و مواضعه ، حلول للمشكلة ، أفكار مساعدة و آليات منع تكراره .
سابعاً : المسؤولية والانضباط والالتزام
أن من أهم العوامل التي يعتمد عليها نجاح كايزن هو الالتزام اليومي ، ثقافة العمل ، احترام الوقت و اتباع المعايير .
لماذا نحتاج الكايزن في سورية ؟
بعد النجاح الذي حققته اليابان عبر هذه المنهجية في تطوير العديد من القطاعات الصناعة والتعليمية والإدارية والخدمية، حتى أصبحت الجودة اليابانية نموذجاً عالمياً يُحتذى بعد أن كان بلداً مدمراً فإننا قد نجد أنفسنا دائمي البحث لمحاكاة تجارب لبلدان تشبه في ظروفها الظروف التي مر بها وطننا سورية و نأخذ من عصارة تجارب هذه البلدان في إعادة بناء المؤسسات ، تحسين الخدمات الحكومية ، رفع كفاءة الموارد البشرية ، معالجة الترهل الإداري و مكافحة الفساد الإداري ، تنشيط الاقتصاد والإنتاج وجذب الاستثمارات و استعادة الثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسة.
وهنا تظهر أهمية الكايزن، لأنها لا تعتمد على الإمكانات الضخمة فقط واستحالتها في ضعف الإمكانات كما في حالتنا ، بل على حسن الإدارة ،استثمار الموارد المتاحة و التحسين التدريجي الواقعي.
فسورية اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة إعمار الفكر الإداري وثقافة العمل.
الكايزن والحالة السورية: من الأزمة إلى الفرصة و من المحنة إلى المنحة :
رغم التحديات بكل أنواعها ، إلا أن وطننا سورية يمتلك عناصر مهمة يمكن أن تجعل تجربة الكايزن قابلة للنجاح و بقوة ، ومن أهم هذه العناصر الكفاءات و الموارد البشرية المتوفرة ، الخبرات المتنوعة والمتراكمة ، الاستفادة من ثقافات و تجارب الشعوب في دول الشتات و الاغتراب ، وجود الرأس المال السوري الوافد من الخارج و ريادة الأعمال ، الحيوية والمرونة و القدرة على التكيّف ، روح المبادرة لدى الشباب و الحاجة المجتمعية للتطوير الحقيقي.
و بناء على ما سبق فإن تطبيق كايزن يعتمد على إشراك جميع العاملين في عملية التطوير، بدءًا من الإدارة العليا وحتى الموظفين في الميدان، مما يخلق ثقافة مؤسسية قائمة على العمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والبحث الدائم عن فرص التحسين، كما يركز على معالجة المشكلات من جذورها، والاستفادة المثلى من الموارد المتاحة، وتحقيق التطوير التدريجي بدلاً من التغيير المفاجئ.
وفي ظل التحديات الإدارية والاقتصادية التي تواجهها المؤسسات اليوم ، أصبحت منهجية كايزن خيارًا عمليًا وفعّالًا لتحقيق التنمية المؤسسية المستدامة، وبناء بيئة عمل أكثر مرونة وكفاءة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الحديثة.
#سفيربرس _بقلم :د. محمد إبراهيم الدغيم _الكويت



