الفن بين الذاكرة والجدارية الدكتور محمد صبحي السيد يحيى يرسم حكاية سورية بلونينن الأوغاريتي والتجريدي
#سفيربرس _ريم الأسعد

من جدران غرفة طفل إلى رئاسة اتحاد الفنانين التشكيليين مسيرة سورية تمردت على الحصار وأصرّت على الإبداع
طفل يمسك فرشاة كأنها امتداد لأصابعه، يرى في كل جدار لوحة بيضاء تنتظر حكاية .
لم يكن الدكتور محمد صبحي السيد يحيى يعلم أن تلك البدايات البسيطة حيث كان يرسم على جدران غرفته وكأنها مخطوطات أثرية ستؤول به يوماً إلى قيادة المشهد التشكيلي السوري في واحدة من أعقد مراحله .
في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، كان الشاب محمد ينهل من الحركة التشكيلية المحلية والعالمية لكن شغفه الحقيقي كان مختلفاً الخرائط التاريخية ، الآثار، الأختام السورية والحضارة الأوغاريتية
لم يرد أن يكون فنانًا عادياً بل أراد أن يحول اللوحة إلى وثيقة بصرية وأن يجعل من كل سطح مرآة تعكس روح الماضي بلسان الحاضر
” كنت مفتوناً بالخطوط والزخارف، وكيف يمكن للفن أن يحكي التاريخ بطريقة مرئية ” يتذكر الدكتور يحيى “كنت أحول أي ورقة إلى عالم مليء بالرموز والحكايات ”
عام 1987 كان استثنائيًا مشاركته الأولى في معرض جماعي لم تكن مجرد حدث فني عابر بل كانت اللحظة التي أيقن فيها أن هناك جمهورحقيقي يستجيب لرؤيته لم يعد الرسم حوار فردي بينه وبين الجدران بل أصبح رسالة تمتد إلى الآخرين .
يجد الدكتور محمد صبحي السيد يحيى نفسه في مدرسة لا تشبه غيرها (مدرسة تجريدية خاصة) تمتزج بلمسة أثرية مستمدة من فن الجداريات القديمة والأختام السورية كل لوحة عنده تصبح رحلة زمنية وبصرية تمزج بين الرمزية التاريخية واللغة المعاصرة .
فيقول “أحب المزج بين الأصالة والحداثة، وبين الحضارات القديمة والتجريدية المعاصرة، لأصنع هوية بصرية متفردة” .
الفن في زمن الحصاروالثورة
لم يكن الطريق معبداً بالورود حيث مرّ الفن التشكيلي السوري بمراحل متقلبة من الرخاء إلى الحصار الاقتصادي الطويل ثم إلى ثورة مارس المباركة كل محطة تركت جرحها وبصمتها على اللوحة .
يقول الدكتور يحيى ” الأزمات كانت اختبارًا للفنانين صعّبت الوصول إلى المواد والمعارض لكنها أيضاً أفرزت روحاً من الصمود والإبداع غير التقليدي تحول الفن فيها إلى أداة للتوثيق والمقاومة ضد النظام والتعبير عن الهوية السورية في مواجهة الصعاب التي زرعها في طريق الفن ” .
إن العمل الإداري الذي تقلّده الدكتور يحيى وهو مسؤولية إدارة اتحاد الفنانيين التشكيليين قد يكون سرق منه بعض الوقت للتفرغ الكامل للرسم لكنه باعترافه فتح له آفاقاً أخرى
” العمل الإداري منحني فرصة للتنوع وتطوير مهارات تنظيمية وفنية على حد سواء وفتح لي آفاقاً للتأثير في المشهد الفني من زاوية تنظيمية واستراتيجية ” .
و يصِف الدكتور يحيى واقع الفن التشكيلي السوري اليوم بأنه ” مليء بالإبداع والجرأة ” لكنه يعاني من صعوبات في التمويل وضعف في الدعم المؤسسي و نقص في مساحات العرض ومع ذلك هو يرى إيجابيات حقيقية مثل ” الإبداع، المرونة، التجريب، والقدرة على التعبير عن الهوية والهموم المحلية”.
وهو “راضٍ جزئياً ، هناك أعمال متميزة ومواهب واعدة لكننا بحاجة إلى دعم أكبر ورعاية للتجريب والابتكار ” .
من منبره كفنان وإداري وقائد في المشهد التشكيلي السوري يوجه الدكتور محمد صبحي السيد يحيى رسالة إلى زملائه الفنانين السوريين والعرب
“علينا أن نثق بإبداعنا وأن نستمر في التعبير عن هويتنا وقضايا مجتمعنا رغم الظروف القاسية ، الفن هو مرآة الروح والذاكرة فلا تترددوا في تجربة الجديد ومشاركة أعمالكم مع العالم بكل فخر ” .
الدكتور محمد صبحي السيد يحيى ليس مجرد فنان تشكيلي ولا مجرد رئيس اتحاد إنه حالة ثقافية تمزج بين البحث الأثري واللمسة التجريدية بين إدارة المؤسسات وشغف الفن
في لوحاته تلتقي أوغاريت بدمشق اليوم وفي مسيرته يتجسد سؤال كبير كيف يمكن للفن أن يصمد حين تنهار المدن بل كيف يصبح هو الذاكرة البديلة ؟
ربما يكون الجواب في جملة قالها الرجل بتواضع من يعرف أن الطريق لم ينتهِ بعد “كانت البداية بسيطة لكنها مليئة بالشغف والبحث المستمر والتجربة والتعلم من كل عمل ” .
وبقدر ما تكون البدايات بسيطة تكون العظمة فيمن لا يتوقف عن الحلم، حتى لو كان الحلم الأول على جدار غرفة لا يتجاوز حجمها مترين فقط .
#سفيربرس _ريم الأسعد




