الشاعر العراقي حسين السياب لسفيربرس : القصيدة الحقيقية تغيّر كاتبها قبل أن تصل إلى القارئ
#سفير برس _حوار: هويدا محمد مصطفى

الشعر هو ثورة الكلمة ولغة القافية التي لا تفتأ تصرخ ممتلئة بالشاعرية. إنه يرسم ملامح الوجود والموجود، ويكشف أعماق ذاتية الشاعر الذي يخلق من أبجدياته لغة جديدة بوسائل تعبيرية تشكّل لوحات كتابية. هكذا تميز الشاعر العراقي حسين السياب بقصيدته النثرية التي تضفي على الشعر جغرافيته الروحية، معتمدةً على الدفقة الشعورية المتماسكة، ذات الإيقاع الموسيقي الداخلي، وعلى عنصري الدهشة والمفاجأة، لينثر عبق التاريخ بأصابع الوقت المتكئ على جدار الشعرية بكل تجلياتها.
صدر للشاعر خمس مجموعات شعرية: “بتوقيت القلب”، و”تسابيح الوجع”، و”عزف الرمال”، و”مطر على خد الطين”، و”قبل أن يستيقظ البحر”. كما صدر كتاب عن تجربته الشعرية بعنوان “النوستالجيا الشعرية وتجاذبات الأنطولوجيا: الشاعر حسين السياب أنموذجاً” من تأليف الأديبة أحلام حسين غانم. نُشرت له العديد من القصائد والمقالات الثقافية في صحف ومجلات عراقية وعربية، وكُتبت عنه دراسات عديدة من قبل نقاد عراقيين وعرب. سفير برس التقت الشاعر العراقي، وكان لنا معه هذا الحوار:
*_ متى يمكن للشاعر أن يكشف آليات الخطاب الشعري، ومدى انفتاحه على تجليات اللحظة الإبداعية؟
**_ الشاعر الحقيقي لا يكشف آليات خطابه الشعري إلا حين يتصالح مع هشاشته الإنسانية، ويكفّ عن التعامل مع القصيدة بوصفها صنعة لغوية فقط. إنّ اللحظة الإبداعية ليست قراراً واعياً، بقدر ما هي انخطاف داخلي، أشبه بوميضٍ يمرّ في عتمة الروح. وحين ينفتح الشاعر على جرحه، وعلى دهشته الأولى تجاه العالم، تصبح اللغة أكثر قدرة على الإفصاح عمّا تعجز الحياة عن قوله. القصيدة لا تُولد من البلاغة وحدها، بل من احتكاك القلب بالغياب، ومن قدرة الشاعر على الإصغاء لصمت الأشياء.
*_ قصائدك ترجمة للواقع بأسلوب جمع بين الفلسفة والدهشة. ماذا تقول في ذلك؟
**_ أنا لا أكتب الواقع كما هو، إنما كما يترك ظلاله في داخلي. الواقع بالنسبة لي سؤال وجودي يتخفّى في التفاصيل اليومية. الفلسفة في النص محاولة لفهم هذا الخراب الإنساني، والدهشة هي آخر ما تبقّى لنا كي لا نتحوّل إلى آلات تعيش بلا روح. أحاول أن أجعل القصيدة نافذة يرى القارئ عبرها العالم بطريقة أقلّ اعتياداً، وأكثر وجعاً وتأمّلاً.
*_ الكثير من الأدباء يعبرون عن آرائهم من خلف ستار شخصياتهم. هل حسين السياب موجود في كتاباته كشاهد لكل عصر؟
**_ لا أستطيع أن أختبئ تماماً خلف شخصياتي أو استعاراتي، فالشاعر مهما حاول التخفّي تفضحه لغته. حسين السياب موجود في نصوصه بوصفه شاهداً على هشاشة الإنسان، وعلى تحولات الروح في زمن القسوة. أنا لا دوّن سيرة ذاتية مباشرة، لكنّني أترك قلبي بين السطور. وربّما لهذا السبب تبدو القصيدة أحياناً وكأنها اعتراف طويل بصوتٍ خافت.
*_ ما زالت هناك جدلية حول قصيدة النثر، وأنت تكتب قصيدة النثر. برأيك، ما الذي يميزها عن باقي الأنماط الشعرية؟
**_ قصيدة النثر ليست تمرّداً على الشعر، بل هي بحثٌ عن جوهره الحرّ. ما يميزها هو قدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة والهامشية، وعلى خلق موسيقاها الداخلية بعيداً عن الإيقاع التقليدي. إنها تعتمد على كثافة الصورة، وعمق الرؤية، والاقتصاد اللغوي، وعلى ذلك التوتر الخفي بين المعنى والصمت. المشكلة ليست في الشكل، إنما في قدرة النص على إدهاش القارئ وإشعاره بأن اللغة ما تزال قادرة على إنقاذ المعنى من الابتذال.
*_ هل ترى أن ثقافة الشاعر تخدمه شعرياً، أم شعره يخدمه ثقافياً؟
**_ العلاقة بينهما عضوية وعميقة. ثقافة الشاعر تمنحه أفقاً أوسع للرؤية، لكنها لا تصنع شاعراً بالضرورة. المعرفة دون حساسية شعرية تتحول إلى خطاب بارد. وفي المقابل، الشعر الحقيقي يعيد إنتاج الثقافة بطريقة أكثر إنسانية وجمالاً. أعتقد أن القصيدة العظيمة هي تلك التي تجعل الفكرة تنبض، وتجعل المعرفة تمشي على قدمين داخل الروح.
*_ (قبل أن يستيقظ البحر) مجموعتك الشعرية الخامسة. كم يأخذك البحر برمزيته، وما تأثير العنوان على المتلقي برأيك؟
**_ البحر بالنسبة لي كائنٌ هائل يسكن الذاكرة والقلق والانتظار. إنه رمز للتحوّل والغموض والعمق، وأحياناً للخوف المؤجّل. عنوان (قبل أن يستيقظ البحر) يحمل حالة ترقّب وجودي، كأن العالم يقف على حافة انكشاف كبير. أحبّ العنوان الذي يفتح باب التأويل، ويترك القارئ في مواجهة سؤال لا إجابة نهائية له. فالعنوان الجيد ليس لافتة، بل هو العتبة الأولى للدهشة.
*_ كيف ترى الواقع الثقافي في ظل الحروب بالعالم العربي بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص؟
**_ الحروب تدمّر المدن، وتُرهق المخيلة أيضاً. الثقافة العربية اليوم تعيش بين ركام السياسة وخيبات الإنسان، لكنها رغم ذلك ما تزال قادرة على إنتاج الضوء. في العراق تحديداً، الثقافة تشبه شجرة نجت من الحرائق الكثيرة، لكنها ما تزال تمنح الظلّ والأغنيات. ما يؤلم حقاً هو أن المثقف العربي غالباً ما يُترك وحيداً في مواجهة الخراب، ومع ذلك يواصل الكتابة كمن يحاول إنقاذ ما تبقّى من المعنى.
*_من خلال تجربتك في مجال النقد، ومن خلال ما نشاهده عبر مواقع التواصل الاجتماعي من نقد لبعض النصوص الشعرية، هل هذا هو النقد الحقيقي الذي يخدم النص الشعري؟
**_ معظم ما يُطرح في مواقع التواصل هو انطباعات سريعة أكثر من كونه نقداً حقيقياً. النقد يحتاج إلى معرفة جمالية وفكرية، وإلى قراءة عميقة للنص وسياقه ورؤيته. المشكلة أن البعض يتعامل مع النقد بوصفه إصدار أحكام، بينما النقد الحقيقي هو كشف الطبقات الخفية في النص، وإضاءة مناطق الجمال والقصور معاً. النص الشعري لا يخدمه التصفيق المجاني ولا الهجوم المجاني، وإنما القراءة الواعية التي تحترم الشعر والقارئ معاً.
*_ كيف تتجلى صورة المرأة في قصائدك؟
**_المرأة في قصائدي رمز للحياة والنجاة والحنين. أحياناً تظهر بوصفها وطناً، وأحياناً أمّاً كونية، وأحياناً مرآة يرى الرجل عبرها هشاشته. أنا أكتب المرأة كروح قادرة على ترميم الخراب الداخلي. وربّما لهذا تبدو المرأة في نصوصي أكثر قرباً من الضوء، وأكثر التصاقاً بالألم النبيل.
*_ هل القصيدة تكتبك، أم أنك أنت تكتب القصيدة؟ وما التداعيات التي تستفز قلمك؟
**_ في البداية أظن أنني أكتب القصيدة، ثم أكتشف بعد ذلك أنها كانت تكتبني من الداخل. القصيدة الحقيقية تغيّر كاتبها قبل أن تصل إلى القارئ. ما يستفز قلمي هو كل ما يمسّ الإنسان: الفقد، العزلة، الحروب، الحب، والأسئلة التي لا تجد جواباً. أكتب لأن الصمت أحياناً يصبح أثقل من اللغة.
*_حسين السياب، هل يتجرد من نفسه لحظة الكتابة؟ وما القصيدة التي تسكن ذاكرتك؟
**_ لحظة الكتابة هي أكثر اللحظات التي أكون فيها قريباً من ذاتي، وفي الوقت نفسه بعيداً عنها. كأنني أخلع وجهي اليومي لأواجه حقيقتي العارية أمام الورق. هناك قصائد كثيرة تسكن ذاكرتي، لكن القصائد التي تبقى فعلاً هي تلك التي كُتبت في لحظات الانكسار الصادق، لأن الألم يترك أثره العميق في اللغة والروح معاً.
*_ ما الضوء الذي يرتب فوضى الشعر في عالمك؟ وهل ينقذك من ضجيج السؤال حول الواقع؟
**_ الضوء الذي يرتب فوضى الشعر في داخلي هو الإيمان بأن الكتابة ما تزال قادرة على منح الإنسان معنى لوجوده. القصيدة محاولة لفهم الواقع وتجاوزه روحياً. نعم، الشعر لا يوقف الحروب، لكنه يمنحنا قدرة على ألا نصبح نسخة أخرى من القسوة. إنه ينقذ هشاشتنا الإنسانية من التصحّر، ويمنح القلب نافذة صغيرة يرى منها العالم أقلّ ظلاماً.
حينَ استعارَ النهرُ ملامحي
كان النهرُ امرأةً
تسرّحُ ماءها
وتعلّقُهُ
على كتفيّ الريح.
كلّما اقتربتُ منها،
أعادت ترتيبَ غيابها،
كأنَّ الأقدار
لا تمنحني
سوى ظلي المرتبك…
أمدُّ يدي
في عمقِ الماء
لأختبرَ
كم تبقّى مني.
كسمكةٍ
أفلتتْ من المعنى،
تراوغُ الخطّاف
وتضيقُ بها الجهات،
كأنَّ الوقتَ
احتمالٌ مؤجَّل…
تسرّبَ العمرُ
من بين أصابعي،
كما يتسرّبُ الرملُ
من جرحٍ مفتوح
في مكانٍ
يتقنُ الخرابَ
أكثرَ مما يتقنُ الحياة…
كنتُ كلّما حاولتُ
أن أرمّمَ نفسي،
انهارَ زمنٌ…
لم أذبل دفعةً واحدةً،
كنتُ أتناقصُ ببطءٍ،
كضوءٍ
ينسى طريقه في العتمة،
وليالٍ
بقمرٍ خافتٍ
كان يحدّقُ بي طويلاً،
كما لو أنّني
ندمُهُ الوحيد…
ذاكرةُ الصفصاف
لم تنصفني.
كانت تُميلُ
نحو الغائبين،
وتتركني
كخطأٍ بلا تفسير،
بلا ظلٍّ
يُشبهني…
ومع أوّلِ انكسارٍ
في طريق الحكاية،
انزلقتِ القصصُ كلّها،
تكسّرتْ
على حافّة الصمت،
وتناثرتْ
كأسماءٍ
فقدتْ أصحابها…
أنا
ذلك الذي حاولَ
أن يعبرَ النهرَ،
فاكتشفَ
أن النهرَ
كان يعبرُهُ.
#سفير برس _حوار: هويدا محمد مصطفى





