نساء مكتبيات : سلسلة وثائقية _ الحلقة ١ _ الأستاذة الدكتورة فائزة أديب عبد الواحد البياتي
#سفيربرس _بغداد _ بقلم أ.د. هدى عباس قنبر
في إطار سلسلةٍ وثائقية تُعنى بتوثيق إسهامات الرواد في علم المكتبات والمعلومات في العراق، نسلّط الضوء على إحدى الشخصيات الأكاديمية البارزة التي أسهمت في بناء التحول المؤسسي والمعرفي للمكتبات العراقية، وهي الأستاذة الدكتورة فائزة أديب عبد الواحد البياتي، بوصفها نموذجًا متكاملًا جمع بين التكوين الأكاديمي الرصين، والرؤية المهنية الحديثة، والقيادة المؤسسية في إدارة المعلومات.
تمثل مسيرتها العلمية والمهنية نموذجًا واضحًا لانتقال اختصاصي المكتبات من الدور التقليدي القائم على الخدمات الفنية البحتة، إلى الدور القيادي المؤثر في صياغة السياسات المكتبية، وتأسيس البُنى التنظيمية للمعلومات، ودعم التحول الرقمي في مؤسسات التعليم العالي، بما يجعل المكتبة مؤسسة إنتاج معرفة وليست مجرد وعاء لحفظها.
ضمن هذا السياق، تتكامل الرؤية العامة لمسيرتها مع التحولات الحديثة في علم المكتبات والمعلومات، حيث انتقلت المكتبات من النمط الورقي إلى النظم الرقمية، ومن الفهرسة اليدوية إلى إدارة البيانات والمستودعات الأكاديمية، ومن الخدمة المرجعية المحدودة إلى منظومات دعم البحث العلمي وصناعة القرار المعرفي.
الحياة العلمية والشخصية
تنتمي فائزة أديب البياتي إلى جيلٍ أكاديمي عايش التحولات الكبرى في بنية المعرفة داخل العراق والعالم العربي، حيث تشكل وعيها المهني في بيئة جامعية كانت تشهد تطورًا تدريجيًا في أنظمة المكتبات الجامعية ومراكز المعلومات. وقد انعكس هذا السياق على شخصيتها العلمية التي اتسمت بالدقة التنظيمية، والاهتمام ببناء أنظمة معلومات متكاملة، والقدرة على الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق المؤسسي.
وتتجلى ملامح رؤيتها في تبني مفهوم “المكتبة بوصفها مؤسسة معرفية ديناميكية”، وهو مفهوم حديث في أدبيات علم المكتبات والمعلومات، يقوم على تحويل المكتبة إلى بيئة إنتاج للمعرفة، ودعم مباشر للبحث العلمي، ومنصة للوصول إلى مصادر المعلومات الرقمية.
ومن هنا، فإن شخصيتها العلمية تندرج ضمن النموذج التكاملي الذي يجمع بين:
• الفهم البنيوي للمعلومات
• وتطوير أدوات تنظيمها واسترجاعها
• وتوظيفها في خدمة البحث العلمي داخل المؤسسات الأكاديمية
النشأة الأكاديمية والمسار العلمي
تقوم مسيرتها الأكاديمية على التخصص في علم المكتبات والمعلومات، وهو مجال معرفي يجمع بين العلوم الإنسانية والتقنيات الحديثة، وقد أسهم هذا التخصص في تشكيل رؤيتها حول:
• تنظيم مصادر المعلومات وفق المعايير العالمية
• تطوير أنظمة الفهرسة والتصنيف
• إدارة قواعد البيانات الببليوغرافية
• دعم التحول نحو الخدمات المكتبية الرقمية
وفي هذا الإطار، يتوافق مسارها مع التحول العالمي في هذا الحقل من “Library Science” إلى “Information Science”، حيث لم يعد التركيز على حفظ المصادر فقط، بل على إدارة المعرفة وإتاحتها وتوظيفها في البحث العلمي وصناعة القرار.
المهام والإنجازات المؤسسية
يمتد أثر الأستاذة فائزة أديب البياتي إلى الجانب المؤسسي الذي يمثل أحد أهم أبعاد تجربتها المهنية، إذ لعبت دورًا محوريًا في بناء البنية التنظيمية للمكتبات العراقية، ومن أبرز مهامها وإنجازاتها:
• أسست جمعية اختصاصيي المعلومات والمكتبات والتوثيق العراقية، بوصفها إطارًا مهنيًا لتنظيم عمل المختصين في هذا المجال وتعزيز التعاون العلمي بينهم
• تولّت رئاسة الجمعية، وأسهمت في إصدار مجلة علمية متخصصة في المكتبات والمعلومات، أصبحت منصة لنشر الدراسات والأبحاث المحكمة في هذا الحقل
• شغلت منصب مديرة قسم المكتبات الجامعية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو موقع إداري استراتيجي يرتبط بوضع السياسات العامة للمكتبات الجامعية وتطوير خدماتها
• ساهمت في دعم وتطوير مشاريع وطنية في مجال المعلومات الرقمية، من أبرزها مشاريع المكتبة الافتراضية العلمية العراقية، التي هدفت إلى توسيع الوصول إلى مصادر المعرفة العلمية عبر البيئة الإلكترونية
الإنتاج العلمي والإسهامات البحثية
يمثل إنتاجها العلمي امتدادًا لرؤيتها في تطوير علم المكتبات والمعلومات، حيث ركزت دراساتها على قضايا التحول الرقمي وإدارة المعرفة، ومن أبرز محاورها البحثية:
• المكتبات الرقمية والمستودعات الأكاديمية
• النشر الإلكتروني والدوريات العلمية
• نظم استرجاع المعلومات ومحركات البحث
• تطوير البنية المعلوماتية في المؤسسات الأكاديمية
كما تضمنت إسهاماتها البحثية دراسات حول المستودعات الرقمية للمجلات الأكاديمية العراقية، وأبحاثًا متعددة في مجال التوثيق العلمي وإدارة المعرفة، إضافة إلى مشاركات في مؤتمرات علمية عربية ودولية تناولت التحول الرقمي في المكتبات الجامعية. وقد عزز هذا الإنتاج حضورها ضمن الحركة العلمية المتخصصة في علم المعلومات على المستوى الإقليمي.
البعد المؤسسي والدور الوطني
يتجاوز دورها الإطار الأكاديمي إلى الدور الوطني في تنظيم قطاع المكتبات والمعلومات، حيث أسهمت في:
• تطوير سياسات المكتبات الجامعية في العراق
• الإشراف على مشاريع التحديث والتطوير في المكتبات الجامعية
• دعم التحول نحو الأنظمة الإلكترونية في إدارة المعلومات
• تعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية العراقية ونظيراتها العربية والدولية
وهكذا، فإن تجربتها تمثل نموذجًا للقيادة العلمية التي تربط بين المعرفة والتطبيق، وبين البحث العلمي وصناعة القرار المؤسسي.
الإرث المهني والأثر الأكاديمي
يمكن قراءة مسيرتها بوصفها جزءًا من التحول البنيوي الذي شهده علم المكتبات في العراق والعالم العربي، حيث انتقلت المكتبة من كونها مؤسسة خدمية تقليدية إلى مؤسسة معرفية فاعلة في إنتاج المعرفة وإدارتها. وقد انعكس هذا التحول في:
• رفع كفاءة الخدمات المعلوماتية في المؤسسات الأكاديمية
• دعم البحث العلمي وتوسيع مصادره الرقمية
• تعزيز مفهوم إدارة المعرفة داخل الجامعات
• إدماج التقنيات الحديثة في العمل المكتبي
في المحصلة، تمثل الأستاذة الدكتورة فائزة أديب البياتي نموذجًا رائدًا للقيادة الأكاديمية والمكتبية في العراق، حيث تجسدت في مسيرتها العلاقة التكاملية بين العلم والإدارة، وبين النظرية والتطبيق، وبين المكتبة كمؤسسة تقليدية والمكتبة كنظام معرفي متطور.
وبذلك، تظل تجربتها جزءًا من الذاكرة المؤسسية لعلم المكتبات في العراق، وشاهدًا على التحول نحو عصر المعرفة الرقمية، حيث تصبح المكتبة مركزًا لإنتاج المعرفة لا مجرد وعاء لحفظها، وفاعلًا أساسيًا في بناء المجتمع العلمي الحديث.
#سفيربرس _ بقلم ا.د. هدى عباس قنبر
كلية العلوم الإسلامية / جامعة بغداد


