(الإدمان العاطفي) عندما تتحول الحاجة إلى الحب إلى تعلق مؤلم _ بقلم : د. هلا شيخ شوك
#سفيربرس
يُعد الإدمان العاطفي من أكثر المشكلات النفسية شيوعًا، إلا أنه من أقلها إدراكًا. فكثير من الأشخاص يعتقدون أن التعلق الشديد بالشريك دليل على الحب الحقيقي، بينما قد يكون في الواقع نمطًا نفسيًا غير صحي يؤدي إلى فقدان الاستقلالية، وتدني تقدير الذات، والاعتماد الكامل على شخص آخر لتحقيق الشعور بالأمان والسعادة.
الإدمان العاطفي ليس حبًا عميقًا، بل هو اعتماد نفسي يجعل الفرد يشعر بأنه غير قادر على العيش أو اتخاذ القرارات أو الشعور بالراحة دون وجود الطرف الآخر، مما يسبب معاناة كبيرة عند حدوث الخلافات أو الانفصال.
ما هو الإدمان العاطفي؟
الإدمان العاطفي هو حالة من التعلق النفسي المفرط بشخص معين، بحيث يصبح وجوده مصدرًا أساسيًا للشعور بالأمان والقيمة الذاتية، ويؤدي غيابه إلى القلق أو الحزن أو الفراغ الشديد.
ورغم أن مصطلح “الإدمان العاطفي” ليس تشخيصًا مستقلاً في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR)، فإنه يُستخدم في علم النفس لوصف أنماط من التعلق غير الآمن والاعتماد العاطفي المرضي.
الفرق بين الحب الصحي والإدمان العاطفي
الحب الصحي:
يقوم على الاحترام والثقة المتبادلة.
يحافظ كل طرف على استقلاليته.
يسمح بالنمو الشخصي لكل من الشريكين.
لا يعتمد الشعور بالسعادة على وجود الآخر بشكل كامل.
الإدمان العاطفي:
خوف دائم من فقدان الطرف الآخر.
تضحية مفرطة بالنفس لإرضائه.
فقدان الهوية الشخصية.
مراقبة مستمرة وغيرة مفرطة.
تقلبات انفعالية مرتبطة بتصرفات الشريك.
أسباب الإدمان العاطفي
لا ينشأ الإدمان العاطفي من سبب واحد، وإنما نتيجة تفاعل عدة عوامل:
أولًا: أساليب التعلق في الطفولة
الأطفال الذين نشؤوا مع رعاية غير مستقرة أو متقلبة قد يطورون نمط تعلق قلق يجعلهم يخشون الهجر باستمرار.
ثانيًا: انخفاض تقدير الذات
الشخص الذي لا يشعر بقيمته الداخلية قد يبحث عن قيمته في قبول الآخرين له.
ثالثًا: الصدمات النفسية
مثل:
الإهمال العاطفي.
فقدان أحد الوالدين.
العلاقات السامة السابقة.
الخيانة أو الرفض المتكرر.
رابعًا: المعتقدات الخاطئة
مثل:
“لا أستطيع العيش وحدي.”
“إذا تركني أحد فهذا يعني أنني لا أستحق الحب.”
“يجب أن أضحي بكل شيء حتى لا أخسر من أحب.”
أعراض الإدمان العاطفي
قد تظهر الأعراض على شكل:
التفكير المستمر بالشخص الآخر.
الخوف الشديد من الانفصال.
الحاجة الدائمة للاطمئنان.
الغيرة المبالغ فيها.
صعوبة اتخاذ القرارات دون استشارة الطرف الآخر.
تجاهل الاحتياجات الشخصية.
قبول الإهانة أو الإساءة خوفًا من الهجر.
الشعور بالفراغ عند الابتعاد عن الشريك.
تقلب المزاج بحسب اهتمام الطرف الآخر أو تجاهله.
الآثار النفسية للإدمان العاطفي
قد يؤدي الإدمان العاطفي إلى:
اضطرابات القلق.
الاكتئاب.
انخفاض تقدير الذات.
الإرهاق النفسي.
العزلة الاجتماعية.
ضعف الإنتاجية.
الدخول في علاقات مؤذية يصعب إنهاؤها.
كيف يفسر العلاج المعرفي السلوكي الإدمان العاطفي؟
يرى العلاج المعرفي السلوكي (CBT) أن المشكلة لا تكمن في العلاقة نفسها، بل في الأفكار والمعتقدات التي يحملها الفرد حول ذاته والآخرين.
ومن أكثر الأفكار شيوعًا:
“لن أكون سعيدًا بدونه.”
“إذا ابتعد عني فسوف أنهار.”
“قيمتي تعتمد على حب الآخرين لي.”
تؤدي هذه الأفكار إلى مشاعر قوية من الخوف والقلق، ثم إلى سلوكيات مثل التعلق المفرط أو طلب الطمأنة باستمرار أو التنازل عن الحقوق للحفاظ على العلاقة، مما يعزز الحلقة السلبية.
علاج الإدمان العاطفي
يشمل العلاج عدة محاور:
1. التثقيف النفسي
فهم طبيعة الإدمان العاطفي والتمييز بين الحب الصحي والتعلق المرضي.
2. تعديل الأفكار السلبية
مراجعة المعتقدات غير الواقعية واستبدالها بأفكار أكثر توازنًا.
3. بناء تقدير الذات
التركيز على نقاط القوة والإنجازات والقدرات الشخصية.
4. تعلم الاستقلالية
تشجيع اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية وتنمية الهوايات والعلاقات الاجتماعية.
5. تنظيم الانفعالات
استخدام مهارات الاسترخاء، والتنفس العميق، واليقظة الذهنية للحد من القلق.
6. وضع حدود صحية
تعلم قول “لا” عند الحاجة، وعدم التضحية المستمرة على حساب الصحة النفسية.
7. العلاج النفسي
يعد العلاج المعرفي السلوكي من أكثر الأساليب فعالية، وقد يكون العلاج المرتكز على التعلق أو العلاج القائم على المخططات (Schema Therapy) مفيدًا أيضًا لبعض الحالات.
متى ينبغي طلب المساعدة؟
يُنصح بمراجعة أخصائي نفسي إذا أدى التعلق إلى:
استمرار العلاقات المؤذية.
نوبات قلق أو اكتئاب متكررة.
ضعف الأداء في الدراسة أو العمل.
صعوبة إنهاء علاقة مؤذية رغم الرغبة في ذلك.
إيذاء النفس أو التفكير بأن الحياة لا قيمة لها بعد الانفصال.
الحب الحقيقي يمنح الإنسان شعورًا بالأمان والاحترام والنمو، أما الإدمان العاطفي فيجعل السعادة معلقة بشخص واحد ويقيد الحرية النفسية. إن بناء علاقة صحية يبدأ من بناء علاقة متوازنة مع الذات، فكلما ازداد تقدير الإنسان لنفسه، أصبح أكثر قدرة على الحب دون خوف، وعلى العطاء دون أن يفقد هويته أو كرامته.
#سفيربرس _ بقلم : دكتورة هلا شيخ شوك



