ثمانية أطفال في يومين… فهل ننتظر التاسع؟!. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
ليس الخبر أن طفلاً غرق في نهر الفرات، فالغرق قد يقع في أي زمان ومكان، ولكن الفاجعة الحقيقية أن نفقد ثمانية أطفال خلال يومين فقط في منطقة واحدة، ثم نمر على الخبر مرور الكرام وكأن الأمر حادثة عابرة من حوادث الأيام.
ثمانية أطفال عادوا إلى بيوتهم محمولين على الأكتاف بدل أن يعودوا إلى أحضان أمهاتهم، وثمانية أسر تحولت أفراحها إلى مآتم، وثمانية مقاعد ستبقى فارغة في البيوت والمدارس. إنها مأساة موجعة تستدعي وقفة صادقة من الجميع؛ من الآباء والأمهات، ومن العلماء والدعاة، ومن الجهات المسؤولة، ومن كل صاحب كلمة أو قرار.
في الأيام القليلة الماضية تناقلت الصفحات الإخبارية أخبار غرق عدد من الأطفال واليافعين في منطقة البوكمال على ضفاف نهر الفرات، حتى بلغ عدد الضحايا خلال يومين فقط ثمانية أطفال. وإن كانت هذه الحوادث مؤلمة في ذاتها، فإن ما يزيدها إيلاماً أن كثيراً منها يمكن الوقاية منه بالتوعية والرقابة والحذر.
أيها الآباء والأمهات…
إن أبناءكم أمانة عظيمة في أعناقكم، وقد حمّلكم الله مسؤولية رعايتهم وحفظهم وصيانة أرواحهم من كل ما يعرضها للخطر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
ومن مقتضيات هذه الرعاية ألا يُترك الأطفال وصغار السن يذهبون إلى الأنهار أو أماكن السباحة الخطرة دون متابعة أو إشراف، وألا يُسمح لهم بالنزول إلى المياه وهم لا يحسنون السباحة أو يجهلون مخاطر التيارات والأعماق وتقلبات المياه.
إن نهر الفرات ليس ساحة لعب، ولا كل موضع منه صالح للسباحة، وقد شهدت المنطقة في الفترة الماضية ارتفاعاً في منسوب المياه وأضراراً لحقت بالأراضي والممتلكات، الأمر الذي يجعل الحذر أكثر إلحاحاً، والرقابة أكثر ضرورة.
وأيها الشباب والأبناء…
إن الشجاعة ليست في اقتحام المخاطر، ولا في تحدي المياه العميقة، ولا في مجاراة الأصدقاء فيما قد يفضي إلى الهلاك. إن الشجاعة الحقيقية هي في معرفة حدود الإنسان وقدراته، وفي الحفاظ على النفس التي كرّمها الله تعالى.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
وحفظ النفس أحد المقاصد الكبرى التي جاءت الشريعة بحمايتها، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يعرّض نفسه لخطر غالب الظن دون حاجة أو ضرورة. ومن يعلم من نفسه عدم القدرة على السباحة، أو يدرك خطورة المكان، ثم يغامر بالنزول إليه، فإنه يخالف ما أمر الله به من حفظ النفس وصيانتها.
وهنا يبرز دور العلماء والخطباء والدعاة، فهذه الحوادث ليست مجرد أخبار عابرة، بل رسائل إنذار تستوجب البيان والتوجيه. ومن الواجب أن تتكرر على المنابر وفي المجالس كلمات التوعية التي تذكر الناس بحرمة التفريط في الأنفس، وبمسؤولية الآباء في حفظ أبنائهم، وبخطورة الاستهانة بالأسباب التي تؤدي إلى الهلاك.
كما أن الجهات المسؤولة مطالبة ببذل مزيد من الجهود الوقائية، من خلال وضع اللوحات التحذيرية في الأماكن الخطرة، وتحديد مواقع السباحة الآمنة إن وجدت، وتفعيل فرق المراقبة والإنقاذ على ضفاف النهر، وتكثيف الحملات التوعوية في المدارس والمساجد والتجمعات العامة. فحماية الأرواح ليست مسؤولية فرد واحد، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.
إن الموت حق، والأعمار بيد الله تعالى، لكن الإيمان بالقدر لا يعني ترك الأسباب، بل إن من تمام الإيمان أن نحفظ أنفسنا وأبناءنا، وأن نبذل ما نستطيع لمنع وقوع الكوارث قبل وقوعها.
رحم الله هؤلاء الأطفال الذين غادروا الدنيا في عمر الزهور، وألهم أهلهم الصبر والسلوان، وحفظ أبناء المسلمين في كل مكان من كل سوء ومكروه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع اليوم: هل سنتعامل مع هذه المأساة بوصفها خبراً عابراً نطويه مع الأيام، أم نجعل منها جرس إنذار يدفعنا إلى تحمل مسؤولياتنا قبل أن نفقد طفلاً تاسعاً وعاشراً وحادي عشر؟.
#سفيربرس _بقلم :د. عطية العلي _الكويت


