هل حُصّل ما في الصدور؟ _ د. سناء شامي
#سفيربرس _ ايطاليا
هل الشرعية السياسة في الدول العربية في خطر؟ أم إن هذه الشرعية ولدت ولادة قيصرية غير طبيعية، و بقيت تعاني طوال حياتها من الأمراض و الأزمات؟
و لتشخيص أسباب أمراض الشرعية السياسية، لا بد من العودة إلى تاريخ تأسيس الدولة الحديثة، لنكتشف بأن العلة بنيوية و تكمن في خلايا تكوين الدولة نفسها، إذ منذ البداية كان التعاقد السياسي غائباً، و النظام المدني الديمقراطي مُغيّباً، أو إن كان حاضراً، فحضوره إستعراضي، شكلي و هشّ المحتوى، و هذا يعني بأنه منذ البدايات الأولى للدولة كان توازن العلاقة بين السلطة و المجتمع مختلاً، أو في أغلب الحالات منعدماً
لأن دساتير الدول العربية الوطنية ولدت ناعمة الملمس و وردية البشرة، إلا إنها سلطانية المهجة و التيجان مختبئة في نواياها، و هذا ما جعل من دساتير هذه الدول، دساتير نظرية، رغم قانونيتها، إلا أن النظام العملي و المؤسسات الحكومية بجميع إختصاصتها تُطبق القوانين، حتى الدستوري منها، لصالح الحاكم، و تُكيّفها لصالح فئة معينة، لأن مفهوم الدولة نفسه في العقل الجمعي للمجتمعات العربية، هو مُشخصن: أي الحاكم هو الدولة، و الدولة هي الحاكم! و كما هو معروف فأن الشرعية للدولة الحديثة، تكون قائمة على الفصل الفعلي بين جميع السلط، و تكون المرجعية للقضاء، و يكون الشعب هو مصدر السلطات و تنبعث عنه من خلال إنتخابات نزيهة و حرة، فهل الأمر كذلك في الدول العربية؟ لا أعتقد ذلك، فالبلدان العربية مجزأة إلى دويلات، فما زال مفهوم الدولة ذات السيادة المستقلة حلماً لم يتحقق، بل أنه في ظل الظروف الراهنة، فأن هذا الحلم بات أشبه بالوهم، أمّا شرعيةً السلطة الديمقراطية و الدستورية و القانونية، ما زال يسيطر عليها النفوذ و الهيمنة و تديرها شبكة علاقات ضيقة و تكيفها حسب إرادة السلطة العليا… و لا بد من الإعتراف بأن الواقع السياسي المتشرذم لجميع الدول العربية، من أسبابه الأساسية، هو إنه لم يعالج أزمة الشرعية، بل تجاهل وجودها أصلاً و لم يعر إهتماماً للبنية التاريخية لتكوين الدولة و لمسارها التاريخي و الثقافي و الإجتماعي المليئ بالعقبات و العوائق التي حالت دون تشكل نظام سياسي مدني ديمقراطي في أغلب الدول العربية، بل عسكرته لصالح الهيمنة على مقاليد الحكم و جعلت من المنظومة الأمنية سلاحاً قمعياً، و قوة فوق شرعية القوانين و الدستور، كذلك الأمر في المؤسسة العسكرية الخاضعة للسلطة السياسية، و التي بدورها مرتبطة بإرادة رئيس الدولة أولاً، الذي غالباً ما ينفرد بصناعة القرار الوطني، و بالتالي عدم الفصل بين السلطات هذا، و خاصة في المجال العسكري، غالباً ما يؤدي إلى إنقلابات عسكرية، لأن الجيش في الدول العربية دائماً تماهى مع السلطة السياسية، و كأنهما وجهان لعملة واحدة هي السلطة: و لأن قلب المؤسسة العسكرية مرتبط إرتباطاً بنيوياً بالطاعة دون جدل، لذلك ما أن تمسك بمقاليد الحكم السياسي، فتسارع إلى قمع حريات المجتمع بما فيهم الحرية السياسية، و إلغاء التعددية و يبدو المجتمع و كأنه مؤسسة عسكرية على أفرادها تقديم فروض الطاعة و الولاء، فقط لرئيس الدولة، و الذي هو نفسه ربما كان زعيماً في المؤسسة العسكرية، ففي الدول العربية لا حدود بين المؤسستين العسكرية و السياسية، لذلك تنهار الشرعية الدستورية و القانونية، أو تبقى بالوناً يأخذ حجماً و شكلاً، لكن يبقى محتواه فارغاً، لا يمنح للمواطن حياة مدنية سياسية، فالمدنية السياسيه محكوم عليها بوقف التنفيذ و الطاعة لقرارات من هو على رأس الهرم، و الطبقة الوسطى التي يجب أن تلعب دوراً فاعلاً في نمو المجتمع و تطوير الحياة المدنية، لم يُسمح لها بدور سياسي يناسب العمق الثقافي و الإجتماعي و الحضاري لمجتمعاتها، أمّا الطبقة البورجوازية فقد عقدت قرانها مع السلطات السياسية و الأمنية و العسكرية عبر المال و الصفقات، و لم تهتم بالعمق الإجتماعي و الإقتصادي-السياسي و أبعادهم… و فيما يتعلق بالأحزاب، فقد كانت عبارة عن كليشيهات لا بد منها، تقوم بدورها الآلي، و الحزب ذو السطوة و القوة، غالباً ما يتحالف مع المؤسسه العسكرية للقيام بإنقلاب ضد السلطة السياسية لإعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة ذاتها دون تطورات جذريه، و هذا من الأسباب المباشرة و السلبية في صناعة اللإستقرار، الذي أوصل اليوم المنطقة العربية بأسرها إلى هذه الشرذمة، فإنهيار الدول لا يأتي دفعة واحدة، بل على مراحل و بالتدريج، و الكل تجاهل هذه المراحل، لأن كل قبيلة، و عشيرة، و عصبيات دينية مشغول كلٍّ بمّواله، و هذا ما أرادته أيضاً، و بصمت متعمّد، النخب السياسية و العسكرية و الأمنية، لأنه يناسبها في السيطرة على المجتمع لتثبيت حكمها و نفوذها، بل أن أغلب هذه النخب، خلقت مرجعيات سياسية شرعية موازية لشرعية الدستور و القوانين، بل تفوقه حزماً و فعالية على أرض الواقع، كما هو الحال، على سبيل المثال لا الحصر، في المراجع الدينية و العصبية القبلية في بلدان عربية عدة… و هذا أدخل أجيالهم الشبابية في حالة إنفصام و عزلة عن بقية العالم، لأنهم لا يعرفون، أو لم يعد يناسبهم أن يعرفوا كيف تُدار الحياة بمنطق هذه الشرعيات الضيقة… و الأخطر من كل هذا هو كيف تُدار الثروات في المنطقة العربية، فقد تمت إدارتها بذات المنطق التعصبي و الديني، و ربما هذا ما أدى إلى خلق رأسمالية مالية دينية سمحت للإخوان المسلمين بمنافسة السلطة السياسية و الإنقضاض عليها، مستغلةً أيضاً إرهاق المجتمعات العربية و يأسهم من مؤسسات دولهم الديكتاتورية القمعية… لذلك يبدو رجل الدين في عيون هذه المجتمعات أباً روحياً و زعيماً سياسياً قادراً على هزيمة السلطة السياسية العقيمة و كل من حولها من إنتهازيين سياسيين، وصلوا إلى مناصب الدولة من خلال إنتخابات شكلية و غالباً متلاعب بها لأن السلطة المركزية هي من بيدها خيوط اللعبة… هذه الأسباب مجتمعة، أدت أيضاً إلى فشل التغيير، ثم جاءت العولمة لتزيد المهشّم بعثرةً، و لتمنح للإمبريالية الإستعمارية الصهيونية بإعادة ترتيب أوراق “إنتدابها” و إعادة رسم خرائط المنطقة الجغرافية و الديموغرافية و الإقتصادية و حتى الدينية، بما يتناسب مع إستراتيجياتها الجيوسياسية الجديدة…
و يبقى السؤال الحائر فارضاً نفسه، ما الحل للخروج من هذا النفق؟ و الجواب نفسه يطرح أسئلة أكثر تعقيداً: كيف نحرر العقل الجمعي من الموروث السياسي المشوّه؟ ما الطرق و المنهجيات التي يمكن أن تخلق وعي جمعي يحترم القانون و يرسم حياته على أسسه، دون أن يُفرط بالضرورة، بعلاقاته مع التراث و التقاليد و ثقافات مجتمعه؟ كيف يمكن نشر تربية سياسية جديدة، مبنية على العلاقة التعاقدية بين الحاكم و المحكوم، يكون فيها الولاء فقط لهوية واحدة وطنية جامعة؟ و الأهم أيضاً كيف يمكن التحرر من النخب العربية الرجعية في رؤيتها و المرتبطة وجودياً بدعم الغرب لها؟ هل يمكن خلق زعامات وطنية قادرة و صادقة على الدفع بالواقع نحو إتجاهات واعدة، مستقلة و وطنية من أجل خلق أمة واحدة، متنوعة، متناسقه، و مكمّلة لبعضها البعض؟ هل يمكن للمثقفين العرب أن يجتمعوا على مشروع واحد، يُقنع الحاكم و المحكوم، بأن الدولة مؤسسات، و بأن المؤسسات هذه لا تقوم على أساس الحاكم فقط؟
من يُخرج المال العربي من عجزه بأن يخلق سياسات تنموية مستقلة لمجتمعات العربية، و هل فعلاً يستطيع المال العربي أن يتحرر من قيود المؤسسات المالية العالمية؟ و إن إستطاع أن يكون المال العربي فاعلاً فمع أية دولة سيتعامل و يتفاعل؟ فالدول العربية الحالية ليست إلا إنعكاسات لمرحلة ما بعد الإستعمار القديم، و رهينة الإستعمار الجديد… فشكل الدولة كما هو عليه اليوم، لم يعد يُرضي مؤسسات المجتمع المدني، و لا العشائر أو القبائل، و لا الأحزاب و لا اليساريين، أو التقدميين و الليبيراليين و لا حتى المؤسسات الدولية، فجميعهم يعتبر الدول العربية دول لم تعد قادرة على الإلتزام بدورها القيادي، و هذا الوضع المآساوي لحال الدولة العربية اليوم، أدى إلى تبعيات أكثر خطورة، فقد بدى للبعض بأن إتباع المشروع الصهيوني الغربي في تفكيك المجتمع و الدولة و المطالبة بإستقلالية كل إثنية و تقسيم الدولة إلى دويلات هو الحل لأن الدولة العربية فشلت في إنتاج هوية وطنية جامعة… و بدلاً من أن يتفق المجتمع و الدولة على صياغة تعاقد جديد يُنقذهما من الإنهيار، إلا إن طبيعة النظام السياسي المغلق و الإستبدادي، الذي يتشابه في حقيقة الأمر مع النظام الثقافي للمجتمع العربي، و التي بنيته هي الأخرى ذو طبيعة مغلقة و مهيمنة، و هذا الإستبداد يتجلى في العائلة، و في شكل العلاقة بين الزوج و الزوجة، البنات مع والديهما، الوالدين مع أبنائهم، في المدرسة و في المؤسسات و دوائر العمل، و الهيمنة في شكل العلاقات أدى إلى إنتاج إزدواجية أخلاقية، دفعت بمجتمع كامل أن يشارك الدولة بفسادها و أن يُسهّل عليها تطبيق و إستمرار منظومتها الإستبدادية.من أجل خلق أمة واحدة، متنوعة، متناسقه، و مكمّلة لبعضها البعض؟ هل يمكن للمثقفين العرب أن يجتمعوا على مشروع واحد، يُقنع الحاكم و المحكوم، بأن الدولة مؤسسات، و بأن المؤسسات هذه لا تقوم على أساس الحاكم فقط؟
من يُخرج المال العربي من عجزه بأن يخلق سياسات تنموية مستقلة لمجتمعات العربية، و هل فعلاً يستطيع المال العربي أن يتحرر من قيود المؤسسات المالية العالمية؟ و إن إستطاع أن يكون المال العربي فاعلاً فمع أية دولة سيتعامل و يتفاعل؟ فالدول العربية الحالية ليست إلا إنعكاسات لمرحلة ما بعد الإستعمار القديم، و رهينة الإستعمار الجديد… فشكل الدولة كما هو عليه اليوم، لم يعد يُرضي مؤسسات المجتمع المدني، و لا العشائر أو القبائل، و لا الأحزاب و لا اليساريين، أو التقدميين و الليبيراليين و لا حتى المؤسسات الدولية، فجميعهم يعتبر الدول العربية دول لم تعد قادرة على الإلتزام بدورها القيادي، و هذا الوضع المآساوي لحال الدولة العربية اليوم، أدى إلى تبعيات أكثر خطورة، فقد بدى للبعض بأن إتباع المشروع الصهيوني الغربي في تفكيك المجتمع و الدولة و المطالبة بإستقلالية كل إثنية و تقسيم الدولة إلى دويلات هو الحل لأن الدولة العربية فشلت في إنتاج هوية وطنية جامعة… و بدلاً من أن يتفق المجتمع و الدولة على صياغة تعاقد جديد يُنقذهما من الإنهيار، إلا إن طبيعة النظام السياسي المغلق و الإستبدادي، الذي يتشابه في حقيقة الأمر مع النظام الثقافي للمجتمع العربي، و التي بنيته هي الأخرى ذو طبيعة مغلقة و مهيمنة، و هذا الإستبداد يتجلى في العائلة، و في شكل العلاقة بين الزوج و الزوجة، البنات مع والديهما، الوالدين مع أبنائهم، في المدرسة و في المؤسسات و دوائر العمل، و الهيمنة في شكل العلاقات أدى إلى إنتاج إزدواجية أخلاقية، دفعت بمجتمع كامل أن يشارك الدولة بفسادها و أن يُسهّل عليها تطبيق و إستمرار منظومتها الإستبدادية، و بالتالي ربما خلق في اللاشعور الجمعي، شعور اللامبالاة أو عدم الإيمان الكافي بمبادئ المواطنة، أو الإنتماء لكيان سياسي يمثل المصلحة العامة لكل من هو تحت ظل الهوية الواحدة الوطنية الجامعة، لأن المواطنة لا تعني تذويب الهويات الدينية و العرقية و المذهبية، بل إحترامهم و دمج ولائهم لهوية وطنية واحدة تجمعهم، و على الدولة أن لا تنحاز لأي مكوّن من مكونات المجتمع، بما فيه حقوق الذكر و حقوق الأنثى، و أن تتجنب ما يدفع المجتمع إلى الإنقسامات، ففي داخل إطار المواطنة، الكل سواسيه… اليوم تآكل أسس الحكم بات واضحاً في الدول العربية، و الدولة في مأزق حقيقي و يجب أن تنقذ ذاتها من خلال تعاقد سياسي جديد مع المجتمع و أن تعيد بناء شرعيتها السياسية من خلال إزالة العوائق البنيوية التاريخية الإجتماعية و الثقافية و الإقتصادية و السياسية التي قلّصت شرعيتها و منعتها من بناء نظام مدني مبني على العدل.
اليوم يبدو و كأن الأمر مستحيلاً، و لكن التحولات تُصنع بالفكر و الإرادة و الصبر الحكيم.
#سفيربرس _ بقلم : د. سناء شامي



