الشرق الأوسط… مقبرةُ الأحلام ومزادُ المصالح _ بقلم : هدى زوين
#سفيربرس _بيروت
ليس الشرق الأوسط فقيرًا حتى يتقاتل على لقمة الخبز ولا عاجزًا حتى يستجدي مستقبله من الآخرين بل هو من أغنى بقاع الأرض بالثروات والموقع والتاريخ ومع ذلك لم يعرف الاستقرار إلا زائرًا عابرًا وكأن هذه الجغرافيا كُتب عليها أن تكون مسرحًا دائمًا للدم وأن تتحول أوطانها إلى خرائط يعاد رسمها كلما تبدلت المصالح.
منذ عقود لم تتوقف المنطقة عن إنتاج الأزمات تنتهي حرب لتبدأ أخرى ويسقط نظام ليولد صراع جديد وتتبدل التحالفات كما تتبدل الفصول لكن الضحية لا تتبدل أبدًا إنه الإنسان الذي لم يعد يطالب بالرفاه بل أصبح يحلم فقط أن ينجو من يومه.
لقد صار الشرق الأوسط سوقًا مفتوحة للمصالح الكبرى تُباع فيه المواقف وتُشترى فيه الولاءات وتُدار فيه النزاعات بمنطق الربح والخسارة لا بمنطق العدالة والحق وفي كل مرة يُقال إن الحرب الأخيرة ستصنع السلام تكتشف الشعوب أنها لم تكن سوى مقدمة لحرب جديدة أكثر اتساعًا وأشد قسوة.
لم تعد البنادق وحدها هي التي تقتل بل يقتل الفساد حين يسرق مستقبل الأوطان ويقتل التعصب حين يمزق المجتمع ويقتل الجهل حين يحول الإنسان إلى أداة في معارك لا يفهم أسبابها وأخطر من كل ذلك أن يصبح الخراب عادة وأن تتحول المآسي إلى أخبار عابرة لا تثير سوى دقائق من الاهتمام قبل أن يبتلعها خبر أكثر دموية.
كم هو مؤلم أن تتحول المدن التي أنجبت الحضارات إلى عناوين في نشرات القصف وأن تصبح الأرض التي علمت العالم الكتابة عاجزة عن كتابة فصل واحد من الاستقرار هنا لا يسرق الموت الأرواح فقط بل يسرق الذاكرة ويهدم المعنى ويجعل الأطفال يكبرون وهم يظنون أن صفارات الإنذار جزء من موسيقى الحياة.
الكل يتحدث عن الأمن لكن الأمن غائب الكل يتحدث عن السيادة بينما القرار كثيرًا ما يبقى رهين موازين القوى الكل يرفع راية الوطن لكن الوطن هو أول من يدفع الثمن عندما تتقدم الحسابات الضيقة على المصلحة العامة وبين الخطابات الرنانة والبيانات الرسمية تبقى المقابر أكثر صدقًا من كثير من الشعارات لأنها وحدها لا تعرف الكذب.
وليس أخطر ما في الحروب أنها تدمر الحجر بل أنها تعيد تشكيل الإنسان من الداخل تصنع أجيالًا لا تعرف سوى الخوف وتربي أطفالًا على صوت الانفجارات بدل أجراس المدارس وتجعل الهجرة حلمًا والوطن ذكرى والاستقرار أمنية بعيدة وعندما يفقد الإنسان إيمانه بالغد تكون الحرب قد حققت أخطر انتصاراتها.
أما العالم فيراقب المشهد ببرودة المصالح يتحدث عن السلام حين يخدمه السلام ويصمت أمام المآسي حين يكون الصمت أكثر ربحًا في السياسة الدولية لا مكان للعواطف بل حسابات دقيقة تتغير بتغير المصالح ولذلك كثيرًا ما تُترك الشعوب وحدها تواجه نتائج صراعات أكبر من قدرتها على الاحتمال.
ومع ذلك فإن أخطر ما يهدد الشرق الأوسط ليس صاروخًا عابرًا ولا دبابة تجتاح مدينة بل العقول التي اعتادت الخراب حتى فقدت قدرتها على تخيل السلام فحين يصبح الدم خبرًا اعتياديًا والدمار مشهدًا مألوفًا والموت رقمًا في الإحصاءات تكون الهزيمة قد بدأت من داخل الوعي قبل أن تقع على الأرض.
إن الأمم لا تسقط عندما تُهزم في معركة بل عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية ويصبح الانقسام ثقافة والكراهية هوية والانتقام مشروعًا سياسيًا عندها لا يعود السؤال من انتصر بل ماذا بقي ليستحق الانتصار.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من البنادق بل إلى شجاعة الاعتراف بأن الخراب لا يصنع مجدًا وأن القوة التي لا تحمي الإنسان ليست قوة وأن الأوطان لا تُبنى بخطابات الغضب بل بالعقل والعدالة والمؤسسات فكل حرب مهما رفعت من شعارات تترك خلفها فاتورة لا يدفعها القادة بل يدفعها الأطفال والأمهات والمستقبل.
لقد آن الأوان أن تتوقف هذه الجغرافيا عن كونها ساحة لتصفية الحسابات وأن تستعيد دورها بوصفها مهدًا للحضارات لا مقبرةً للأحلام فالتاريخ لا يخلّد من أشعل الحروب بل يخلّد من امتلك الشجاعة ليوقفها لأن بناء وطن واحد أعظم من الانتصار في ألف معركة وحماية إنسان واحد أشرف من كل أمجاد تُكتب على أنقاض المدن.
سفيربرس _ بقلم : هدى زوين _بيروت



