عمار الأمير.. أكتب بقلم رأسه من الحاضر… وجسده هو الماضي
#سفير برس- سعاد زاهر

سعاد زاهر
يؤمن الكاتب عمار الأمير بأن الأدب يسعى إلى معرفة تفاصيل الإنسان الكامن داخل الحكايات التي تروى، ومن خلال أعماله المتنوعة، ما بين الرواية والقصة وأدب الأطفال، يقدم رؤية تنطلق من التفاصيل اليومية، ليحكي عن وجع الآخر مغلفاً بخصوصية نتعرف عليها من خلال أعماله، مثل “قارئ الندوب” و”أبو صخر” و”جاسوسة الملائكة”.
يفتتح الأمير حديثه حول العلاقة بين الواقع والأدب، خاصة أن أعماله تستند إلى قصص واقعية في وقت يبدو فيه الواقع السوري أكثر قسوة من الخيال، ويرى أن الحقيقة ما تزال “تختبئ في الأفواه، وفي ذاكرة القتلة، وفي ماضيهم وليست شيئاً يمكن أن ينتهي، لذلك فإن الكاتب لا يملك أن يعلن اكتمالها”.
ويرفض اختزال الأدب في كونه رد فعل على الأحداث، إذ يقول: “الأدب لا بداية له، لأنه يبدأ قبل وقوع الحدث، وكأنه محاولة دائمة لمنع الكارثة”، وإن كان يعترف في الوقت ذاته بأن الأدب لا يستطيع مقاومة وقوع الكارثة، فدور الكاتب، برأيه، هو أن يضيء الحدث بكل جرأة.
ورغم إيمانه بقوة الكلمة، يؤكد بأن النص الأدبي، مهما بلغ من الجودة، يبقى أصغر من حجم المأساة، لأن التجربة الإنسانية أكبر من أن تحتويها الصفحات.
قراءة التاريخ على أرضه
عاش عمار الأمير سنوات الثورة السورية في إدلب، ولم يجعل الخراب بطلاً في نصوصه، انشغل بمن وقع عليه الخراب، ويؤكد أن الكتابة عن الإنسان أكثر أهمية من الكتابة عن الحدث ذاته، قائلاً: “إن المأساة الكبرى للبشرية تكمن في أن الإنسان هو الظالم، والإنسان هو المظلوم”.
ومن هنا، يرى أن كل أشكال الدمار يمكن إصلاحها، باستثناء خراب الإنسان نفسه، لأنه الأكثر عمقاً وخطورة، لذلك يعتقد أن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به المجتمعات هو الاستثمار في الإنسان وإعادة بنائه نفسياً وفكرياً وأخلاقياً، قبل إعادة إعمار المدن والطرقات.
تبدو شخصيات الأمير وكأنها تحمل جراحها بصمت، بعيداً عن الخطابة والشعارات، وهو ما ينسجم مع رؤيته للأدب الحقيقي، فعندما يُسأل إن كان الأدب يهمس للقارئ أكثر مما يصرخ، يجيب بأن “همس الكاتب صراخ”، في إشارة إلى أن قوة الأدب تقاس بقدرته على الوصول إلى أعماق الإنسان، لا بارتفاع صوته.
ويضيف أن الكاتب وحده يقرأ الندوب التي قد لا يلتفت إليها الآخرون، لأنه يراقب التفاصيل الصغيرة التي تمر على الناس مروراً عابراً، ومن هنا، يضع معياراً أخلاقياً للكتابة، حين يقول: “الكاتب إن لم يكن ضميراً ناطقاً، فلا قلم له”، معتبراً أن مسؤولية الكاتب تتجاوز صناعة النص الجميل إلى حمل هموم الناس والدفاع عن الحقيقة.
وأشار الأمير إلى شغفه بالسفر وزيارة المواقع الأثرية والتراثية، وينظر إليها بوصفها أمكنة ملهمة تتيح له قراءة التاريخ من خلال معايشة فضائها وتفاصيلها، بعيداً عن التعامل معها كمواقع سياحية فقط.
ويؤكد لمن لم يزر تلك المواقع بأنه حرم نفسه من أشياء كثيرة، أولها التأمل في مساكن أناس رحلوا، والإنصات إلى أصواتهم التي ما تزال، بحسب وصفه، “مسموعة لمن يحسن الإصغاء”.
أما عن أثر ذلك في كتابته، فيقدم صورة مكثفة بقوله: “أنا أكتب بقلم رأسه من الحاضر، وجسده هو الماضي”، وهي عبارة تختصر العلاقة التي يقيمها بين الذاكرة والزمن، حيث يصبح الماضي امتداداً للحاضر، لا زمناً منفصلاً عنه.
مواجهة دائمة مع الطغيان
تحضر الذاكرة بقوة في أعمال الأمير، و يعتبرها جزءاً من معركة الكتابة نفسها، ويختصر تجربته بجملة يقول فيها: “كل ما كتبته كان حرباً بين قلم وطاغية” فالكتابة بالنسبة إليه ممارسة جمالية ومقاومة مستمرة لكل أشكال القمع، وهي أيضاً تسجيل للمرحلة التي عاشها الكاتب، لأن الأدب، في النهاية، يحفظ الأزمنة أكثر مما يحفظ الوقائع.
ويرى الأمير أن الكاتب لا يصنع الدهشة من خلال اختراع أحداث غير موجودة، وإنما من خلال إعادة تقديم ما يعرفه الناس بطريقة جديدة، ويقول إن الكاتب “يقدم ما يعرفه الناس بطريقة لا يعرفونها”، لأن الاختلاف يكمن في زاوية الرؤية لا في الحدث ذاته.
ويضرب مثالاً بأن المشاهد اليومية تمر على معظم الناس مرور الكرام، بينما يقف الكاتب عندها، ويلقي القبض عليها، ليمنحها حياة جديدة داخل النص، فتتحول التفاصيل العادية إلى لحظات كاشفة للإنسان والحياة.
ورغم انشغاله بأسئلة الحرب والحرية والذاكرة، استطاع عمار الأمير أن يحقق حضوراً في أدب الأطفال، ونال جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في السودان2022، في هذا المجال.
وعن كيفية انتقاله بين الكتابة للطفل والكتابة للكبار، يجيب ببساطة: “في داخلي طفل، كلما نظرت في وجه أحدهم يكبر الطفل فجأة”، ويضيف أن هذا الطفل الداخلي هو ما جعله يكتب للفئتين بقلم واحد يحسن القفز، فينتقل بسلاسة بين براءة الطفولة وتعقيدات عالم الكبار.
ينظر الأمير إلى الثقافة باعتبارها مشروعاً لبناء الإنسان، وهذا ما دفعه إلى المشاركة في تأسيس منتدى “الخيزران” في إدلب في عام 2024 ، ويصفه بأنه بداية عملية البناء، وأنه “يشبه وضع بذرة نؤمن بأنها ستنمو إذا واصلنا رعايتها والعمل عليها”، لذلك يعتقد أن الثقافة قادرة على إعادة بناء الإنسان، لأن إصلاح المجتمعات يبدأ من الوعي قبل السياسة، ومن الفكر قبل العمران.
البداية والنهاية
حين يتحدث عمّار الأمير عن إدلب، يتحدث عن هوية كاملة، يصفها بأنها “اللون الأبيض الناتج عن تدوير قرص ألوان الطيف السبعة”، في استعارة تؤكد أنها تحتضن تنوعاً يجمع كل الألوان في لون واحد.
ويقول إنه ينتمي الى إدلب لأنها الأرض التي ولد على ترابها، والتي سيعود إليها يوماً، ويختصر علاقته بمدينته بقوله: “إدلب البداية والنهاية، نهايتي وحدي، وبداية كل البدايات، فهي القلب الطيب، والموروث النقي، والتراب الصالح الذي يمنحه جذوره الأولى والأخيرة”.
وفي ختام اللقاء، يوجه عمّار الأمير رسالة إلى القارئ السوري، يدعوه فيها إلى القراءة، من أجل المعرفة، ومن أجل أن يرى صورته الحقيقية، ويقول: “اقرأ من أجل صورة، صورتك وحدك، لتغدو أجمل”، فالقراءة، في نظره، تشبه عمل البستاني الذي يعتني بالشجرة حتى تزهر، كما يدعو الإنسان إلى أن ينظر في حياته الخاصة، لا في حياة الآخرين، لأن العمر أقصر من أن يضيع في مراقبة الآخرين.
#سفير برس- سعاد زاهر



