إعلان
إعلان

دفقات نفسية في سيرة “بين غيبوبتيْنِ” للكاتب “عباس مجاهد”. بقلم :د. مريم المصري

#سفيربرس _فلسطين

إعلان

يختزل نص “عباس مجاهد” السردي كثافة من الألم الإنساني الذي لا يكتفي بروي الأحداث فحسب؛ بل يُشَيِّدُ فضاءً وجوديًا يتقاطع فيه المرض مع الذاكرة، والانتظار مع الرجاء، والحياة مع شبح الفقد؛ إذ كتب الكاتب “عباس مجاهد” سيرته عن والده في لحظة استثنائية داخل المشفى، حيث تحول المكان العلاجي إلى فضاء سردي تتكثف فيه الأسئلة الكبرى حول الأبوة، والعائلة، والهشاشة الإنسانية، ومن هنا فإن النص السردي كله لا يصف حالة طبية فحسب؛ وإنما يحمل بنية رمزية تتجاوز الحدث المباشر إلى دلالات نفسية ووجودية عميقة.
إن الكاتب “عباس مجاهد” لا يخبر القارئ بما سيحدث؛ وإنما يدخله مباشرة في جو من الاختناق الوجداني؛ إذ إن المتلقي لهذا الخطاب السردي يصطدم بعتبة عنوانه اللغوية وهي –نبض النص الأول- التي يعلن الكتاب فيها أن ألمه لن يكون أحاديًا، وأن الفاجعة ستتكاثر داخل البيت الواحد كما تتكاثر دوائر الماء حول حجر ألقي في بحيرة ساكنة.
وعمد الكاتب “عباس مجاهد” في عنوانه إلى اقتصاد لغوي شديد الكثافة؛ إذ اختزن العنوان مفردتيْنِ فقط تاريخًا من الخوف، وذاكرة من الدعاء، وساعات طويلة من الانتظار أمام أبواب غرف العناية المكثفة. وهذا الاقتصاد اللغوي يقابله اتساع في التأويل؛ فكل قارئ يستطيع أن يرى في الغيبوبتيْنِ صورًا أخرى للغياب الإنساني، ولتعليق المصير بين إرادة الإنسان وقدر الله –سبحانه وتعالى-.
وتنبض لغة الخطاب السردي بإيقاع داخلي هادئ، لكنه مثقل بالألم، فلا يعتمد الكاتب على الصراخ أو المبالغة، وإنما يترك الوجع يتسلل من التفاصيل اليومية، ومن صمت المستشفى، ومن صوت الأجهزة الطبية، ومن وجوه المنتظرين، والزائرين. ولذلك فإن أثر نصه لا يصدر عن كثرة الأحداث، بل عن صدق تجربته الإنسانية التي حملها داخل أعماقه الوجدانية.
وأشير إلى أن السرد من أوله إلى نهايته يحمل شبكة من الثنائيات الضدية بين حياة/ موت، وحضور/ غياب، وأمل/ يأس، ووعي/ لاوعي، وصبر/ انكسار، وهذه الثنائيات لا تُطْرَحُ في الخطاب السردي بوصفها أقطابًا متنافرة، بل بوصفها حالات متداخلة، فكلما اقترب النص من اليأس، فتح نافذة من الأمل، وكلما أوشك الموت أن يفرض حضوره، استدعى السرد الإيمان والصبر بوصفهما فعلًا للمقاومة.
ومن هنا، لا يستسلم “عباس مجاهد” في خطابه السردي لمأساة خالصة؛ إذ يظل الأمل حاضرًا معه بوصفه خيطًا رفيعًا يشد سرده كله إلى الحياة، فالأب وإن كان في غيبوبته، فإنه يبقى موضوعًا للدعاء، والعمة وإن أرهقها الحزن، فإنها تجسد عمق الوفاء الأسري، كما أن الكاتب يكتب؛ لأنه يؤمن أن الكتابة شكل من أشكال المقاومة في مواجهة الفقد، وهكذا تتحول سيرته إلى شهادة على قدرة الإنسان على التمسك بالأمل، حتى وهو يقف على الحافة الفاصلة بين الحياة والموت. إن سيرة “عباس مجاهد” ليست سيرة عن المرض، بقدر ما هي سيرة محبة، وامتحان إنساني يكشف معدن الأسرة الذي يحول الانتظار إلى فعل صبر، والألم إلى كتابة، والخوف إلى رجاء دائم، ويؤكد على انتصار الضوء في نهاية النفق، وأن الشفاء هو الأفق الذي تتجه نحوه كل نبضات الخطاب السردي.

#سفيربرس _بقلم :د. مريم المصري _فلسطين 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *