إعلان
إعلان

كاشفات النصوص تحكم على الصحفيين العرب ظلماً _ بقلم : حسين الإبراهيم

#سفيربرس

إعلان

ماذا يحدث عندما يتهم صحفي بانتحال هوية آلة؟

كيف نفرق بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والاستسلام له؟

لماذا تصر كاشفات النصوص على الحكم بلا استئناف؟

متى تتحول الأداة التقنية إلى سيف على رقبة صاحبها؟

أين تقع مسؤولية الحماية: على الصحفي أم المؤسسة

الساعة العاشرة مساءً. أرسلت مقالاً إلى رئيس تحرير إحدى الصحف. بعد خمس عشرة دقيقة، جاء الرد: «هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟»

لم يكن سؤالاً. كان اتهاماً.

جهد يوم كامل ــ بحث، تخطيط، مقابلات، صياغة ــ تبخر في ثوان. لم يسألني عن مصادري، ولا عن الخبير الذي تحدثت معه، ولا عن الملاحظات التي دونتها بخط يدي. اكتفى بكاشف نصوص آلي قرر أن مقالي «مولد آلياً».

في تلك اللحظة أدركت: المشكلة ليست في. المشكلة في نظام حكم جائر يحتاج إلى إصلاح.

كيف نقيس الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من دون ظلم؟ 

كيف نبني نموذجاً يوازن بين الاستفادة من التقنية وحماية جهد الكاتب؟

ما فعلته فعلاً…

10:00 صباحاً: بحثت عن مصادر. تصفحت قواعد بيانات أكاديمية، وقرأت تقارير من Poynter Institute و Nieman Lab حول الذكاء الاصطناعي في الإعلام.

11:30 صباحاً: أجريت مقابلةً هاتفيةً مع خبير في أخلاقيات الإعلام الرقمي، استمرت 45 دقيقة. دونت ثلاث صفحات من الملاحظات بخط يدي. ناقشنا سياسات مؤسسات كبرى مثل BBC و Reuters في التعامل مع الذكاء الاصطناعي.

بعد الظهر: منحت نفسي ساعتين لتخمر الأفكار. مشيت في الحديقة، جلست تحت شجرة، أعدت قراءة الملاحظات، ورسمت هيكلاً أولياً على الورق.

5:00 مساءً: كتبت المسودة الأولى بيدي. أعدت كتابة المقدمة ثلاث مرات. صغت كل فقرة بعناية، وتأكدت من التسلسل المنطقي.

7:00 مساءً: احتجت إلى تدقيق لغوي. هنا استعنت بمنصة البحث والذكاء الاصطناعي Perplexity في أربع مهام فقط: تصحيح ثلاثة أخطاء إملائية، اقتراح عنوان بديل (لم أستخدمه)، تدقيق فقرة غامضة، وتنسيق جدول المقارنات.

8:00 مساءً: راجعت كل شيء بنفسي. اكتشفت وجود أخطاء لغوية، فصححتها. ثم أرسلت المقال.

الخلاصة: 95% من الجهد بشري (بحث، مقابلات، صياغة، مراجعة). 5% فقط مساعدة آلية.

لماذا اتهمت ظلماً؟

سألني رئيس التحرير: هل اعتمدت على الذكاء الاصطناعي؟

أجبته: نعم. وأخبرته عن أوجه الاستفادة.

لو حكم علي بناءً على كاشف النصوص فقط، لكان مصيري: «مقال مولد آلياً». لكني أقدر مساهمتي البشرية بنحو 95%، وهي نسبة وصفية لا تمثل مقياساً تقنياً موحداً.

ثغرات جوهرية في كاشفات النصوص:

إيجابيات كاذبة: تصنف نصوص بشرية خطأً على أنها مولدة آلياً. فقد بينت دراسة نشرتها مجلة Vivat Academia عام 2025 أن أداة GPTZero حققت نسبة موثوقية منخفضة في كشف نصوص ChatGPT بلغت 7.3% فقط، كما رصدت النتائج إمكانية توليد إيجابيات كاذبة في نصوص موقعة من صحفيين محترفين.

سلبيات كاذبة: نصوص مولدة آلياً تعدل بشرياً فتفلت من الكشف.

معايير غامضة: بعض الأدوات تعتمد أنماطاً إحصائيةً لا تفهم السياق. الجمل التي تبدأ بالفاعل قد تصنف «آلية» لمجرد أنها أكثر انتظاماً.

تمييز ضد غير الناطقين بالإنكليزية: أوضحت دراسة نشرتها مجلة Patterns أن أدوات الكشف تمارس تمييزاً منهجياً ضد الكتاب غير الناطقين بالإنكليزية.

التقييم المتحيز: لا تعمل تلك الأدوات على تقييم المكونات ومعالجتها والجهد الشخصي ومستوى الإبداع والتميز، بل تكتفي بتقييم المنتج النهائي.

الظلم هنا مزدوج: إهدار الجهد البشري، وتثبيط الابتكار. صحفيون يخافون استخدام أدوات مشروعة كالتدقيق اللغوي، خشية الاتهام. بعضهم يتعمد ترك أخطاء في مقاله ليثبت أنه «بشري».

تخيل طالباً في جامعة يتهم بالغش لأن واجبه لا يحتوي على أخطاء إملائية. تخيل صحفياً يتهم بالتزوير لأن جمله متماسكة جداً، أو لأنه يستخدم تشكيل بعض الأحرف. هذه ليست معايير، بل انطباعات خوارزمية لا تفهم سياق العمل الصحفي.

سر كاشفات النصوص العربية

تواصلت مع خبير في أمن المعلومات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فكشف لي سراً صادماً: معظم كاشفات النصوص التي تستخدم في المؤسسات الإعلامية العربية لا تقرأ النص العربي مباشرةً.

قد تلجأ بعض الأدوات التي لا تدعم العربية دعماً أصلياً إلى مسارات معالجة غير مباشرة، فتقوم أولاً بترجمة النص العربي إلى الإنكليزية باستخدام مترجم آلي. بعدها، تخضع النص الإنكليزي (الذي هو نفسه نتاج ترجمة آلية) لاختبار التوليد الآلي. ولأن الترجمة الآلية بطبيعتها تحمل بصمة الذكاء الاصطناعي، يصدر الحكم: «هذا النص مولد آلياً». ثم يرد هذا الحكم إلى النص العربي كأنه يقين لا ريب فيه.

هذا يعني أن التقييم كان بعيداً كل البعد عن النص العربي الأصلي. بل إن الكاشف لم يحكم على كتابتي أنا، بل حكم على ترجمة آلية لكتابتي، ثم نسب الحكم إلي.

تخيل أن تحاكم بتهمة السرقة، لا لأنك سرقت، بل لأن مترجماً فورياً ترجم كلامك بلغة أخرى، فبدا وكأنه كلام آلة… هذه ليست عدالة، بل محاكمة بالوكالة عن ترجمة خاطئة.

نقطة أخرى أشار إليها الخبير من خلال المثال التالي: إذا كتب بشري نصاً كاملاً، لكنه استخدم أسلوباً رتيباً جداً وكلمات شائعة (مثل تقرير إداري جاف)، قد يعطيه الكاشف 70% ذكاءً اصطناعياً. هذا لا يعني أن 70% من التقرير كتبه روبوت، بل يعني أن “أسلوب التقرير يشبه أسلوب الروبوت بنسبة 70% وفقاً لمقاييسنا”.

حوار مع صحفي

في حوار مع الكاتب والصحفي عمار حامد حول هذا الموضوع، رأى أن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس مخالفةً بحد ذاتها. فثمة وكالات كبرى مثل Associated Press و Reuters تسمح به في مهام محددة (الترجمة، التدقيق، التلخيص)، شرط أن يتحقق الصحفي من كل معلومة قبل النشر.

الفرق الجوهري، حسب رأيه، بين صحفي استعان بالذكاء الاصطناعي لترتيب أفكاره بعد تحقيق ميداني، وآخر أدخل أسطراً في برنامج وأخذ مقالاً كاملاً دون إضافة. في الحالة الأولى يظل الصحفي صاحب العمل؛ في الثانية تطرح إشكالية الأصالة والمصداقية.

الضابط الأهم: المسؤولية التحريرية. يجب أن يكون الصحفي قادراً على الدفاع عن كل همزة، وكل اقتباس، وكل مصدر. الذكاء الاصطناعي أداة في يد الصحفي، لا بديلاً عن ضميره المهني.

نموذج عملي

قررت ألا أكون ضحيةً فقط. جلست مع زملائي وصممنا هذا النموذج:

أولاً: استبيان توثيق الاستخدام

بعد كل مقال، يملأ الصحفي استبياناً يوضح:

أي أدوات ذكاء اصطناعي استخدمها.

في أي مراحل (بحث، صياغة، تدقيق).

نسبة المساهمة التقريبية في كل مرحلة.

هذا الاستبيان ليس اعترافاً بالذنب، بل توثيقاً شفافاً.

ثانياً: لجنة تحقيق مستقلة

عند الشك في مقال، لا يقرر رئيس التحرير وحده. تشكل لجنة من:

رئيس التحرير أو مدير التحرير.

صحفي مخضرم.

خبير تقني أو أكاديمي في الإعلام الرقمي.

تراجع اللجنة الاستبيان، تقابل الصحفي، تفحص السياق، ثم تصدر قراراً جماعياً. كاشف النصوص مجرد مؤشر، لا حكم نهائي.

هذا النموذج يتوافق مع ما دعت إليه مؤسسة Poynter في آذار 2024، حيث أكدت أن كل غرفة أخبار تحتاج إلى سياسة أخلاقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن غياب المعايير يعيق الابتكار.

ثالثاً: معايير واضحة وملزمة

المسموح:

التدقيق اللغوي والإملائي.

تلخيص مصادر طويلة.

اقتراح هياكل أو عناوين.

تحليل بيانات أولي.

البحث والتوثيق.

تنفيذ الصور والمخططات والإنفوغرافيك.

الممنوع:

توليد مقال كامل دون إضافة بشرية جوهرية تقل عن 60%.

نشر محتوى دون التحقق من دقته.

استخدام الذكاء الاصطناعي لإخفاء هوية الكاتب الحقيقي.

العقوبات متدرجة: تنبيه ← إنذار ← توقيف عن العمل (في حالات التزوير المتعمد).

تطبيق «أمين» لتوثيق الجلسات

أدركت أثناء كتابة هذا المقال أن الحل الأمثل ليس في تطوير كاشفات النصوص، بل في تجاوزها بالكامل.

لماذا لا يولد تطبيق مستقل يعمل كوسيط محايد بين الصحفي والأداة الذكية؟ مهمته بسيطة: يتصل بسطح المكتب أو المتصفح، ويسجل كل جلسة عمل بين الصحفي ونماذج الذكاء الاصطناعي، منذ كتابة السطر الأول وحتى النسخة النهائية.

لا يقرأ التطبيق المضمون ليحكم عليه، بل يتتبع سير العملية.

يوثق النص الأولي الذي كتبه الصحفي بيده وأفكاره واقتراحاته.

يسجل كل اقتراح قدمته الأداة، والكلمات التي قبلها الصحفي، والتي رفضها والتي عدلها.

يحسب النسبة المئوية للجهد البشري في كل مرحلة (بحث، صياغة، تدقيق).

يصدر في النهاية «بطاقة هوية للمادة» مختومةً بالتاريخ، ترفق مع كل مقال، تبين بالدليل القاطع نسبة التدخل الآلي.

ميزته أنه شاهد، لا قاض. لا يتهم، ولا يبرئ. يقدم الحقائق المجردة لأعضاء لجنة التحقيق.

بهذا التطبيق، ينتقل الصراع من «هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟» إلى «هذا تقرير الجلسة، احكموا بناءً عليه».

قد يكون تطويره مكلفاً تقنياً، لكن السعي إليه ينهي عصر الاتهامات العشوائية، ويعيد الاعتبار للجهد البشري قبل أن يبخره كاشف نصوص جائر.

ماذا يفعل العالم؟ 

المشكلة ليست محلية. مؤسسات إعلامية كبرى واجهت المعضلة نفسها:

BBC: أصدرت في شباط 2024 إرشادات رسميةً تلزم الصحفيين بالإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي.

Reuters: طورت أدوات داخليةً مثل Lynx Insight لتحليل البيانات المالية، وتشترط التحقق البشري من أي معلومة يولدها الذكاء الاصطناعي قبل النشر.

Poynter Institute: أصدرت في آذار 2024 إطاراً للمؤسسات الإعلامية يشمل نماذج للسياسات الأخلاقية.

في الوطن العربي، بدأت خطوات أولية:

أطلقت شبكة أريج للصحافة الاستقصائية استراتيجيةً للذكاء الاصطناعي تركز على دعم الصحافة باللغة العربية.

نشر معهد الجزيرة للإعلام في تشرين الأول 2023 تقريراً حول استخدام غرف الأخبار للذكاء الاصطناعي، أشار إلى أن نحو نصف المؤسسات المشاركة مستعدة جزئياً للتعامل مع تحديات التقنية.

أطلقت شبكة الصحفيين الدوليين (مكتب بيروت) في كانون الأول 2024 دليلاً لتوجيه الصحفيين في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي ومسؤول.

لكن الغالبية تفتقر إلى سياسات مؤسسية واضحة، مما يترك الصحفيين عرضةً لأحكام فردية.

دعوة للمؤسسات الإعلامية

علينا ألا نرفض الذكاء الاصطناعي. بل نشجع الصحفي على الاستفادة منه، وعلينا أن نرفض الظلم.

ثلاث خطوات عملية:

اعتماد سياسة مكتوبة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في كل مراحل العمل.

تشكيل لجنة مستقلة من ثلاثة أعضاء على الأقل، تتولى متابعة التنفيذ.

إطلاق حملة شفافية تطلب من الصحفيين الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في كل مقال.

الصحفي، صاحب الجهد

الذكاء الاصطناعي ليس عدواً، ولا بديلاً عن الصحفي. هو أداة جديدة، تماماً كما كان الكمبيوتر في تسعينيات القرن الماضي. يومها، منعت بعض الجامعات الطلاب من استخدام الكمبيوتر. اليوم نضحك من تلك القرارات.

غداً سنضحك من كاشفات النصوص التي تحكم على النص بلا سياق.

المسؤولية ليست على الصحفي وحده. المؤسسات مدعوة إلى بناء أنظمة حوكمة عادلة تحمي الجهد البشري، وتسمح بالاستفادة من التقنية من دون ظلم.

السؤال ليس: هل استخدم الصحفي الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف استخدمه؟ وكم كان الجهد البشري؟

صندوق الشفافية

هذا المقال كتب بنسبة تزيد على 90% بالجهد البشري (بحث، مقابلات، صياغة)، و10% مساعدة من الذكاء الاصطناعي.

بتقديري التحريري، شكل العمل البشري الغالبية الساحقة من عملية الإنتاج، بينما اقتصرت المساعدة الآلية على مهام محدودة في التدقيق والاقتراح والتنسيق.

النماذج التي استخدمتها: Perplexity، Deepseek.

#سفيربرس _بقلم :الإعلامي حسين الإبراهيم

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *