دمشق حين تنادي يا دمشقُ نص إبداعي للكاتبة دانة ابو زيد
سفير برس

دمشق حين تنادي
يا دمشقُ..
يا وردةً
غسلتْها السماءُ من تعبِ السنينْ،
وظلَّ الياسمينُ
على أبوابِكِ
حارسَ الضوءِ…
لا ينامْ.
في أزقّتِكِ الضيّقةِ
كانَ الفجرُ يولدُ كلَّ يومْ،
يحملُ خبزَ الفقراءْ،
ويخبّئُ في كفِّهِ
حلمَ الذين أرادوا الحياةْ.
كم مرّةٍ
حاولوا إطفاءَ صوتِكِ،
فكانَ الصمتُ
في حنجرةِ الناسِ
أعلى من الرصاصْ.
وكانتِ الخطوةُ الأولى
ترتجفْ…
ثم تمضي،
كأنَّ في آخرِ الطريقِ
نافذةً
لا بدَّ أن تُفتحْ.
وفي ساحاتِكِ
كبرتْ حكاياتٌ صغيرةْ:
طفلٌ
ينادي أباهْ،
وأمٌّ
تخبّئُ دمعَها
كي لا ينكسرَ الصباحْ.
وكانَ الشابُّ
يمضي إلى حلمِهِ وحيدًا،
لكنَّ خلفَ خطوتِهِ
كانتْ تمشي
مدينةٌ بأكملِها.
يا دمشقُ…
يا مدينةَ الحبِّ
حينَ يصيرُ الحبُّ وجعًا،
ويا ذاكرةَ الذين
تركوا على حجارتِكِ
أسماءَهم…
ثم غابوا.
ما زالَ في بابِكِ
مفتاحٌ قديمْ،
تديرُهُ الريحُ ليلًا،
فتفتحُ الذاكرةَ،
ويخرجُ منها
صوتُ الذين مضوا.
وفي حاراتِكِ القديمةِ
كانَ النداءُ يكبرْ،
من قلبِ بيتٍ
إلى قلبِ بيتْ،
حتى صارَ للصباحِ
صوتٌ…
لا يُخفى.
قالوا:
سيطولُ الليلْ.
فأجابتِ المآذنُ
بنبضةِ فجرٍ
لم يولدْ بعدْ.
ومضى الناسُ
يحملونَ في صدورِهم
سؤالًا واحدًا:
متى يكونُ للإنسانِ
بيتْ؟
وحريةْ؟
وأمانْ؟
لم يكنِ الطريقُ سهلًا،
فالريحُ
حينَ تعبرُ المدنَ
تحملُ معها
أسماءَ الغائبينْ.
لكنَّ نهرَكِ
لم يقلْ يومًا: انتهيتْ.
فالماءُ يعرفُ
كيف يبدأُ من جديدْ،
كلّما ضاقَ بهِ
الطريقْ.
يا دمشقُ…
إن كانَ للأملِ وجهٌ،
فهو وجهُ أمٍّ
تحتضنُ طفلَها،
وتقولُ:
سيأتي الصباحْ.
سيأتي…
ولو تأخّرَ قليلًا،
ولو طالَ الطريقْ،
ولو نامتِ الشوارعُ
تحتَ رمادِ الحروبْ.
سيأتي…
وحينَ تفتحينَ أبوابَكِ
للضوءِ من جديدْ،
سيعرفُ العالمُ
أنَّ المدنَ
التي أحبّتِ الحياةَ…
لا تموتْ.
#سفير برس ـ زياد ميمان


