كيف نفهم مشاعرنا؟. بقلم : د. هلا شيخ شوك
#سفيربرس

المشاعر جزء أساسي من التجربة الإنسانية؛ فهي ترافقنا في علاقاتنا وقراراتنا ونجاحاتنا وإخفاقاتنا، وتؤثر في طريقة رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين وللحياة. ومع ذلك، كثيرًا ما نعيش مشاعرنا دون أن نفهمها، فنقول: «أنا متوتر»، «أنا عصبي»، «لا أعرف ماذا أشعر»، أو نتصرف بطريقة نندم عليها لاحقًا.
فهم المشاعر لا يعني التخلص من المشاعر السلبية، ولا يعني أن نكون هادئين وسعداء طوال الوقت، وإنما يعني أن نتعلم التعرف إلى مشاعرنا، وفهم أسبابها، والتمييز بينها، والتعبير عنها وتنظيمها بطريقة صحية.
وتُعد المهارات الاجتماعية والانفعالية من العوامل التي تدعم القدرة على التكيف والصحة النفسية.
أولًا: ما هي المشاعر؟
المشاعر استجابات نفسية ووجدانية ترتبط بما نمر به من أحداث وتفسيرات وتجارب. وقد تظهر في صورة شعور بالخوف أو الحزن أو الفرح أو الغضب أو الخجل أو الذنب أو الحب أو الإحباط.
لكن الشعور لا يحدث دائمًا بسبب الحدث وحده؛ طريقة تفسيرنا للحدث لها دور مهم في تشكيل استجابتنا الانفعالية.
فقد يتعرض شخصان للموقف نفسه، لكن أحدهما يشعر بالخوف، بينما يشعر الآخر بالغضب أو اللامبالاة، لأن لكل منهما تجاربه وتفسيراته واحتياجاته الخاصة.
ثانيًا: لماذا من المهم أن نفهم مشاعرنا؟
1. لأن الشعور يحمل رسالة
المشاعر ليست أعداء يجب محاربتها، بل قد تحمل معلومات مهمة عن احتياجاتنا وحدودنا وتجاربنا.
فالغضب قد يشير أحيانًا إلى شعور بالتعدي على الحدود أو الظلم.
والحزن قد يعكس فقدانًا أو خيبة أو حاجة إلى الدعم.
والقلق قد يشير إلى شعور بالخطر أو عدم اليقين.
لكن هذا لا يعني أن كل شعور يعكس حقيقة موضوعية؛ فالشعور حقيقي كتجربة داخلية، لكنه ليس دائمًا دليلًا على أن تفسيرنا للموقف صحيح.
2. لأن تسمية الشعور تساعد على فهمه
هناك فرق بين أن نقول:
«أنا سيئ.»
وبين أن نقول:
«أنا أشعر بالإحباط لأنني لم أحقق ما كنت أتوقعه.»
الجملة الثانية أكثر دقة، لأنها تفصل بين الإنسان ومشاعره.
أنت لست غضبك، ولست خوفك، ولست حزنك.
أنت إنسان يمر بتجربة انفعالية يمكن فهمها والتعامل معها.
3. لأن المشاعر المكبوتة قد تظهر بطرق أخرى
عندما يعتاد الإنسان على تجاهل مشاعره وعدم التعبير عنها، قد يصبح من الصعب عليه معرفة ما يحتاج إليه أو لماذا يتصرف بطريقة معينة.
لذلك فإن الهدف ليس التعبير عن كل شعور بصورة اندفاعية، وإنما الاعتراف بالشعور وفهمه ثم اختيار الاستجابة المناسبة.
ثالثًا: كيف نفهم مشاعرنا خطوة بخطوة؟
الخطوة الأولى: توقف قليلًا
عندما تشعر بانفعال قوي، لا تتسرع في التصرف.
خذ لحظة واسأل نفسك:
ماذا يحدث بداخلي الآن؟
التوقف القصير يمنح العقل فرصة للانتقال من رد الفعل التلقائي إلى قدر أكبر من الوعي.
الخطوة الثانية: سمِّ الشعور بدقة
بدلًا من استخدام كلمة «متضايق» لكل شيء، حاول أن تكون أكثر تحديدًا.
هل أنت:
حزين؟
غاضب؟
خائف؟
محبط؟
قلق؟
خجول؟
وحيد؟
يشعر بالذنب؟
يشعر بالرفض؟
يشعر بالضغط؟
يشعر بالغيرة؟
يشعر بخيبة الأمل؟
كلما أصبحت أكثر دقة في تسمية الشعور، أصبح فهمه أسهل.
وتشير الأدبيات النفسية إلى أن تنظيم المشاعر عملية معقدة تعتمد على مهارات متعددة، ومنها الانتباه والتخطيط والتطور المعرفي واللغة.
الخطوة الثالثة: لاحظ إشارات جسدك
المشاعر لا تظهر في الأفكار فقط، بل قد تظهر في الجسم أيضًا.
فقد تلاحظ:
القلق: تسارع ضربات القلب، توتر العضلات، اضطراب المعدة أو صعوبة الاسترخاء.
الغضب: شدّ الفك، ارتفاع التوتر، تسارع النبض.
الخوف: رغبة في الهروب أو التجنب، توتر جسدي أو يقظة شديدة.
الحزن: انخفاض الطاقة، الرغبة في العزلة أو البكاء.
لكن هذه العلامات ليست تشخيصًا بحد ذاتها، وقد تتشابه الأعراض الجسدية بين حالات مختلفة؛ لذلك لا ينبغي تفسير كل عرض جسدي على أن سببه نفسي.
الخطوة الرابعة: اسأل نفسك: ماذا حدث؟
حاول تحديد الموقف الذي سبق الشعور.
مثلًا:
ماذا حدث قبل أن أشعر بالغضب؟
ربما قال شخص كلمة أزعجتك.
أو:
ماذا حدث قبل أن أشعر بالقلق؟
ربما تلقيت رسالة جعلتك تتوقع خبرًا سيئًا.
أو:
ماذا حدث قبل أن أشعر بالحزن؟
ربما تذكرت موقفًا مؤلمًا أو شعرت بفقدان شيء مهم.
تحديد المحفز يساعدنا على فهم العلاقة بين الموقف والشعور والاستجابة.
الخطوة الخامسة: اكتشف الفكرة التي سبقت الشعور
هنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا.
اسأل:
ماذا قلت لنفسي عندما حدث الموقف؟
مثال:
شخص لم يرد على رسالتك.
قد تكون الفكرة:
«هو يتجاهلني.»
فتشعر بالغضب.
وقد تكون:
«ربما حدث له شيء.»
فتشعر بالقلق.
وقد تكون:
«ربما هو مشغول وسيرد لاحقًا.»
فتبقى أكثر هدوءًا.
الموقف واحد، لكن تفسيره اختلف، وبالتالي اختلف الشعور.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل فهم الأفكار المرتبطة بالمشاعر خطوة مهمة في العمل النفسي.
الخطوة السادسة: اسأل: ماذا أحتاج؟
وراء كثير من المشاعر احتياجات إنسانية.
قد تحتاج إلى:
الأمان.
الاحترام.
التقدير.
الراحة.
الحب.
الدعم.
المساحة الشخصية.
الشعور بالانتماء.
الوضوح.
العدالة.
الحدود.
مثلًا، قد يكون الغضب المتكرر مرتبطًا بشعور بأن حدودك لا تُحترم.
وقد يكون الحزن مرتبطًا بالحاجة إلى الاحتواء والدعم.
لكن يجب الانتباه إلى أن الشعور لا يخبرنا دائمًا مباشرةً بما نحتاج إليه؛ لذلك نحتاج إلى التأمل في الموقف والسياق بدلًا من القفز إلى استنتاج سريع.
رابعًا: الفرق بين الشعور والتفكير والسلوك
من المفيد جدًا الفصل بين ثلاثة أشياء:
الحدث
ماذا حدث؟
الفكرة
ماذا فسرت أو قلت لنفسي عن الذي حدث؟
الشعور
ماذا شعرت نتيجة ذلك؟
السلوك
ماذا فعلت بعد ذلك؟
مثال:
الحدث: شخص انتقد عملي.
الفكرة: «هو يعتقد أنني فاشل.»
الشعور: غضب وإحباط.
السلوك: رفعت صوتي وابتعدت عنه.
لكن يمكن إعادة النظر:
الحدث: شخص انتقد عملي.
فكرة بديلة: «قد لا أتفق مع نقده، لكن يمكنني معرفة ما إذا كان هناك شيء مفيد في كلامه.»
الشعور: انزعاج، لكن بدرجة أقل.
السلوك: أطلب توضيحًا وأناقش الموضوع بهدوء.
وهنا لا يعني تنظيم المشاعر إنكارها، وإنما اختيار الاستجابة بدلًا من أن يقودنا الانفعال بشكل تلقائي.
خامسًا: هل يجب أن نثق بكل مشاعرنا؟
المشاعر مهمة، لكنها ليست دائمًا حكمًا نهائيًا على الواقع.
إذا شعرت:
«الجميع يكرهني»
فهذا شعور مؤلم، لكنه لا يعني بالضرورة أن الجميع يكرهك.
وإذا شعرت:
«أنا فاشل»
فالشعور بالفشل لا يعني أنك إنسان فاشل.
وإذا شعرت:
«لا أستطيع مواجهة هذا الأمر»
فهذا قد يعكس حجم الضغط الذي تشعر به الآن، وليس بالضرورة قدرتك الحقيقية على المواجهة.
لذلك يمكننا أن نقول:
أحترم مشاعري، لكنني أتحقق من أفكاري.
سادسًا: كيف نعبر عن مشاعرنا بطريقة صحية؟
التعبير الصحي لا يعني الصراخ أو إلقاء اللوم على الآخرين.
بدلًا من:
«أنت دائمًا لا تهتم بي!»
يمكن أن نقول:
«شعرت بالحزن عندما لم تسأل عني، وكنت بحاجة إلى اهتمامك.»
وبدلًا من:
«أنت تستفزني!»
يمكن أن نقول:
«أنا أشعر بالغضب الآن، وأحتاج إلى أن نتحدث عندما أكون أكثر هدوءًا.»
بهذه الطريقة نعبّر عن المشاعر دون تحويلها إلى هجوم.
سابعًا: هل تنظيم المشاعر يعني كبتها؟
لا.
الكبت يعني تجاهل الشعور أو محاولة دفنه دون فهمه.
أما التنظيم الانفعالي فيعني:
أشعر → أفهم → أهدأ → أقيّم → أختار كيف أتصرف.
وتتناول الأبحاث الحديثة تنظيم المشاعر باعتباره مجالًا متعدد الجوانب، يشمل كيفية تعديل الاستجابات الانفعالية ومرونتها وفق الموقف.
ثامنًا: تمرين بسيط لفهم مشاعرك
عندما تشعر بانفعال قوي، اكتب:
1. ماذا حدث؟
………………………………
2. ماذا فكرت؟
………………………………
3. ماذا شعرت؟
………………………………
4. أين شعرت بذلك في جسدي؟
………………………………
5. ماذا كنت أحتاج؟
………………………………
6. هل كانت فكرتي حقيقة أم مجرد تفسير؟
………………………………
7. ما التصرف الأكثر صحة الآن؟
………………………………
هذا التمرين يساعد على الانتقال من الاستجابة التلقائية إلى الوعي النفسي.
تاسعًا: متى نحتاج إلى مساعدة متخصصة؟
إذا أصبحت المشاعر شديدة أو مستمرة، أو بدأت تؤثر بوضوح في النوم أو العمل أو الدراسة أو العلاقات أو القدرة على أداء الحياة اليومية، فمن المهم التفكير في استشارة مختص نفسي مؤهل.
فالصحة النفسية لا تعني عدم مواجهة المشكلات، وإنما امتلاك القدرة على التعامل معها وطلب الدعم عندما نحتاج اليه
الخلاصة
فهم مشاعرك هو بداية فهم نفسك.
لا تحاول أن تسأل فقط:
«كيف أتخلص من هذا الشعور؟»
بل اسأل:
«لماذا أشعر به؟ ماذا يحاول أن يخبرني؟ ما الفكرة المرتبطة به؟ وما التصرف الصحي الذي أستطيع اختياره؟»
عندما نتعلم الإصغاء إلى مشاعرنا دون أن نسمح لها بالتحكم الكامل في قراراتنا، نصبح أكثر وعيًا بذواتنا، وأكثر قدرة على تنظيم انفعالاتنا، وبناء علاقات أكثر صحة، والتعامل مع ضغوط الحياة بمرونة أكبر.
فالمشاعر ليست عدوًا يجب إسكاتُه، ولا قائدًا يجب طاعتُه دائمًا؛ إنها رسائل تحتاج إلى أن نفهمها.
#سفيربرس _بقلم: الدكتورة هلا شيخ شوك 🌸


