سورية… وطنٌ يتسع للجميع.. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
كتبنا قبل فترة قصيرة عن دمشق، وأنها مدينة لجميع السوريين، وأن أبوابها يجب أن تبقى مفتوحة لكل من اختار أن يعيش فيها، بعيداً عن أي تمييز أو حساسيات مناطقية.
ومع الأسف، تتكرر بين فترة وأخرى مشاجرات وخلافات في بعض ضواحي دمشق، بين أبناء المناطق التي استقر فيها الناس منذ سنوات، وبين عائلات وأبناء قدموا من محافظات أخرى، ومنهم أبناء دير الزور.
وفي كل مرة، نجد من أهل الخير والإصلاح من يسارعون إلى التدخل، وتهدئة النفوس، وإصلاح ذات البين، وإنهاء الخلاف. وهذا أمر يستحق التقدير، لأن الحفاظ على العلاقات بين الناس مسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، وإنما يشارك فيها المجتمع بكل مكوناته.
لكن استمرار هذه الحوادث، ولو كانت محدودة، يستحق منا جميعاً وقفة هادئة.
فالخلاف بين شخصين يمكن أن ينتهي بينهما، أما عندما يأخذ الخلاف طابعاً مناطقياً أو اجتماعياً، فإن أثره يصبح أكبر من أطراف المشكلة نفسها، وقد يترك شعوراً بالتمييز أو عدم الإنصاف لدى فئة من الناس.
وقد شهدت جديدة عرطوز الليلة الماضية حادثة جديدة، وما رافقها، بحسب ما تم تداوله، من اعتداء على حرمة بعض البيوت، وهو أمر يبعث على القلق ويستدعي الوقوف عنده بمسؤولية. ونأمل أن تنتهي الحادثة بالصلح وتهدئة النفوس، وأن تقوم الجهات المختصة بالتحقق من جميع ملابساتها بكل حياد، بما يحفظ حقوق الجميع ويمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وفي ظل هذه الأجواء، بادر عدد من الخيرين ووجهاء الطرفين إلى احتواء الموقف والعمل على تهدئة النفوس، وفي مقدمتهم الحاج نوري المسكار العقيدي “أبو فايز”، والشيخ وائل مصطفى “أبو مصطفى”، اللذان قاما باحتواء الموقف ومنع اتساع الخلاف، والتواصل مع الجهات المعنية للوصول إلى معالجة هادئة تحفظ حقوق الجميع.
وفي المقابل، قد يستغل البعض مثل هذه المواقف لإشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، وتحويل حادثة محدودة إلى خلاف أوسع يأخذ طابعاً مناطقياً أو اجتماعياً. وهنا تبرز مسؤولية الجميع في عدم الانجرار وراء الشائعات أو الخطابات التي تزيد التوتر، وترك معالجة الحوادث للجهات المختصة، والحرص على أن يبقى الخلاف في إطاره الفردي والقانوني.
ورسالتنا في هذا السياق ليست لطرف دون آخر، وإنما للجميع، مع التأكيد على أن تبقى الواقعة في إطارها المدني والفردي، وألا تُحمّل أكثر مما تحتمل.
فالخلاف بين الأشخاص يجب أن يُعالج بين الأشخاص، وبالطرق القانونية والاجتماعية المناسبة، بعيداً عن التعميم أو تحميل المسؤولية لجماعة كاملة بسبب تصرفات أفراد.
ونحن في مرحلة بناء دولة جديدة، بأمسّ الحاجة إلى ترسيخ هذه الثقافة. لا نريد أن يشعر ابن دير الزور أنه غريب في دمشق، ولا أن يشعر ابن دمشق أن أحداً ينافسه على مدينته. دمشق ليست ملكاً لفئة، وسوريا ليست ملكاً لمحافظة أو جماعة.
دمشق لكل السوريين، والساحل لكل السوريين، والجزيرة لكل السوريين، ودير الزور لكل السوريين، وحلب وحمص وحماة ودرعا والسويداء وكل شبر من سوريا هو وطن لجميع أبنائها.
وهذا لا يعني أن نتجاهل أي مشكلة أو نتجاوز على حقوق أحد، بل يعني أن نحتكم جميعاً إلى القانون، وأن يكون حل الخلافات عبر المؤسسات والجهات المختصة، وأن تبقى الكلمة الأخيرة للعدالة لا للانتماء المناطقي أو الاجتماعي.
كما أن مسؤولية المجتمع مهمة أيضاً. فالأهل والوجهاء وأصحاب الرأي وأهل الإصلاح يستطيعون، كما فعلوا في مناسبات كثيرة، أن يطفئوا نار الخلاف قبل أن تكبر، وأن يمنعوا حادثة فردية من أن تتحول إلى مشكلة بين مجموعات من الناس.
إن سوريا التي نريد بناءها لا تقوم على سؤال: من أي محافظة أنت؟ وإنما على مبدأ أبسط وأهم: أن يكون جميع السوريين متساوين أمام القانون، لهم الحقوق نفسها، وعليهم الواجبات نفسها.
ومن هنا، فإن رسالتنا بسيطة وواضحة:
احترموا بعضكم، واحتكموا إلى القانون، واتركوا الخلافات الفردية في إطارها، ولا تسمحوا لها بأن تتحول إلى خلافات بين أبناء الوطن الواحد.
نحن بحاجة اليوم إلى أن يشعر كل سوري، أينما كان، أن له مكاناً في وطنه، وأن القانون يحميه، وأن معالجة أي خلاف تتم بالعدل والإنصاف، بعيداً عن التعميم والتحريض واستغلال الحوادث لإشعال الفتنة.
سوريا لجميع أبنائها، ودمشق لجميع السوريين.
والله أسأل أن يحفظ أهلنا في دمشق ودير الزور وكل محافظات سوريا، وأن يؤلف بين القلوب، ويبعد عن وطننا الفتنة والانقسام، وأن يجعل القانون والعدل أساساً لعلاقتنا جميعاً.
#سفيربرس _بقلم :د. عطية العلي _الكويت


