جدلية الثقل والخفة: المفارقة الضدية في رواية “ثقل الريشة” للكاتبة “تبارك الياسين” الصادرة عن دار دجلة ناشرون وموزعون في الأردن. د. مريم المصري.
#سفيربرس _فلسطين _نابلس

استوقفتني عبارة في كتاب “عتبات النص” لـــ “مصطفى سلاوي”، متحدثًا عن عتبة عنوان النص، قوله: “إنّ العتبات مجرد عتبة، وأنّ الأهم هو ما يوجد بالداخل، وأنّ هذا الداخل هو النص”. ولعل هذه العبارة تفتح أمامنا سؤالًا لا يتعلق بالعنوان بوصفه تسمية للخطاب الأدبي فقط؛ بل لأنه العتبة الأولى التي تمهد دخول المتلقي إلى بهوه، وتوحي بما قد يختزل خلف ألفاظه من شحنات دلالية. فالعنوان لا ينفصل عن النص وإن بدا في ظاهره كلمة أو تركيبًا موجزًا، بل قد يحمل في بنيته الأولى مفاتيح دلالية تتكشف شيئًا فشيئًا عند قراءة الخطاب الأدبي وتأويله.
ولا يمكن فهم عتبة العنوان بمعزل عن الخصوصية النصية ذاتها، وتصورات المؤلفة للكتابة، واختياراتها التصنيفية المحددة لقضاياها الأجناسية، ومن هذا الأساس يتجلى عنوان رواية “ثقل الريشة” نواة سردها، وبؤرته التخيلية، وكما قال “جيرار جينيت” فالنص “قلما يظهر عاريًا من مصاحبات لفظية أو أيقونية تعمل على إنتاج معناه ودلالته”.
إن المتلقي لرواية “ثقل الريشة” يصطدم بعنوانها، بما ينطوي عليه من تركيب يقوم على المفارقة بين الثقل والريشة؛ إذ تحيل الريشة في الوعي الجمعي الدلالي إلى الخفة والرشاقة والانسيابية، في حين يحيل الثقل إلى الوزن والعبء والمشقة. ومن هنا تتشكل مفارقة أولى بين لفظتين تبدوان متناقضتين، لتصبح هذه المفارقة مدخلًا إلى مساءلة ما يختبئ وراء العنوان من دلالات، وما إذا كان هذا التضاد الظاهري يسري في جسد الرواية وشخصياتها وأحداثها، وبالتالي يتحول العنوان من مجرد عتبة للنص إلى مفتاح لتأويل مفارقته الضدية.
تستند الروائية في هندسة عنوان روايتها “ثقل الريشة” إلى تركيب اسمي يقوم على مفارقة دلالية لافتة؛ إذ تجمع بين “الثقل” الذي يحيل إلى الوزن والعبء والانحناء تحت وطأة ما، و”الريشة” التي تستدعي في المقابل الخفة والتحليق والانفلات. ومن ثم، لا يظهر العنوان مجرد تسمية للنص، بل يغدو عتبة كاشفة عن الفضاء النفسي الداخلي لشخصيات الرواية، وعن الأعباء الخفيفة التي تثل ذواتها، رغم ما قد يبدو عليها من خفة أو قدرة على المضي والتحليق. ويستدعي هذا التركيب من القارئ إعادة النظر في العلاقة بين طرفيه؛ إذ كيف يمكن لريشة، وهي رمز للخفة والانطلاق، أن تكون ثقيلة؟ وهنا تتولد المفارقة التي تستفز ذهن المتلقي وتدفعه إلى البحث عن المعنى الكامن وراء هذا الجمع بين المتناقضين. ويزداد هذا المعنى رسوخًا مع استهلال الرواية بقولها: “تولد الحكاية التي تثبت أن الريشة لا تطير دائمًا، أحيانًا تسقط بثقل يشبهنا”؛ إذ يتحول الثقل من دلالة مادية مرتبطة بالوزن إلى دلالية نفسية وإنسانية، فتصبح الريشة صورة للذات المثقلة بما تحمله من وجع وذكريات وتجارب، ويغدو سقوطها تعبيرًا عن لحظة العجز عن التحليق بعيدًا عن أثقال الداخل.
تتجسد قدرة الكاتبة “تبارك الياسين” الإبداعية في قدرتها على تحويل مشهد من العالم الواقعي، المتمثل في أولئك الذين يجمعون القمامة ليلًا في شوارع عمان، إلى مادة سردية مكثفة بالدلالات والإيحاءات، حيث لا تبقى القمامة في الرواية مجرد فضلات وأشياء مهملة، بل تتحول على علامة تكشف ما تخفيه الذوات البشرية من أسرار وذاكرة وأحلام وانكسارات. ومن هذا العالم الهامشي الذي قد يبدو للوهلة الأولى قبيحًا ومقززًا، تبني الروائية عالمًا مغايرًا يعيد النظر في مفاهيم الجمال والقبح، والنظافة والاتساخ، والحياة والموت، لتؤكد أن ما يبدو نظيفًا في الخارج قد يخفي في داخله ما هو أشد قذارة، وأن ما يلقى جانبًا قد يكون أكثر صدقًا مما يحتفى به ويعرض أمام الآخرين.
ويتعانق هذا البناء الدلالي مع عتبة العنوان التي تؤسس لمفارقة ضدية قائمة على الجمع بين الثقل والخفة. غير أن الرواية سرعان ما تفكك هذه الدلالة المألوفة، وتجعل الريشة قادرة على أن تثقل، وأن تسقط بدل أن تحلق. وينسجم العنوان مع السرد في موت هيام، حين قالت: “كنت حينها أحلق في السماء… جسدي بثقله ملقى كجثة هامدة، بينما كنت أنا خفيفة مثل ريشة حلقت بعيدًا عنهم جميعًا”.
وهنا تتشكل مفارقة أكثر عمقًا بين ثقل الجسد وخفة الروح؛ فالجسد الذي كان يحمل أعباء الحياة يصبح بعد الموت كتلة ثقيلة هامدة، في حين تتحرر الذات منه، وتصبح “خفيفة مثل ريشة”. ومن ثم، لا يعود الموت نهاية مطلقة، بل يتحول إلى لحظة انفصال بين جسد مثقل وذات تتوق إلى الخفة. إلا أن هذه الخفة لا تستمر في معناها التحرري؛ إذ تعود الريشة في نهاية الرواية لتكسب ثقلًا آخر، حين تقول هيام: “لأنني الآن مجرد ريشة مسجونة ومصلوبة داخل زجاج أثقل من الهواء، وأقسى من الموت ذاته”. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالريشة التي يفترض أن تحلق أصبحت سجينة، والخفة تحولت إلى ثقل، والتحليق إلى صلب وسكون.
ولا تقف المفارقة الضدية عند الثقل والخفة، بل تمتد في الرواية إلى مجموعة من الثنائيات المتقابلة، من أبرزها: الألم والأمل، والموت والحياة، والنظافة والاتساخ، والظاهر والباطن، والصمت والكلام، والتحليق والسقوط. وتبدو ثنائية النظافة والاتساخ من أكثر الثنائيات حضورًا، ولا سيما من خلال شخصية موسى، زوج هيام الثاني وأخو نوح الذي يتخذ من جمع القمامة، وإعادة صيانة الأشياء المهملة مشروعًا يتجاوز قيمتها المادية إلى البحث عن معناها الإنساني.
فموسى لا ينظر إلى القمامة باعتبارها نهاية الأشياء، وإنما يراها بداية محتملة لحياة أخرى؛ إذ يقول: “نحن نعيد ترتيب القمامة لنعيد ترتيب حياتنا، ننظفها، نصلح ما يمكن إصلاحه، ثم أعود لبيعه من جديد”. وهنا تتحول عملية جمع القمامة وإصلاحها إلى استعارة لإعادة بناء الحياة نفسها، فكما يمكن للشيء المهمل أن يستعيد وظيفته وقيمته، يمكن للإنسان كذلك أن يستعيد ذاته بعد الانكسار. ومن هنا يصبح موسى، في بعده الرمزي، طبيبًا من نوع آخر؛ طبيبًا يعيد للأشياء الميتة والمهملة روحها بعد أن يئس منها الجميع.
وتتعمق هذه الرؤية حين يخاطب موسى أمل ابنة هيام قائلًا: “حتى أمكِ… كانت تخاف من القذارة، لكنها لم تدرك أن الخوف لا ينظف الروح”. فالقذارة هنا لا تعود مرتبطة بالظاهر المادي، وإنما تنتقل من الداخل، لتصبح النظافة الحقيقية مرتبطة بصفاء الروح وصدقها. ولذلك يقلب موسى المعادلة المألوفة حين يرى أن الوسخ الظاهري ليس العيب الأكبر، وإنما العيب أن يكون الإنسان نظيفًا من الخارج وقذرًا من الداخل. وبهذا تنتقل الرواية من المفهوم الحسي للنظافة إلى مفهوم أخلاقي ونفسي، فتغدو القمامة مرآة للإنسان؛ لأنها تكشف ما يحاول إخفاءه خلف مظاهر النظافة والترتيب.
ولعل في شخصية موسى ما يجسد هذا التصور بوضوح؛ فهو لا يخشى الاقتراب من الأشياء التي ينفر منها الآخرون؛ لأن القمامة بالنسبة إليه تحمل ذاكرة ومعنى، وتمنح الأشياء التي فقدت قيمتها فرصة ثانية للحياة. ومن هنا تبدو عبارته: “من يخاف أن يرى وهو يبحث عن معنى… لم يعرف المعنى بعد”، يعد مفتاحًا لفهم شخصيته؛ فهو لا يبحث في القمامة عن أشياء قابلة للبيع فحسب، بل يبحث عما تخفيه من حكايات أصحابها، وبقايا أحلام صغيرة ألقيت من نوافذ مزدحمة بالعجز. وهكذا يصبح ما يرفضه المجتمع ويخيفه أكثر صدقًا مما يعرضه أمام الآخرين.
وفي المقابل، تتجسد هيام في الطرف الآخر من هذه الثنائية؛ فهي تنتمي إلى عالم لامع، بارد، جاف، معقم من كل شائبة، في حين ينتمي موسى إلى عالم ملطخ برائحة الشوارع وعرق التعب وملامسة الحياة في صورتها العارية. وبذلك تنقسم الرواية إلى عالمين متقابلين: عالم النظافة الظاهرية، وعالم الاتساخ الذي يكشف الحقيقة. والمفارقة أن العالم الذي يبدو نظيفًا قد يكون محكومًا بالخوف والقمع والاختباء، بينما يحمل العالم الملوث في ظاهره قدرًا أكبر من الصدق والحياة.
وتتصل بهذه الثنائية ثنائية أخرى هي الموت والحياة؛ فأمل، ابنة هيام، تحقق في النهاية حلم أبيها موسى، فتصبح طبيبة، وهو الحلم الذي ظلت هيام تخشاه وتتحاشى تحققه. وهنا تتخذ مهنة الطب دلالة تتجاوز بعدها المهني؛ فموسى الذي كان طبيبًا للأشياء المهملة، يعيد إليها حياتها، بينما تصبح أمل طبيبة بالمعنى الواقعي، فتحقق الحلم الذي ارتبط في وعيها بتاريخ العائلة وأوجاعها. وبذلك تنتقل فكرة إعادة الحياة من الأشياء التي يجمعها موسى إلى الإنسان نفسه، فيغدو الإصلاح فعلًا يتوارثه الجيل الجديد.
وتتجلى ثنائية الصمت والكلام من خلال شخصية نوح أيضًا الذي يبدو في الرواية أكثر اتصالًا بالصمت، حتى إن اسمه نفسه يستدعي مفارقة الطوفان؛ فقد نجا نوح من الطوفان في الحكاية، بينما يحمل نوح في الرواية طوفانًا داخليًا عارمًا. وفي قول صاحب الصالون لهيام: “الصمت عند الرجال يكون أبلغ وأخطر من الكلام. من يصمت كثيرًا ويدع عينيه تتحدث، إنما يخفي طوفانه العارم في صدره، فلا تكوني أنت الغريقة”. يتحول الصمت من غياب للكلام إلى لغة مضمرة، وتصبح العينان وسيلة للإفصاح عما يعجز اللسان عن قوله. وهكذا لا يكون الصمت نقيض الكلام بصورة مطلقة، بل يصبح كلامًا من نوع آخر.
وتتضافر هذه الثنائيات جميعها لتكشف أن الرواية لا تقوم على تقابلات سطحية، وإنما على مفارقات تقلب المعنى المألوف وتعيد توزيعه بين الظاهر والباطن؛ فالنظافة قد تخفي القذارة، والقمامة قد تحفظ الذاكرة، والموت قد يمنح الروح خفتها، والريشة قد تصبح ثقيلة، والصمت قد يكون أبلغ من الكلام، والموت قد يفتح الطريق أمام حياة جديدة.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في صورة هيام بعد موتها؛ إذ تصبح مجرد صورة باهتة الملامح، يقبع خلفها زجاج نظيف حد القسوة، معلقة بعجز على مسمار صدئ في الجدار. وتتجاوز في هذه الصورة مفردات تبدو متنافرة: الزجاج النظيف، والمسمار الصدئ، والصورة والحياة، والثبات والحركة كأن هيام قد أصبحت شيئًا يعاد تدويره واستنساخه كل يوم في الإطار ذاته والصورة نفسها؛ فلا تستطيع أن تتحرر من الصورة التي حبست داخلها.
ومن هنا، يعود العنوان في خاتمة الرواية؛ ليكتسب دلالته الأكثر مأساوية؛ فهيام أصبحت في برزخها خفيفة مثل الريشة؛ لكنها ويا للمفارقة، ريشة ثقيلة لا تطير ولا تحلق. وهكذا لا يعود “ثقل الريشة” مجرد تركيب لغوي لافت، بل يتحول إلى بؤرة دلالية تتجمع حولها مفارقات الرواية كلها: ثقل الجسد، وخفة الروح، والسقوط والتحليق، والموت والحياة، والنظافة والقذارة، والظاهر والباطن، والقيد والتحرر. وبذلك تنجح “الياسين” في أن تجعل من المفارقة الضدية أداة رئيسة لبناء عالم روائي يقلب المألوف، ويضع القارئ أمام سؤال جوهري: هل ما يبدو خفيفًا قادرًا حقًا على التحليق، أم أن أثقال الإنسان الداخلية قد تجعل حتى الريشة عاجزة عن الطيران؟
#سفيربرس _ د. مريم المصري.
نابلس/ فلسطين



