«أجراس الصحافة الذكية» في غرف الأخبار… ندوة تبحث حدود التقنية ومسؤولية الصحفي
#سفيربرس _بيان جعلوك _ دمشق

ناقش فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب كتاب «أجراس الصحافة الذكية تقرع في غرف الأخبار» للباحث الإعلامي حسين الإبراهيم، في ندوة جمعت كتاباً وصحفيين وإعلاميين حول أثر الذكاء الاصطناعي في المهنة، وحدود استخدامه داخل المؤسسات الإعلامية، وأدار الندوة الكاتب أيمن الحسن.
لم تكن المداخلات مجرد تقديم للكتاب، بل محاولة لطرح سؤال أوسع: كيف يحافظ الصحفي على دوره حين تصبح الأدوات الذكية جزءًا من غرفة الأخبار؟
تحوّل مؤسسي لا أداة فردية
رأى أمين الدريوسي، أمين تحرير صحيفة «الحرية»، الذي قرأ مداخلته الصحفي زهير محمد، أن أهم ما في الكتاب أنه لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمسألة فردية يواجهها الصحفي وحده، بل كتحول مؤسسي يعيد تشكيل غرفة الأخبار برمتها. وأوضح أن حماس الصحفي لتجربة الأدوات قد يتحول إلى إحباط أو استخدام عشوائي إذا غاب التدريب المنظم والسياسة الواضحة والدعم الفني وبيئة آمنة للتجريب.
واستشهد الدريوسي بتجربة إعداد دراسة لتأسيس وحدة للذكاء الاصطناعي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، معتبرًا أن السؤال المؤسسي أكثر تعقيدًا من سؤال الأداة: من يقرر؟ ومن يدرب؟ ومن يراقب الجودة؟ ومن يحمي البيانات؟ ومن يضع الحدود الأخلاقية والتحريرية للاستخدام؟ وخلص إلى أن المؤسسة الجاهزة ليست التي تملك أحدث الأدوات، بل التي تعرف لماذا تستخدمها وكيف تدمجها في عملها وتقيس أثرها على جودة المحتوى وثقة الجمهور.
الأداة تقترح والصحفي يقرر
من جهته، وصف عبد الهادي شباط، الصحفي في جريدة «الوطن» ومدير البرامج السابق في قناة السورية الفضائية، الكتاب بأنه يقدم صورة متوازنة لعلاقة الصحفي بالذكاء الاصطناعي؛ فهو لا يقدمه معجزة ولا تهديدًا شاملًا، بل مجموعة أدوات تحتاج إلى عقل مهني يوجهها. وأشار إلى فائدتها في تحليل البيانات الضخمة، ورصد الاتجاهات، واستخراج القصص من الوثائق، وتلخيص النصوص، واقتراح العناوين، وتكييف المحتوى مع المنصات، فضلًا عن مجال التحقق وكشف التزييف العميق.
لكنه حذّر من أن هذه القدرات قد تتحول إلى خطر إذا فقد الصحفي دوره، لأن النموذج اللغوي قد ينتج نصًا سليمًا لغويًا لكنه خاطئ وقائعيًا، أو يقدم معلومة مقنعة دون مصدر موثوق، أو يعكس تحيزات بيانات تدريبه. ولذلك شدد على مبدأ «الإنسان في الحلقة»: الأداة تقترح والصحفي يتحقق، وتلخص والصحفي يضع السياق، وتسرّع العمل والصحفي يقرر ما يستحق النشر.
الذاكرة الوطنية المهددة
فتحت رنا سلوم، من صحيفة «الثورة السورية»، زاوية تتجاوز غرفة الأخبار اليومية، إذ ركزت على دور الذكاء الاصطناعي في بناء الأرشيف الرقمي وحماية الذاكرة الوطنية. وقالت إن الصحافة السورية تملك أرشيفًا غنيًا موزعًا بين الصحف الورقية والتسجيلات والصور والوثائق والذاكرة الشفهية، لكن كثيرًا منه مهدد بالضياع أو التشويه أو التلاعب.
ورأت أن التقنية يمكن أن تساعد في رقمنة النصوص وتحويلها إلى مواد قابلة للبحث، وتصنيفها، وربط الأحداث بالأشخاص والأماكن والتواريخ، وتتبع النسخ المختلفة واكتشاف التناقضات بين المصادر. غير أنها وضعت حدًا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه: «الأرشيف لا يُصنع، بل يُوثّق»، فلا يجوز استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد نص أو صورة تُقدَّم على أنها أصل مفقود. واقترحت ثلاث ضمانات: حفظ النسخة الأصلية، والشفافية في توثيق أي معالجة، وبقاء المسؤولية البشرية في التصنيف والسياق والتحقق.
من شرح الأداة إلى إعادة اكتشاف المهنة
أما أيمن الحرفي، من «اتحاد الصحفيين»، فقد ربط نشأة الكتاب بأسئلة تكررت أمام المؤلف في دورات تدريبية منذ عام 2023، مثل: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي؟ كيف نتحقق مما تكتبه الآلة؟ وأين تنتهي مساعدة التقنية ويبدأ القرار التحريري؟ وقال إن هذه الأسئلة تعكس لحظة مفصلية في وعي المهنة، لأن التحول يمس طريقة جمع المعلومة وصياغة الخبر والتحقق منه وتوزيعه.
وأشار إلى أن تجربة إدارة برنامج «الصحافة الذكية» في الجامعة الافتراضية السورية، وتجربة إعداد دراسة لتأسيس وحدة للذكاء الاصطناعي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، منحتا الكتاب بنيته المنهجية وبعده المؤسسي. واعتبر أن الأهم ليس أن الكتاب يجيب عن الأسئلة، بل أنه يعيد ترتيبها؛ فلا يقول للصحفي «استخدم هذه الأداة»، بل يسأله: «ما الذي تريد أن تحافظ عليه من مهنتك حين تستخدمها؟»
الأخلاقيات في قلب النقاش
من جهتها، رأت نجوى صليبه، من منصة «سيريانديز»، أن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي هو أنه يجعل إنتاج المحتوى أسهل من التحقق منه؛ فبضع ثوانٍ تكفي لإنتاج نص أو صورة أو ملخص، بينما قد يحتاج التحقق إلى وقت ومصادر وخبرة ومسؤولية. وقالت إن الكتاب يضع الأخلاقيات في قلب النقاش لا في هامشه، لأن «الهلوسة» ليست تفصيلًا تقنيًا بل خطرًا مباشرًا على الحقيقة، والتحيز الخوارزمي قد يحدد من يُسمَع له وأي القصص تظهر وأي الروايات تُهمّش.
وشددت على أهمية الشفافية أمام الجمهور: هل يعرف أن التقرير كُتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟ وهل يعرف كيف تم التحقق من المعلومات؟ ومن يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟ وخلصت إلى أن الثقة لا تنجم عن سرعة النشر أو جمال الصياغة، بل عن الشفافية والمساءلة والالتزام بالدقة.
جرس يقظة لا ناقوس نهاية
بعد انتهاء المداخلات عقب مؤلف الكتاب الكاتب والباحث الإعلامي حسين الإبراهيم على الأسئلة التي طرحت وقال: أرى أن كل هذه الأسئلة تلتقي عند نقطة واحدة: الذكاء الاصطناعي لا يفرض على الصحافة إجابة واحدة، لكنه يفرض عليها أن تختار.
فالصحفي يختار بين أن يبقى صاحب قرار تحريري واعٍ، أم أن يتحول إلى ناقل لمخرجات الأداة.
والمؤسسة تختار بين أن تبني سياسات وتدريبًا وبنية داعمة، أم أن تترك التحول للتجارب الفردية العشوائية.
والجمهور يختار بين أن يطور وعيه النقدي، أم أن يترك نفسه أمام سيل من المحتوى السريع والمقنع والمضلل.
لقد دقّت الأجراس. لكنها لم تدق لتقول إن الصحافة انتهت، ولا لتقول إن الآلة ستكتب بديلاً عن الإنسان. بل دقّت لتقول إننا أمام لحظة مسؤولية مشتركة.
والسؤال الأخير ليس: هل ستتغير الصحافة؟
فالتغيير بدأ بالفعل.
السؤال هو: هل سنشارك في صناعة هذا التغيير بوعي ومسؤولية، أم سنتركه يصنعنا من دوننا؟
في ختام النقاش، بدا واضحًا أن المداخلات اتفقت على أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الصحافة بقدر ما يختبر مبادئها: الدقة، والتحقق، والشفافية، والمساءلة، والمسؤولية التحريرية. وتبقى استعارة «الأجراس» التي حملها عنوان الكتاب خلاصة لهذا الجدل؛ فالجرس لا يعلن النهاية، بل ينبه إلى أن شيئًا ما بدأ يتغير، وأن على الصحفي والمؤسسة الإعلامية أن يختارا موقفهما.
#سفيربرس _بيان جعلوك _ دمشق




