إعلان
إعلان

“أحمل وردتي وأنتظر”.. شعر بلغة الورد.. بقلم : سلوى عباس

#سفيربرس

إعلان

في زمن طغى فيه الصخب والضجيج وضاعت قيمه وملامحه الإنسانية، هناك من لازال يؤمن بالورد لغة للتعامل مع الحياة والناس كالشاعرة خالدة إسبر التي لفحتها ريح القصيدة، عبر مجموعتها الشعرية الأولى “أحمل وردتي وأنتظر” الصادرة عن دار العرّاب للدراسات والنشر والترجمة في دمشق، إذ جاءت قصيدتها كما التراب يفاجئه المطر الأول للخريف، فيحيله إلى كرات دافئة من غضار، فلا هو استحال طيناً، ولا بقي ذرات جافة متناثرة من غبار، ينوء بالكلام همساً، وبالإعلان عن حروفه الملوّنة، فاجأته لغة من حب تتراقص حروفها في كل الاتجاهات.
تفتتح الشاعرة خالدة مجموعتها بإهداء إلى أولادها بقصيدة “إلى الأحبة أولادي” وفيها تقول: “كلما أذكركم/ تزهر شجرات الدار/وتتفتح زهواً بكم/أنتم دنياي/أحضنكم كطاقة ورد/فأضيع في جمال هذه الأرض/سوف أغزل لكل واحد منكم قمراً/من خيوط الشمس/حتى لا تعبث فيه الريح/فعندما تشرق أراكم/تنيرون نهاري/وعندما تغيب أراكم تنيرون ليلي.
إذا استعرضنا عناوين قصائد المجموعة نراها تتوه في البحث عن نفسها، تنسج من شغف روحها صوراً شعرية لقصيدة غير مكتملة عبر تداعيات تراوحت بين الانكسارات، والخيبات، والأحلام المجهضة والفشل، فنراها تدرج قصائدها تحت عنوان رئيسي يحمل الكثير من حالتها التي تعيشها: (أحمل وردتي وأنتظر) أما عناوين قصائدها فتحمل مفردات الحياة بكل أبعادها مثل: (بربرية، الصمت، أصابع الريح، مدينتي، الحب ديننا، خطوة في الحياة، فتنة الليل، الضوء مطفأ، صور منسية، أحلامي، كيمياء العمر، درب الشوق، الطريق في انتظاري، الريح تتبدل، وكثير من القصائد الأخرى)، ومن قصيدة “الحب ديننا” نقرأ: “تعالي ننتصر على ما يفرق بيننا/نخنقه بالحب/لا تتركيني وحيداً/أقسم لك سأجعل الحب ديني/وسيأكل قلبي وروحي كلها/لا تخافي عانقيني/في الحب لا تكمن الخطيئة/قالت له:/أنا أحبك/وجعلت الحب ديني”.
هي أمنيات وهواجس نثرت في مهب القصيدة، حيث شاعرتنا مشغولة بهمومها وهموم الآخر الذي هو إنسان هذا الزمان المحاصر بالحروب والاقتتالات، والباحث عن الأمل، ترتل له إسبر في مجموعتها دعوة للحب والانقلاب على الكابوس الذي يرزح تحته، ففي قصيدة “بربرية” نقرأ:
“قلبي يرفرف/ يزف الحب/ لعشاق الحياة/ حرة عصية/ امرأة بربرية/ تمحو الوهم، ترشق الضوء/ تقص الحكايا بحنان/ عن البحر/الذي يشهر بهاءه/عارياً محصناً بالملح/وتركض أمواجه إلى الأمام/متراجعة إلى الوراء/ لتغرس الزبد في كل مكان/ فتأتي النساء والفتيات/وكل العاشقات/ليكتبن قصص الحب/بالزبد الأبيض”.
“أحمل وردتي وأنتظر” قصائد وجدانية عملت خالدة على أن تصب فيها عصارة أفكارها وما أثمرت عنه سنوات عمرها من تجارب، أمال وآلام، انكسارات وخيبات أيضاً، تلقيها هكذا في وجه قرائها لتتخفف منها وتنزلها من على كتفيها فتخاطب “مدينتها” قائلة:
“للضوء سأهدي شموعي/ليغسل العتمة عن مدينتي/عن أجنحتها التي لا تطير/عن وجوه أهلها التي تتطلع/إلى قمر يكاد يفقد ضوءه/مدينتي التي كانت تتوسد بالورد/أرى فيها ما يضيء القلب/وينسيني الغربة”.
في بعض قصائدها تسعى الشاعرة إلى لغةٍ شفافة تعتمد على الوضوح والواقعيَّة؛ فهي لغة تكاد تكون خاصة بها، لغة تنطلق من الواقع ومن وعيها لذاتها والآخرين، وملامستها لأحلامها التي تشبهها:
“أحلامي تشبهني/حزينة مثلي/تحنو على ألمي/والمكان يحلو بنا/أعبر بها فوق البحر/هل هي أكذوبة؟/وأنا أصدقها/أعجنها بغبار الطلع/فتنضجها أفكاري”.
وتؤرق الحرب التي نعيشها منذ أكثر من أربعة عشر عاماً روح الشاعرة خالدة، حيث هذه الحرب فرضت الرحيل والغربة على الكثير من الناس، وقد عانت شاعرتنا من حرقة رحيل وغربة أولادها وأخواتها وأحبتها فنتوقف عند قصيدة “الرحيل غربة”: “صلابة أرواحنا/صنعتها صعاب أيامنا/نعيش حياتنا بحدقات مغلقة/حتى صار الحاضر يقيناً/نمشي بخطوات ضيقة/والمسافة بعيدة بعيدة/وكلما مشينا تجدد الوجدان فينا/والقلب يشدو للحياة/يا لها من ليلة مرعبة/غمرت قلبي/وعلمتني أن الرحيل غربة/والزمان حنين”.
أيضاً كان لهذه الحرب وقعها السيء على أمنياتنا وأحلامنا التي تلاشت في مهب الريح والتي تعبر عنها خالدة في قصيدة “مع الريح”:
“مع الريح تسرح أحلامنا/نجمة متوقدة تحلم معنا/غنينا وامتد أفق هوانا/ميول وطلائع أتعبتنا/نرسم لوحات بألوان/جبلتها أيدينا/يفرح بمنظرها العابرون”.
وتبقى الطفولة الكامنة في اعماق كل منا هي المخزون الذي ننهل منه تفاصيل حياتنا ويعيننا على وحشة أيامنا، فتستحضرها الشاعرة خالدة من خلال أحفادها الذين يمثلون امتداداً لحياة نتمنى أن تكون جميلة تليق بأحلامهم وأحلام كل أطفال العالم، ففي قصيدة “طفولة طافت بي” تقول خالدة:
“وحيدة أحنو على وجعي/لعمر يجري غامضاً كالريح/أقطف منه طفولة/طافت بين أصابعي/وما تبقى حملوه وغادروا/لم يعد المكان يتسع لي/أتعبني هذا البعد/مرة مشفوفة ومرة راضية/ومرة يتخذني الفراق رفيقته/يمر بي/ يشعر بحزني/يغادرني متأسفاً ويقول لي: ضاعت دروبنا/ماذا تبقى؟ لم يلحق بنا/مخيلتي ممزوجة بحياة/لا توهب إلا مرة واحدة/وجاء الذي غيرني وأسعدني/أحفادي: علي، إينار، ورد”.
ونقرأ رؤية خالدة للحياة بتناقضاتها التي عاشتها خلال سني عمرها ويتبدى هذا التناقض واضحاً وطبيعياً في قصيدة “كيمياء العمر” حيث تقول:
“ها أنا أشيخ/يزداد وجهي عمقاً/وتهرب أحلامي/خطوط الزمان حددت/ملامح وجهي/وزاد البريق فيه/بريق يشبه الضباب/يشبه كيمياء العمر الغامضة/فيا قلبي/أيامي ورق/وحياتي قناع/وما بين الصورة والمعنى/أنذر نفسي لأبتكر زهرة/كل شيء قد تعرى/مثل بحيرة ساطعة/وأنا حقل من الورد/ممراته معتمة”.
في قصيدة “أعوامي” نرى شاعرتنا أكثر تصالحاً مع نفسها وسنوات عمرها التي لازال الحلم سيد تفاصيلها:
“ثلاثة وستون عاماً/كأنها نبضة قلب/تتقدم الأيام والسنون تتبعني/أبحث عن أحلام/لا ترجمان لها سوى قلبي/وقتي مضى كغيمة متْعَبَة/حيث لا حدود/يا نفسي توزعي بين زهوري/واختلطي بالعبير/أيها المطر لو أنا مثلك/لحملت نفسي/ومضيت إلى ما أريد”.
لا يمكننا أن نُخضع مجموعة “أحمل وردتي وأنتظر” للشاعرة خالدة إ.

#سفيربرس _ بقلم : سلوى عباس

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *