إعلان
إعلان

الديمقراطية بين الإسهال و الإمساك د. سناء شامي

#سفيربرس _ ايطاليا

إعلان

إلى سكارى الديمقراطية في بلاد الشرق “الأوسط” إستفيقوا، و حاولوا أن تفهموا بأنه لم يعد يوجد ديمقراطية تشاركية ، بل هناك فقط ديمقراطية نخبوية، أي للنخبة فقط. حاولوا أن تستوعبوا كيف تدمر الديمقراطية النخبوية والنيوليبرالية المجتمعات وأسس الحياة. لقد شرح الكاتب و المفكر الألماني راينر ماوسفيلد كيف يتم في ظل النظام النيوليبرالي والديمقراطية النخبوية التلاعب بالرأي العام، وتفكيك أسس التضامن الاجتماعي والديمقراطية الحقيقية. يا سكارى الحلم الديمقراطي، أن ما يحدث ليس مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية، بل هو هجوم منظم على الوعي الجماعي والخيال السياسي يهدف إلى إخماد روح المقاومة، و جعل الناس صامتين خاضعين.

لقد تم تحويل الديمقراطية، من قِبل النخبة إلى واجهة شكلية تحمي مصالح القلة، فتحولت من ديمقراطية تشاركية إلى ديمقراطية نخبوية: في الماضي، كانت الديمقراطية قائمة على مشاركة المواطنين والرقابة الشعبية، اليوم، تحولت إلى ديمقراطية نخبوية. النخبة الاقتصادية والسياسية هي من تتحكم اليوم بالخيارات السياسية، أمّا المواطنون يُتركون كمتفرجين سلبيين.
إن لعبة الديمقراطية التمثيلية أصبح معناها ينحصر في
تصنيع القبول الشعبي بدل التمثيل الحقيقي للإرادة العامة. ثم تندمج مع هذه اللعبة إيديولوجيا النيوليبرالية التي لا تقتصر على السوق الحر، بل هي عقيدة سياسية واقتصادية تهدف لتدمير التضامن الاجتماعي من خلال خصخصة الخدمات العامة، إضعاف حقوق العمل، تسليع كل شيء و تعزيز اللامساواة، لذلك يجب على كل فرد أن يتسلح بالوعي و اليقظة لأن النيوليبرالية تتلاعب أيضاً باللغة و المفردات، فتستبدل مفاهيم مثل العدالة الاجتماعية بعبارات تقنية مثل الكفاءة، و تُقدّم الفقر والبطالة كمسؤولية فردية وليست هيكلية. فالنيوليبيرالية تتقن و تملك آليات إنتاج الطاعة والصمت و ترويض الوعي من خلال التضليل الإعلامي المنهجي، تبسيط الأخبار حتى تفقد سياقها النقدي، إشغال الناس بالخوف والقلق والاستهلاك لدرجة الإجهاد النفسي، و سياسات التقشف وضغوط العمل تجعل الناس منشغلين بالبقاء اليومي، و ليس بالحياة، فإستنزاف الطاقة الفكرية والعاطفية يمنعهم من التفكير النقدي و من البناء و يلغي لديهم البدائل و تقديم النموذج النيوليبرالي على أنه الوحيد الممكن في هذه المرحلة و تشويه سمعة كل محاولة لتصور أنماط اجتماعية جديدة من خلال دور الإعلام كأداة للهيمنة، إذ أن الإعلام لا ينقل الحقائق فقط، بل يحدد ما يمكن التفكير فيه و يصنع التوافق الزائف لخدمة مصالح الشركات الكبرى. النيوليبرالية تُجيد إدارة الإراك حيث يصبح الإعلام أداة لبرمجة الوعي الجماعي لتدمير أسس العيش المشترك. النيوليبرالية لا تقوض الاقتصاد فقط، بل أيضًا قيم التضامن و الشعور بالمسؤولية الجماعية و تقتل الثقة بين الناس، و بهذه الطريقة يتم إضعاف الديمقراطية من الداخل وتفتيت القدرة على المقاومة.
أمام هذا الوحش الجشع ما هي إمكانيات المقاومة؟
كل ما يحدث و يحيط بنا قد يدعو إلى التشاؤم، و لكن بإستعادة النقد والوعي التاريخي و إعادة بناء المجال العام المستقل عن مصالح السوق و تطوير حسّ المسؤولية الجماعية والخيال السياسي، كل هذا يشكّل الخطوة الأولى نحو التحرر، فالوعي بأنهم يتلاعبون بوجودنا، سيكون دافع و حافز للتحرك نحو البحث عن الحلول. إذا لم نستعد قدرتنا على التفكير النقدي والتشكيك في بديهيات النظام القائم، فسوف يبقى الجميع خرافاً منصاعة، تُساق إلى الذبح بسرور و دون مقاومة، منخدعةً بقناع الديمقراطية التي تعمل على إخفاء سلطة المال والنخب، و تلتزم الخراف الصمت ليس عجزًا طبيعيًا بل نتيجة ترويض وتلاعب مقنن و موجّه لشلّ أية محاولة للتمرد، كما أنّ الأمل بتحسين الأحوال يصبح مخدراً يومياً يُهم العامة بإقتراب الحلول. في كتاب روح الديمقراطية، الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة، ذكر الكاتب لاري دايموند بأنه منذ 1974 بدأت في البرتغال موجة تحولات ديمقراطية عمّت بين 1974 و في عام 2000 تضاعف عدد الديمقراطيات ثلاث مرات تقريباً، لكنها مع التسعينيات بدأت جودة الحكم بالتراجع، و بدأت مؤسسات الدولة بالضعف، و زاد صعود الشعبوية و التطرف و الفساد، و لعبت الثورات التكنولوجية و الإعلام المتواطئ و الفاسد أدوراً سلبية، و كل هذه الظروف أدت إلى ركود و تراجع الديمقراطية و لاسيما بدأت تتراجع، حتى في المجتمعات المتقدمة، سيادة القانون، و بات المجتمع المدني كسولاً و مثقلاً بهموم سبل العيش، كما أن العامة من الناس باتت تفتقر لثقافة سياسية ديمقراطية، و لقيادات سياسية تجيد الإصلاح بأوجه الشاملة، و تعرف كيف تدمج التنمية الإقتصادية مع الديمقراطية، لأن العلاقة بينهما مركبة و معقدة، و لا تكفي الديمقراطية وحدها، كي تتحقق التنمية و التطور. و إذا أخذنا الشرق الأوسط كمثال، فقد نشأت محاولات عدة للإنفتاح على الديمقراطية، إلا إنها باءت جميعها بالفشل بسبب الريعية النفطية، الاستبداد المزمن، غياب المؤسسات المستقلة، القمع الأمني، إساءة إستعمال الدين و تحويله لأداة سياسية، مع العلم بأن الإسلام نفسه لم يكن يوماً عائق أمام الديمقراطية، إلا أن الأنظمة السياسية العربية و القوى الخارجية التي تمنع التغيير، و جميع التحديات العالمية المعاصرة مثل التكنولوجيا و إستغلال وسائل الإعلام الرقمية لتقسيم المجتمعات، فقدان الثقة بالمؤسسات التقليدية و تزايد الثقة في الأنظمة السلطوية… و مع مرور الوقت، و إنطلاقاً مما يحدث في سوريا بشكل خاص و في منطقة الشرق “الأوسط” و المنطقة العربية بشكل عام، نرى بأنه نمت آليات عاطفية و ثقافية غريبة عن المنطقة تدفع بالإنسان لتدمير الآخر أخلاقيًا قبل إيذائه فعلياً و إتهامه بصفات سيئة فقط لإختلافه عنه بالدين أو بالفكرة أو بالإتجاهات أو الثقافة أو اللون أو (الطائفة). للتأمل في هشاشة إنسانيتنا وضرورة الدفاع عن كرامة البشر ضد أشكال “التحقير الجماعي” المتجددة، على المجتمعات بكل ألوانها و تعدد هوياتها، يجب أن تفهم بأن هناك إحتلال من نوع جديد لا يحتاج إلى دبابات ولا جنود، بل يستخدم لغة تبدو ديمقراطية الملمس لكنها حادة تقطّع بصمت في أحشاء التواصل الإنساني و الحضاري و التاريخي لعلاقات أفراد المجتمع… هذه الآلة الحادة قد تأتي على أشكال مختلفة منها صناديق الإستثمار السيادية، التي سبق و تحدثت عن أهميتها في مقال سابق تم نشره في صحيفة الثورة السورية ، و لا سيما بعد فترة الحرب الطويلة التي هدّمت الحياة في سوريا بشتى جوانبها، لذلك يجب أن يكون الحذر شديداً من لغة الإقتصاد بعد الحروب، فقد تأخذ شكل أدوات إستيطان مبطّن، تُفرض تحت مسميات الإستثمار والمساعدات،
و غالباً ما تجبر الحكومات الجديدة على تسهيل الإجراءات الضرورية و تعديل القوانين للتمكن من إستغلال موارد البلاد بإسم الإستثمار و الإقتصاد من خلال الصناديق السيادية، إلا أكرر مدى أهميتها، لكن بذات الوقت أؤكد بشدة على إخضاع هذه الصناديق السيادية إلى التحليل و الإنتقاء و وضعها تحت سلطة قضائية و قانونية و برلمانية للتمحيص و التدقيق في مضمون و غايات كل مشروع. لقد شرح الكاتب االإيطالي موريتسو لاذاريتو في كتابه صناعة الإنسان المدين، كيف حوّل الإقتصاد النيوليبرالي الإنسان الحديث إلى إنسان مدين، لا يقوم فقط على الأسواق والخصخصة، بل يعتمد قبل كل شيء على ديناميكية الدَّيْن كآلية للسيطرة على الأفراد والمجتمعات:

فالإنسان تحت حكم النيوليبرالية لم يعد يُعرَّف فقط بأنه منتِج أو مستهلِك، بل أصبح فرداً مديناً يجب أن يفي بالتزاماته المالية. يجب أن تفهم شعوب منطقة الشرق “الأوسط الحديث” بأن الإنفتاح الإقتصادي النيوليبرالي الذي يُهم الفرد بالرفاهية، هو في الحقيقة يسعى من وراء هذا الإنفتاح إلى إنشاء مجتمعات قائمة على الدَّيْن، و تصبح العلاقة بين الحكومة و الفرد قائمة
بين الوعد والدَّيْن والمسؤولية الأخلاقية: إذ يتطور الدَّيْن من علاقة إقتصادية بسيطة إلى هيكل اجتماعي ونفسي يفرض على الفرد الإحساس بالذنب والواجب.
النيوليبرالية تلوم الفقير لأنه لا يُحسن تدبير أمره
و تُقدم الدَّيْن باعتباره التزامًا أخلاقيًا واجب السداد بغض النظر عن الظروف، و بالتالي فأن هذه الرؤية تُحوّل مشكلات اقتصادية كالبطالة والفقر إلى أخطاء شخصية و تُعيد تكوين الأفراد بوصفهم مستهلكين دائمين للقروض، ملتزمين بتسديد الديون و خاضعين لمراقبة مالية وسلوكية دائمتين… حتى الدول نفسها أصبحت “مديونة” للبنوك والأسواق المالية، وتعيد إنتاج نفس المنطق على مواطنيها. الدَّيْن ليس مجرد مسألة مالية يخلق شعورًا دائمًا بالذنب والخوف
يجرّد الناس من الشعور بالسيادة على حياتهم
يمنع التضامن الجماعي، لأن الجميع منشغلون بالوفاء بالتزاماتهم الفردية. إذاً يربط هذا النظام الرأسمالي النيوليبرالي بين الدَّيْن كأداة طوعية ظاهريًا والقهر كواقع عملي، لذلك فأن أول خطوات مقاومة هذا النظام تبدأ بزعزعة المركزية القسرية لفكرة الدَّيْن، الذي يُعد صناعة آلية جوهرية لإنتاج الطاعة والسيطرة في الرأسمالية المعاصرة. أن النيوليبرالية لم تغيّر فقط السياسات الإقتصادية بل أيضاً الوعي الذاتي للأفراد، عبر خلق شعور دائم بالتقصير والمسؤولية الأخلاقية عن الديون، لذلك أقول لكل المنتظرين الإنفتاح الإقتصادي و اللاهثين إلى الرخاء القاتل، إحذروا و تعاملوا بوعي و حرص على التراث و الهوية و التضامن بينكم، و تذكروا، في غياب الوعي و حضور الجهل الملون، يصبح الفقر المدقع، و الرخاء الممّول عن طريق تسهيل القروض، وجهان لعملة واحدة هي فرض الإستبداد و إستعباد الناس. دافعوا عن المنشأ الطبيعي للحياة من عمل و تضامن و أخلاق و هوية و إنتماء، لا تبعدوا عن أصول منشأ آليات الحياة، تعاملوا مع البنوك بحذر و معرفة، و طبّقوا المثل القائل: ليس كل ما يلمع ذهباً، كي تسلموا و تنقذوا أجيالكم القادمة من الذوبان.

#سفيربرس _ ايطاليا_ بقلم : د. سناء شامي 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *