إعلان
إعلان

حين يبني الإنسان من الطين بيتًا، يبني من قلبه وطنًا.. بقلم : زياد ميمان

#سفيربرس

إعلان

حين يبني الإنسان من الطين بيتًا، يبني من قلبه وطنًا
في زاوية منسية من هذا العالم، حيث لا تُسمع ضوضاء المدن ولا تُرى ناطحات السحاب، يقف بيتٌ صغيرٌ من طين وسقفٍ خشبي، كأنما خرج من رحم الأرض ليكون حضنًا للروح. ليس بيتًا فحسب، بل قصيدة من تراب، وسيمفونية من خشب، تُعزف على إيقاع الزمن البطيء.
الطين: من روح الأرض
يبدأ البناء حين يمد الإنسان يده إلى الأرض، لا ليأخذ منها، بل ليصادقها. يُخلط التراب بالماء، ويُضاف إليه التبن أو القش، ليصير الطين عجينةً حيّة، تنبض بالدفء. يُعجن الطين كما تُعجن الأحلام، ثم يُصبّ في قوالب أو يُبنى طبقةً فوق طبقة، تُترك لتجف تحت شمسٍ لا تعرف المجاملة.
العزيمة والإرادة والعشق للأرض يدفع الإنسان ليجعل بيته من روح الأرض، فكل ذرة تراب تروي حكايات الزمن الغابر، وتغني أنشودة تعزف عليها قصبات الأسقف أعذب الألحان.
الجدران هنا ليست جدرانًا فقط، بل ذاكرة. كل شق فيها يحكي قصة، وكل ملمسٍ يروي حكاية يدٍ تعبت، وقلبٍ أحبّ. الطين لا يعزل عن العالم، بل يحتضنه، وتلتصق اللبنات وتبنى بمهارة فنان، وحتى النوافذ يترك لها مساحة لتدخل ضوء الشمس وتضفي ألقاً إلى المكان
الخشب: سقفٌ من شجرةٍ لم تنسَ جذورها
أما السقف، فهو من خشبٍ اختار أن يترك الغابة ليصير ظلًا لعائلة. تُرصّ الأخشاب بعناية، تُسند على أعمدةٍ من جذوعٍ قوية، ثم تُغطى بسعف النخل أو ألواح الطين المجفف أو أعواد القصب الحنون، لتصير سقفًا يحمي ساكني البيت من العوامل الجوية المتعاقبة عبر الزمن.
الخشب لا يُخفي هويته، بل يفتخر بعروقه، ويُصدر صريرًا خفيفًا كلما مرّت نسمة، كأنه يهمس: “أنا هنا، أحرس أحلامكم”. إنه سقفٌ لا يعلو على ساكنيه، بل يحني رأسه احترامًا لهم.
لوحة من ترابٍ وعناقٍ خشبيّ في السقف
تتآلف القصبات بحنوٍّ كأنها تتعانق في طقسٍ من المحبة، تتشابك بخيطٍ من القنّب يشدّ أزرها، فتغدو كأنها نُسجت من روحٍ واحدة، تتراصّ فوق سقف البيت كأنها تفرش له غطاءً من دفءٍ وأمان. وتسند القصبات ظهرها على أعواد الحور، المستلقية من الجدار إلى الجدار، وكأنها أوتار عودٍ قديم، وهي بدورها تستند على “البد” — ذاك العمود الأبويّ الذي يحمل السقف كله، بصبرٍ لا يشيخ، وبقوةٍ لا تضعف، إلا إذا امتدت إليه يدٌ لا تعرف حرمة الأشياء.
وفوق تلك القصبات، تُفرش “البَلّة” — حبات التراب المبللة — كأنها سجادة من الأرض نفسها، تُدق وتُدحل بمدحلةٍ حجريةٍ تتراقص ذهابًا وإيابًا، تضغط التراب حتى يتوحد، حتى تصير كل حبةٍ فيه جزءًا من نسيجٍ واحد، روحًا واحدة، تُترك لأيامٍ كي تستريح، كي تستقر كل ذرةٍ في مكانها، كما تستقر الذكريات في القلب بعد أن تهدأ.
ثم يأتي الطين، ذاك الخليط المقدّس من التراب والتبن والماء، تعجنه يدٌ ماهرة، لا تصنع مجرد غطاء، بل ترسم على سطح البيت لوحةً من الزمن، أساسها الأرض، وماؤها الحياة، وروحها عشقٌ لا يفنى.
بيتٌ يُبنى بالحبّ، لا بالإسمنت
البيت الطيني ذو السقف الخشبي لا يُشيّد كما تُشيّد الأبراج، بل يُربّى كما يُربّى الطفل. يكبر معك، يتنفس معك، يشيخ معك. إذا تصدّعت جدرانه، لا يعني أنه ينهار، بل أنه يتألم، ويحتاج إلى لمسة حبّ جديدة.
هو بيتٌ لا يُغلق عليك، بل يفتحك على العالم. نافذته ليست زجاجًا، بل فتحةٌ تطلّ على السماء. بابه لا يُقفل إلا حين تنام الطيور، وسقفه لا يمنعك من الحلم، بل يدعوك إليه.

الخزانة… بنت البيت المدللة

على جانب البيت، حيث تسكن الطمأنينة، يربي البيت ابنته المدللة: -الخزانة-. ليست مجرد غرفة، بل ذاكرةٌ صغيرةٌ ملتصقة بجدار الحياة، تنام بجوار الغرفة الكبيرة، وتحتضن مؤونة الأيام، بكل ما فيها من برغلٍ وطحينٍ ودبسٍ، كأنها تحفظ أسرار البيت في قلبها الطينيّ.

تحني رأسك لدخولها، فبابها القصير يوحي بأنك ستكتشف مجهولاً، ما إن تطأ عتبتها، حتى تشعر بأنك دخلت عالمًا آخر… سكينةٌ مختلفة، برودةٌ ناعمة، وهدوءٌ يشبه صلاةً صامتة. على جدرانها، لا تُعلّق لوحات من ورقٍ أو حبر، بل تُرسم من خيرات الأرض: شرائح الباذنجان، وأطواق الفليفلة، وخيوط الملوخية، والكوسا المشروشة، والبامياء وغيرها.. كلها تجفف وتُثقب بإبرةٍ وخيط، ثم تُعلّق بفنٍ أنثويٍّ خالص، لتغدو جدارياتها لوحاتٍ من الطبيعة، تنطق بالجمال والاتقان.

وفي زاويةٍ من زواياها، تتوزع جرار الفخار، ممتلئةً بما جادت به الأرض واليد، وأغلاها -لبن الجرة-، ذلك الطعم الذي لا يُنسى، والذي يترك في الذاكرة أثرًا لا يُمحى.

البيت الطيني وخزانته ليس غرفاً فقط، بل هو مملكة سيدة المنزل، حيث تُمارس طقوسها اليومية، وتُدير شؤون بيتها بحكمةٍ وحنان، وتُثبت أن الجمال يمكن أن يُصنع من ترابٍ وماءٍ وخيطٍ وإبرة.

#سفيربرس _ بقلم : زياد ميمان 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *