كتب زياد ميمان :سلق القمح ” السليقة” ..ذاكرة تُغسل بالماء ولوحة تُطرز بخيوط الشمس

سفير برس – زياد ميمان
حين تتسلل خيوط الشمس الأولى بين نوافذ البيوت الطينية، تبدأ الحكاية. القمح، ذاك الذهب العتيق، العابق بعطر البركة من سالف الزمان، يُستخرج من أكياسه الثقيلة، ويُفرش على الأرض كأنما يُهيّأ لعرسٍ قرويٍّ لا يشبهه شيء.

تبدأ النساء بغسله، لا على عجل، بل كما يُغسل الوليد في يومه الأول. يُغمر القمح في الماء، ويغسل عنه غبار الأيام، وتُصوَّل حباته واحدةً واحدة، تُنقّى من الحصى والقش، وكأنهن ينتقين من الذاكرة ما يستحق أن يُروى. أصوات الدلاء، وخرير الماء، وضحكات الصبايا، تمتزج في سيمفونيةٍ لا تُكتب بالنوتة، بل تُحفظ في القلب، وتتراقص الحبات مع قطرات الماء وكأنهن في عرس جماعي في ساحة القرية. بعدها، يحمل القمح بسواعد سمراء .إلى “الجعيلة”، تلك القدر الكبيرة العتيقة التي تشهد على مواسمٍ لا تُعد.

“الجعيلة” اليوم في ساحة الحارة .. الكل يحضر قمحاته حتى يسلقهم بدوره.. والكل يتساعد… رجالًا ونساءً، شبابًا وصبايا، كلٌّ له دوره، وكلٌّ له نغمة في هذا اللحن الجماعي.
يُسلق القمح في الجعيلة على نارٍ تُشعلها أيادي تعبت بجمع الحطب من هنا وهناك، النار لا تُشعل بالحطب فقط، بل بالودّ، وبالقصص التي تُروى حولها، وبالضحكات التي تتطاير مع الدخان
وحين ينضج القمح، وتفوح رائحته في الحارة، يُنقل في سلالٍ كبيرة إلى سطوح البيوت القديمة. وهناك، حيث الشمس تُبارك الحصاد، تبدأ قصص الحب ، على السطوح ويفوح عبقها مع رائحة القمح الناضج، وتتبادل نظرات الإعجاب حيث يتنافس الشباب بحمل أكبر قدر من القمح أمام الصبايا اللواتي يتزين لمثل هذه اللحظات وبعدها يُفرش القمح على السطح ، وتبدأ مرحلة التجفيف. الصبايا ينثرنه بأطراف أصابعهن، كأنهن يطرزن ثوبًا من الضوء، والشباب يراقبون، يضحكون، يساعدون، يركضون بين السطوح كأنهم يركضون بين أحلامهم.
في تلك اللحظات، لا يكون القمح مجرد محصول، بل ذاكرة حيّة، طقسٌ من طقوس الحياة، ومشهدٌ من مشاهد المحبة التي لا تُشترى ولا تُباع. إنه القمح حين يُغسل بماء الحياة ويُنضج على نار المحبة وتباركه يد الله ليغدو لوحة مطرزة بخيوط الشمس
#سفير برس- زياد ميمان



