إعلان
إعلان

الصحافة بين الأداء والأثر: نظرية التوقع كإطار لإنقاذ المهنة من الانطباعية والكم بقلم : حسين الإبراهيم

#سفيربرس

إعلان

• ماذا لو كان الجهد الصحفي يُقاس بالإعجابات لا بالتأثير؟ 

• كيف يربط الصحفي بين بحثه اليومي والمكافأة الفعلية؟ 

• لماذا تتراجع الثقة في الإعلام رغم كثرة المحتوى؟ 

• هل غياب الربط بين الأداء والقيمة هو السم الذي يقتل المهنة؟. 

تعيش الصحافة اليوم أزمة ثقة حقيقية…

مؤسسات بلا معايير، تقييمات قائمة على عدد الكلمات أو مزاج رئيس التحرير، محتوى يفتقد العمق، وجمهور يبتعد يوماً بعد يوم. هذه ليست أزمة عابرة، بل انهيار في منظومة الثقة التي بُنيت عليها المهنة.

مؤسسات تقيّم عمل الصحفيين بعدد الكلمات أو بانطباعات شخصية، وكأن جودة المحتوى لا تعني شيئاً. هذه الممارسات تفرغ المهنة من معناها وتحوّلها إلى صناعة شكلية بلا أثر. هنا تطرح نظرية التوقع (EVT) نفسها كأداة لإنقاذ الصحافة من الانحدار، عبر إعادة بناء العلاقة بين الجهد، الأداء، والمكافأة.

الخلفية النظرية

عندما وضع فيكتور فروم عام 1964 نظرية التوقع (Expectancy Theory)، لم يكن يتصور أن معادلة بسيطة تربط بين الجهد والأداء والمكافأة ستصبح حجر أساس في علوم الإدارة والتحفيز لعقود طويلة. هذه النظرية أثبتت جدارتها في ميادين متعددة، وأصبحت أداة عملية لإعادة بناء الثقة بين الفرد والمؤسسة.

نظرية التوقع ليست مجرد إطار إداري، بل هي منهج إنقاذ. أثبتت جدارتها في التعليم، الإدارة، الرياضة، والموارد البشرية، وهي اليوم الطريق الوحيد لإعادة الصحافة إلى مكانتها الطبيعية: مهنة ذات رسالة، قادرة على أن تحفّز الصحفيين وتعيد بناء الثقة مع المجتمع.

جوهر نظرية التوقع

تقول المعادلة الأساسية للنظرية:

الدافعية = الجهد × الأداء × المكافأة

حيث أن التوقع يمثل إيمان الفرد بأن جهده سيؤدي إلى أداء جيد، ويعبر عن قناعته بأن الأداء سيُكافأ فعلاً. وأن قيمة المكافأة المادية أو المعنوية مقبولة.

هذه العناصر الثلاثة لا تعمل منفصلة، بل تتكامل لتصنع بيئة تحفيزية متماسكة، فعندما تكون قيمة أي منها صفراً تنتفي الدافعية.

المجالات التي أثبتت فيها النظرية جدارتها

• الموارد البشرية: أصبحت أساساً لتصميم أنظمة الحوافز في الشركات الكبرى، حيث أثبتت أن الموظف لا يتحفز بالراتب وحده، بل بالعدالة والوضوح في العلاقة بين الجهد والمكافأة.

• التعليم: استخدمت لتفسير دافعية الطلاب، حيث أثبتت أن وضوح الأهداف وتقدير الجهد يرفع مستوى الأداء الأكاديمي.

• الإدارة العامة: اعتمدت الحكومات والمؤسسات غير الربحية على هذه النظرية لتصميم برامج تحفيزية تعزز المشاركة المجتمعية.

• الرياضة: وظفت في تدريب الفرق الرياضية، حيث ربطت بين الجهد المبذول في التدريب والأداء في المباريات والمكافآت المعنوية والمادية.

المنهج الوحيد لإنقاذ الصحافة

الصحافة اليوم غارقة في أزمة تقييم خانقة؛ مؤسسات تعتمد على عدد الكلمات أو على الانطباعات الشخصية لرئيس التحرير، بينما تغيب المعايير المهنية الدقيقة التي تضمن جودة المحتوى وأثره المجتمعي.

في هذا الفراغ، تبرز نظرية التوقع كمنهج وحيد قادر على إنقاذ المهنة، لأنها تربط بشكل علمي بين الجهد المبذول والأداء المحقق والمكافأة الممنوحة، وتحوّل العلاقة بين الصحفي والمؤسسة إلى منظومة عادلة وشفافة.

لقد أثبتت هذه النظرية جدارتها في مجالات متعددة، حيث نجحت في إعادة بناء الثقة وتحفيز الأفراد على الإبداع والإنتاج، وهي اليوم الأداة الوحيدة التي يمكن أن تعيد للصحافة ألقها المفقود، لأنها تمنح الصحفيين سبباً حقيقياً لبذل الجهد، وتحوّل الأداء إلى أثر ملموس، وتضمن أن المكافأة ذات قيمة فعلية.

تطبيق النظرية على الصحافة

عندما كنت رئيس تحرير لمدونة وطن esyria.sy وضعت 10 معايير للمادة الصحفية ترتبط بالإبداع والتحليل والدقة والجهد والتأثير وربطت هذه المعايير بالقيمة المناسبة مالياً ومعنوياً وكان لذلك الأثر الكبير في تحول المدونة إلى منصة محورية في سورية وحتى في التقييم العالمي للمنصات. كما قال فيكتور فروم: “الحرية ليست من الإرادة، بل من الإمكانية” – فالصحفي الحر يحتاج رابطاً واضحاً بين جهده وتأثيره.

إذا أردنا للصحافة أن تستعيد دورها كقوة مجتمعية مؤثرة، فلا بد من إعادة بناء منظومة التحفيز داخل غرف الأخبار وفق معادلة التوقع. يبدأ الأمر من الجهد؛ فالصحفي يحتاج إلى تدريب مستمر على أدوات التحقيق الرقمي، تقنيات السرد المتعدد الوسائط، ومهارات التحقق من المعلومات، ليشعر أن ما يبذله من وقت وطاقة سيقود فعلاً إلى إنتاج مادة ذات قيمة.

هذا الجهد لا معنى له إذا لم يُترجم إلى أداء تُقاس بمعايير واضحة: دقة المعلومات، عمق التحليل، الابتكار في الطرح، والقدرة على صياغة محتوى يترك أثراً في النقاش العام. لكن الأداء وحده لا يكفي؛ إذ يجب أن يكون مرتبطاً بشكل مباشر بـ المكافأة، وهي هنا ليست مجرد حافز مالي، بل منظومة متكاملة من الاعتراف المهني، فرص التدريب والترقية، والنشر في منصات أوسع، إضافة إلى تقدير الأثر المجتمعي للمادة الصحفية.

عندما يدرك الصحفي أن جهده سيؤدي إلى أداء ملموس، وأن الأداء سيُكافأ بمكافأة ذات قيمة حقيقية، تتحول غرفة الأخبار إلى بيئة عادلة وشفافة، ويستعيد الصحفي الحافز للإبداع، وتستعيد الصحافة ألقها كمنبر للثقة والتغيير.

نموذج مصفوفة تقييم مبسطة للأداء الصحفي

البعد المؤشرات الكمية المؤشرات النوعية الوزن النسبي

الدقة والمصداقية عدد الأخطاء أو التصحيحات المنشورة التزام بالتحقق من المصادر، وضوح المعلومات 30%

العمق والتحليل عدد المراجع أو المصادر المستخدمة جودة الربط بين الأحداث والسياق، قوة الحجة 25%

الابتكار في السرد تنوع الوسائط (نص، صورة، فيديو، إنفوغرافيك) أسلوب جذاب، استخدام تقنيات سرد حديثة 20%

الأثر المجتمعي حجم التفاعل الرقمي (تعليقات، مشاركات، مشاهدات) مدى مساهمة المادة في النقاش العام أو التغيير الاجتماعي 15%

الالتزام المهني والأخلاقي الالتزام بالمواعيد النهائية احترام أخلاقيات المهنة، الحياد، تجنب التحيز 10%

تحديات تواجه تطبيق نظرية التوقع

يواجه تطبيق نظرية التوقع داخل المؤسسات الصحفية مجموعة من التحديات البنيوية والعملية التي تجعل التحول إلى هذا المنهج أكثر تعقيداً مما يبدو في النظريات الأكاديمية؛ فغياب معايير دقيقة وموحدة لتقييم الأداء الصحفي يفتح الباب أمام الانطباعية والقرارات المزاجية، بينما تفرض ثقافة الكم وسيطرة السرعة على غرف الأخبار مقاومة لأي محاولة لإدخال معايير نوعية ترتبط بالدقة والعمق والأثر المجتمعي،

محدودية الموارد المالية والبشرية في كثير من المؤسسات، تجعل توفير التدريب المستمر أو بناء أنظمة مكافآت عادلة أمراً صعباً، فضلاً عن أن قياس الأثر المجتمعي للمادة الصحفية يظل تحدياً معقداً يتطلب أدوات بحثية وتحليلية غير متوفرة دائماً، كما أن مقاومة التغيير من قبل القيادات التقليدية التي اعتادت على أساليب التقييم القديمة تشكل عقبة إضافية أمام إدماج النظرية، ليصبح التحدي الأكبر هو القدرة على تحويل هذه المعادلة النظرية إلى منظومة عملية متكاملة داخل بيئة إعلامية مضطربة ومثقلة بالأزمات.

الخطوات التنفيذية

يتطلب تحويل نظرية التوقع إلى واقع عملي داخل المؤسسات الصحفية آليات عمل واضحة تتجاوز الشعارات وتدخل مباشرة في صميم العمل اليومي؛ فالخطوة الأولى تبدأ بصياغة دليل داخلي للمعايير المهنية يحدد بدقة عناصر الجودة مثل الدقة والعمق والابتكار والأثر المجتمعي، بحيث يصبح هذا الدليل مرجعاً ملزماً لكل صحفي ومحرر.

يلي ذلك اعتماد نظام تقييم متعدد المصادر يجمع بين رأي رئيس التحرير، رؤساء الأقسام، ملاحظات الزملاء، وردود فعل الجمهور، ليضمن أن الحكم على الأداء لا يبقى أسيراً لانطباع فردي أو معيار شكلي. ومن الضروري أيضاً الجمع بين المؤشرات الكمية والنوعية؛ فعدد القراءات أو المشاركات لا يكفي وحده، بل يجب أن يقترن بتحليل نوعي يقيّم مدى تأثير المادة على النقاش العام أو على وعي المجتمع. كما ينبغي أن يتحول التقييم إلى أداة تدريبية، بحيث لا يقتصر على تسجيل النقاط أو العقوبات، بل يفتح أمام الصحفيين فرصاً للتطوير عبر ورش عمل ودورات متخصصة.

وأخيراً، يجب أن تكون القيمة المجتمعية جزءاً أساسياً من منظومة التقييم، لأن الصحافة لا تُقاس فقط بما تنتجه من نصوص، بل بما تخلقه من ثقة وما تتركه من أثر في المجتمع. بهذه الآليات، تصبح نظرية التوقع إطاراً عملياً يعيد للصحافة توازنها المفقود ويحوّل التقييم من عبء إداري إلى محرك للإبداع والتحفيز.

الخاتمة

لن يرحم المستقبل الصحافة التي تكتفي بالارتجال أو الانطباعات، بل يفرض عليها أن تتعامل مع المهنة بجدية أكبر، وفق منهجيات علمية صارمة تعيد بناء الثقة وتضمن استمرارية الدور المجتمعي.

ليست نظرية التوقع مجرد إطار تنظيري، بل هي الأساس الذي يمكن أن يعيد للصحافة ألقها عبر ربط الجهد بالأداء والمكافأة في منظومة عادلة وشفافة. لكن هذا التحول لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى جهد حثيث وتدريب متواصل يشمل كل مستويات المسؤولية في العمل الصحفي، من الصحفي المبتدئ إلى رئيس التحرير وصانع القرار. وحدها المؤسسات التي تستثمر في هذا النهج العلمي، وتحوّله إلى ممارسة يومية، ستتمكن من بناء صحافة ذكية، مؤثرة، وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وصلابة.

#سفيربرس _ بقلم : الإعلامي حسين الإبراهيم

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *