“الخوارزميات تكتب… ونحن نراجع: من سرق مهنة الصحافة؟”.. بقلم :حسين الإبراهيم
#سفيربرس

• كيف تحولت الأدوات إلى مصانع محتوى آلية؟
• هل يفقد الصحفي دوره كصانع معنى وحيد، وأين يكمن الخطر على الثقة الإعلامية؟
• ما الثمن الذي تدفعه الصحافة للوصول الى الكفاءة التنافسية؟
• هل ننتقل من عصر الحدث إلى عصر الاحتمالية؟.

يواجه الإعلام اليوم تحولاً جذرياً تتجاوز فيه الخوارزميات دورها التوزيعي الأولي لتصبح منتجة للمحتوى الإخباري بشكل كامل، مما يهدد بإلغاء تفرد الصحفي في صياغة السرد الإعلامي. بدأ الأمر بأتمتة النشر على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب، حيث ترتب الخوارزميات المنشورات بناءً على تفاعلات المستخدمين، لكن اليوم تنتج هذه الخوارزميات نصوصاً سردية كاملة من قواعد بيانات ضخمة دون الحاجة إلى حدث ميداني موثق أو شهادة بشرية مباشرة.
هذا التحول ينقل “المعنى” من واقع موضوعي إلى حساب احتمالي يعتمد على أنماط البيانات، فلم تعد الأخبار انعكاساً للواقع بل توقعاً إحصائياً يمكن تعديله بضغطة زر.
الإشكالية المركزية هنا: هل يصبح الصحفي مجرد مدقق آلي، أم يختفي تماماً أمام فيضان المحتوى الآلي؟ هذا الاشتباك ليس نظرياً؛ إنه واقع يطرحه تقرير “رادار” البريطاني، حيث تحولت أسابيع التحليل الصحفي إلى ساعات آلية، لكنه يطالب بمهارات بشرية لاستخراج القصص الحقيقية من الضجيج.
المشكلة تكمن في فقدان السيطرة على “سلطة الحدث”، كما يصفها خبراء الصحافة، حيث تتحول الخوارزميات من أداة مساعدة إلى صانعة قرارات تحدد ما يراه الجمهور.
في عصر الخوارزميات، لم يعد الصحفي يبحث عن الحقيقة؛ بل يراجع ما أنتجته الآلة، مما يثير تساؤلاً أعمق: هل يعدّ هذا تقدماً أم تآكلاً للدور الإعلامي؟
من المنهج الصحفي إلى المنطق الخوارزمي
المنهج الصحفي التقليدي
كان الصحفي مركز العملية الإعلامية، فهو الذي يختار الحدث ويتحقق من المعلومات ويضعها في سياقها ويصوغ سردية تساعد الجمهور على فهم العالم وكانت المعايير المهنية: الدقة، التوازن، والمسؤولية هي البوصلة.
المنطق الخوارزمي
اليوم، المحتوى يُنتج ويُرتّب وفق منطق مختلف يعتمد على نماذج تنبؤية وتوصيات شخصية واقتصاد الانتباه ومقاييس التفاعل
الخوارزمية لا تسأل: ما المهم؟ بل تسأل: ما الذي سيجلب تفاعلاً أعلى؟
تحيز التفضيل: الجمهور كمحرر أعلى
تعمل الخوارزميات وفق تحيز بنيوي ثابت يمكن تسميته تحيز التفضيل. هذا التحيز لا ينطلق من قيمة الخبر أو ضرورته العامة، بل من سلوك المستخدم ورغباته اللحظية. الخوارزمية لا تبحث عن المحتوى الأكثر أهمية، بل عن المحتوى الأكثر قابلية للاستهلاك. هي لا تضخّم ما يضيف معرفة، بل ما يضمن بقاء المستخدم أطول داخل المنصة.
ينتج هذا التحيز سلسلة من التأثيرات المتراكمة:
• تضخيم الانفعال: المحتوى الذي يثير الغضب أو الصدمة أو الفضول يحصل على دفعة فورية، لأنه يحفّز التفاعل.
• تعزيز الفقاعات: كل مستخدم يُغذّى بما يشبهه، فيتحول إلى جزيرة معرفية معزولة، يرى العالم من نافذة واحدة فقط.
• إقصاء المحتوى التحليلي: النصوص العميقة، البطيئة، المعقدة، تُعتبر عبئاً على منطق المنصة، فتُهمّش لصالح محتوى سريع وسهل الهضم.
• دفع المستخدم نحو التطرف في الاهتمامات: كل تفاعل صغير يتحول إلى مؤشر، وكل مؤشر يتحول إلى توصية، وكل توصية تدفع المستخدم خطوة إضافية نحو محتوى أكثر حدة، وأكثر إثارة، وأكثر تطرفاً.
بهذا المسار، تتحول الخوارزمية إلى محرر أعلى، ليس لأنه يمتلك رؤية تحريرية، بل لأنه يتحكم في البنية التحتية للظهور. يقرر ما يُرفع إلى السطح وما يُدفن في القاع. يحدد ما يبدو “شائعاً” وما يبدو “غير مهم”. إنه محرر بلا قيم، بلا سياق، بلا مسؤولية، لكنه يمتلك سلطة لم يمتلكها أي محرر بشري في تاريخ الإعلام: سلطة تشكيل ما يراه كل فرد، لحظة بلحظة، وفق معادلة واحدة لا تتغير: ما يفضله المستخدم، لا ما يحتاجه المجتمع.
من عصر الحدث إلى عصر الاحتمالية
يقوم النموذج التقليدي في الصحافة على الحدث بوصفه نقطة الانطلاق. كان الخبر يبدأ من واقعة ميدانية، من شهادة بشرية، من شيء حدث فعلاً في العالم ثم انتقل إلى غرفة الأخبار ليُصاغ ويُفسَّر ويُقدَّم للجمهور. كانت الحقيقة مرتبطة بما وقع، وكانت مهمة الصحفي أن يقترب من هذا الوقوع قدر الإمكان.
لكن النموذج الخوارزمي يعمل بمنطق مختلف تماماً: منطق الاحتمال. الخوارزمية لا تنتظر الحدث، ولا تحتاج إلى سياق ميداني، ولا تعتمد على تسلسل زمني. هي تعمل على أساس أنماط البيانات، وتبني توقعات حول ما يمكن أن يثير التفاعل، وما قد يجذب الانتباه، وما يحتمل أن يحقق أعلى معدلات النقر والمشاهدة. وهكذا، يتحول الخبر من كونه انعكاساً لواقع موضوعي إلى كونه توقعاً إحصائياً مبنياً على احتمالات السلوك البشري.
في هذا النموذج، يصبح المعنى نفسه مادة مرنة قابلة للتعديل. النص يمكن إعادة صياغته في أي لحظة بناءً على تغيرات بسيطة في سلوك الجمهور. العنوان يمكن تغييره عشرات المرات في اليوم. الأولوية التحريرية لم تعد ثابتة، بل تتحرك وفق منحنيات التفاعل. حتى تعريف “الخبر” لم يعد مرتبطاً بما حدث، بل بما يمكن أن يثير اهتمام المستخدم.
ومع هذا التحول، تتلاشى الحدود بين الخبر والرأي والتوقع. الخبر قد يتضمن توقعات، والتوقع قد يُقدَّم كخبر، والرأي قد يُضخَّم حتى يبدو وكأنه حقيقة. الخوارزمية لا تميّز بين هذه الفئات، لأنها لا تعمل وفق قيم تحريرية، بل وفق معادلات احتمالية. النتيجة هي فضاء إعلامي ضبابي، تتداخل فيه الطبقات السردية، ويصبح فيه من الصعب على الجمهور أن يعرف أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الاحتمال.
هذا الانتقال من الحدث إلى الاحتمال لا يغيّر شكل الأخبار فقط، بل يغيّر وظيفة الإعلام نفسها. فالصحافة التي كانت تهدف إلى تفسير العالم أصبحت، في النموذج الخوارزمي، تهدف إلى توقع سلوك الجمهور. وهنا يكمن جوهر التحول: لم يعد الإعلام يلاحق الحقيقة، بل يلاحق الاحتمال الأكثر ربحية.
العمق: المعطيات الرقمية والقيود
تكشف الأرقام سرعة هذا التحول بشكل مذهل. ففي عام 2025، شكل المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي 60% من المقالات الإخبارية عالمياً، مع توقعات بارتفاع إلى 80% بحلول 2030، خاصة في قطاعات الرياضة والطقس والأخبار المالية حيث تتفوق الآلة في السرعة. تستخدم 57% من شركات الإعلام الكبرى أدوات AI لأتمتة إنتاج المحتوى، بينما تخطط 45 % لتكامل كامل خلال خمس سنوات، مما يوفر ملايين الدولارات لكن على حساب آلاف الوظائف الصحفية. على منصات التواصل، تتحكم الخوارزميات بـ 90% من ترتيب المحتوى، معززة التحيزات الاجتماعية عبر نماذج تفضيلات المستخدمين، كما في حالة فيسبوك حيث يصل 70% من التفاعلات إلى محتوى “مفضل” آلياً.
هذه المعطيات تفتح أبواب النقاش: الكفاءة مذهلة، لكن القيود واضحة – التحيز الخوارزمي يعزز التمييز العنصري أو السياسي، كما في نماذج IBM التي تكشف عن 40% من الحالات المعرضة للتحيز. تشمل المخاطر تآكل الثقة العامة، حيث يفقد الجمهور التمييز بين الخبر الحقيقي والمولد، مع مفاضلات واضحة: السرعة مقابل الدقة، والكمية مقابل الجودة.
المعالجة التحليلية: مقارنات حية بين النماذج
يقارن النموذج التقليدي بالخوارزمي كالتالي:

هذه المقارنة الحية تبرز الانتقال من مركزية الحدث إلى مركزية البيانات، حيث تتفوق الخوارزميات في السرعة لكنها تفشل في التعقيدات الأخلاقية.
مثال: في تغطية الانتخابات الأمريكية 2024، أنتجت AI آلاف التقارير في دقائق، لكن 15% منها احتوت تحيزات سياسية لم تكتشف إلا بعد النشر.
تجارب تلامس الواقع
تخيل صحفياً في غرفة أخبار عربية مزدحمة، يراجع نصاً خوارزمياً عن أزمة اقتصادية إقليمية: النص مثالي في الصياغة، لكنه يتجاهل سياقاً محلياً حاسماً، فتضطر إلى تعديله يدوياً وسط ضغط المنصات. هذه تجربة عشتها شخصياً وهي تعكس الحدث اليومي، حيث أصبح الصحفي “محرراً آلياً” لا صانعاً أولياً.
عالمياً، يقول تقرير ARIJ: “الخوارزميات تحول الصحافة إلى هندسة تفضيلات، لكنها تحتاج الصحفي لاستخراج القيمة الحقيقية”. آخرون مثل خبراء IBM يحذرون: “التحيز الخوارزمي ليس خطأً تقنياً، بل انعكاساً لتحيزات البيانات البشرية”.
هذا السرد يمزج الشخصي بالعالمي، يثير السؤال: هل نكتفي بالمراجعة، أم نعيد صياغة دورنا كمهندسين للآلة؟
المخرجات: حلول ومداخل استراتيجية
لا تقدم الخوارزميات العالم كما هو، بل كما يفضله كل فرد. تكون النتيجة: يعيش كل مستخدم داخل نسخته الخاصة من الواقع، وتتفتت الحقيقة المشتركة ويتآكل المجال العام ويصبح الحوار الاجتماعي مستحيلاً
وهكذا نكون أمام إعلام ينتج عوالم متوازية لا معرفة مشتركة.
ليس المطلوب رفض التقنية، بل إعادة بناء نموذج قادر على الصمود. وبالتالي استعادة المنهج عبر التحقق والسياق والعمق والمسؤولية
هنا لايكون الصحفي مجرد “منتج محتوى”، بل مهندس معنى: يوازن بين القيمة والتفاعل ويستخدم البيانات دون أن يخضع لها ويكشف تحيزات الخوارزميات ويبني ثقة طويلة المدى
المطلوب إذن…
الآن: تدريب الصحفيين فوراً على أدوات التحقق من المحتوى الخوارزمي، مثل نماذج ARIJ التي تكشف التحيزات بنسبة 90% دقة، كأولوية للحفاظ على الجودة.
قريب المدى: تطوير نماذج هجينة تجمع AI بالإشراف البشري، مع تطوير خوارزميات شفافة تكشف مصادر البيانات، لتقليل التحيزات وتعزيز الثقة.
لاحقاً: إعادة تنظيم الإعلام عبر قوانين إلزامية تضمن الشفافية، كما في استراتيجيات الاتحاد الأوروبي لـ AI، مع دعم تدريبي لـ100 ألف صحفي بحلول 2030.
ختاماً… هذه المداخل تحول التهديد إلى فرصة، مع التوازن بين الكفاءة والأخلاق، فالصحافة ليست مجرد محتوى، بل صوت الإنسان في عالم الآلات.
هل تصنع الخوارزميات الصحفي؟ أم يصنع الصحفي الخوارزميات؟ أم أن العلاقة الدائرية يجب كسرها بنموذج إعلامي جديد؟
المستقبل لن يُكتب بالبيانات وحدها، بل بمن يملك شجاعة إعادة تعريف دور الإنسان في عصر الأتمتة. فالصحافة ليست محتوى، بل صوت الإنسان في عالم يتسارع نحو الخوارزميات.
#سفيربرس _بقلم : الإعلامي حسين الإبراهيم



