طوفان البوح”… حين تفيض اللغة بما لا يُحتمل للشاعرة السورية هويدا محمد مصطفى. بقلم : حسن غريب
#سفيربرس

ليست «طوفان البوح» لهويدا محمد مصطفى قصيدة تُقرأ بطمأنينة، بل نصٌّ يُقارب كما تُقارب النار: بحذر، وبانجذاب لا يُقاوَم. فالعنوان لا يفتح بابًا للاعتراف، بل يكسر السدّ من أوّل كلمة، ويترك اللغة تجري بلا حساب، كما لو أن البوح حين يبدأ لا يعرف كيف يتوقّف.
منذ السطر الأوّل، لا تسأل الشاعرة بقدر ما تُربك: «سألت الروح عن نبض قلبي… لست أدري».
إنها جملة تقف على الحافة، حيث المعرفة تتراجع خطوة، ويحلّ محلها الارتجاف. فالعشق، في هذا النص، لا يمنح اسمًا واضحًا، بل يربك الاتجاهات، ويجعل القلب كائنًا بلا بوصلة.
وحين يأتي العناق، لا يأتي بوصفه ملاذًا، بل كقوّة تذويب: «يأخذني بين ذراعيه كزهر السواقي».
الصورة ناعمة في ظاهرها، لكن تحتها ارتعاشة فناء. فالزهر، مهما بدا آمنًا، لا يعيش طويلًا في مجرى الماء.
وهكذا يبدو العشق هنا: احتواء يوشك أن يتحوّل إلى غرق، ودفء يحمل في أعماقه بذرة الزوال.
الماء يتكرّر في القصيدة، لكنّه ليس ماء الطهارة، بل ماء التيه: «يغرقني هواك في بحر الأماني».
الغرق ليس حادثًا، بل اختيارًا.
وكأن الذات لا تريد النجاة، بل الذوبان الكامل، كأن الخلاص الوحيد هو أن تُمحى الحدود بينها وبين من تحب.
وفي قلب هذا الفيضان، يقف الصمت.
لا بوصفه فراغًا، بل بوصفه توقيعًا داخليًا: «وافقت من صمت احتراق مشاعري».
الصمت هنا أعلى من الصراخ، لأنّه موافقة بلا شروط، تسليم كامل للنار، دون احتجاج، دون طلب نجاة.
لغة القصيدة لا تصرخ، بل تهمس من شدّة الاحتراق. فهي لا تعتمد على الصور الصادمة، بل على الانزياحات الرقيقة التي تُربك الحسّ: «تسافر بأحداقي»،
«أقرأ ندى الحزن بكف أقداري».
إنها لغة تحرّك الحواس من أماكنها، وتجعل الشعور هو القارئ الحقيقي للنص، لا العقل وحده.
ومع اقتراب النهاية، يطلّ الغياب ككائن ثقيل الظل، قادر على طيّ كل شيء: «لا تجعل الغياب يطوي الأماني».
هنا يصبح الغياب أكثر فتكًا من الفقد، لأنه لا يسرق المحبوب فقط، بل يسرق الرغبة في القول. لذلك تستنجد الشاعرة بالشوق، لا بوصفه ألمًا، بل بوصفه آخر عطرٍ يمكن أن يحفظ الروح من التلاشي.
لا تنتهي «طوفان البوح» إلى يقين، ولا تمنحنا وعدًا بالسلام.
إنها تترك الباب مواربًا، وتترك القلب معلّقًا بين الاشتعال والرجاء.
قصيدة لا تقول إن العشق ينجّي، بل تقول إنه يعرّي، يربك، ويجعل اللغة نفسها على حافة الانهيار.
في هذا النص، لا تُكتب القصيدة عن الحب، بل يُكتب الحب عبر القصيدة.
وحين ينتهي البوح، لا يبقى سوى أثر الماء على الجدران… وأثر النار في الصوت.
“طوفان البوح”
سألت الروح عن نبض قلبي
إذا طاف به العشق …
لست ادري..
يناديني وبغمرة الشوق يضمني
يأخذني بين ذراعيه
كزهر السواقي
يغرقني هواك
في بحر الأماني
فبدت ملامحك
عالقة بقمصاني
قلت لي أنك
تسافر بأحداقي
وتقرأ ندى الحزن
بكف أقداري
لو تدري كم ودعت أشواقي
وافقت من صمت
احتراق مشاعري
ورحلت إليك
ألملم حلو أحلامي
وألقيت للنيران
بوح قصائدي
من وحي إلهامي
وصبابتي وتعبدي
بح صوت النشيد
حين كتبت عنواني
حتى بت أرى ظلي
الهارب يمضي لعناق
يعيد ترتيب
الفوضى بأجفاني
لاتجعل الغياب يطوي الأماني
ولاتخبر طيور الحنين عن المآقي
دع الشوق يعطر مهجة الروح
حين يمر طيفك ويسكن أهدابي
فكل الدروب حكايات وأماني
#سفيربرس _حسن غريب
ناقد شاعر



