إعلان
إعلان

القاصة والروائية هند يوسف خضر لسفيربرس : “الرواية تتيح للكاتب التعمق في التفاصيل الزمانية والمكانية”

#سفير برس _حوار: هويدا محمد مصطفى

إعلان

هند يوسف خضر، قاصة وروائية، تركت بصمتها في عالم الأدب، نسجت حروفها ببراعة، والتقطت الصور ووظّفتها لتفتح أبواب الضوء للمتلقي من خلال قصص مستوحاة من الواقع. فتناولت قضايا عديدة، وبحسٍ أنثوي استطاعت أن تُبحر لعوالم إبداعية. حين تقرأ حروفها، تدرك أنها تأخذك لدهشة متفردة لا تتوقف عن العطاء. وصدر للكاتبة: “رسائل نازفة” (مجموعة قصصية)، “مسافة أمان” (مجموعة قصصية)، “أرصفة التعب” (مجموعة قصصية)، و”أنين الرمل” (نصوص أدبية)، و”المنتظر” (رواية). سفير برس ” التقى الكاتبة والروائية السورية هند يوسف خضر، وكان لنا معها هذا الحوار:

*_ لكل كاتب لحظة تنوير أولى يكتشف من خلالها سطوة الحرف، فكيف كانت البداية في عالمك؟

**_كانت بدايتي مع الحرف بسيطة، أقرب إلى محاولة خجولة لفهم ما يدور في داخلي. في البداية، كتبت بعض النصوص، ولم أكن أرى نفسي سوى هاوية تبحث عن صوتها. لكن اللحظة الفارقة جاءت عندما بدأت العمل على مشروع حمل عنوان “رسائل نازفة”، وهو عملي الأدبي الأول الذي انطلقت منه فعلياً. حيث كتبت مجموعة رسائل ووضعتها ضمن إطار قصصي، محاولةً ترتيب هذا التدفق من الأفكار والمشاعر عبر نصوص مكتوبة. هنا أدركت سطوة الحرف، وأن الكتابة لم تكن مجرد محاولة، بل أصبحت حاجة لا يمكن تجاهلها.

*_ السرد القصصي يحتاج لأحداث كثيرة، هل الواقع أقرب إليك أم الخيال؟

**_بصفتي كاتبة، أحاول من خلال قصصي أن أنقل هموم الواقع ومشكلاته ضمن سرد قصصي متكامل، بحيث يسلط الضوء على قضاياه المعقدة ويقترب من طرحها بوعي وعمق. أسلوبي في الكتابة غالباً ينطلق من الواقع؛ فقد أستمع إلى بعض القصص أو أشاهدها، وأحياناً أكون على معرفة بأبطالها، ومن هنا تتشكل الفكرة الأساسية التي أبدأ ببنائها وتحويلها إلى نص سردي. مع ميولي للكتابة الواقعية، كان لي تجارب مع الخيال قدمتها على شكل نصوص أدبية في كتاب حمل عنوان “أنين الرمل”، لأن الكاتب لا يجب أن يكتفي بنمط واحد، بل يحاول استكشاف أكثر من جانب ليجد صوته الحقيقي. لكل من الكتابة الواقعية والخيالية خصوصيتها: الكتابة الواقعية تقرب القارئ من النص وتجعله يعيش تفاصيله وكأنه أحد أبطاله، بينما يمنح الخيال مساحة أوسع للتعبير، حيث تتجلى الرمزية والصور الأدبية والاستعارات والتشبيهات بلغة تحمل إحساساً مرهفاً.

*_هل على القاص أن يُدهش القارئ برأيك، وكيف يكون ذلك؟

**_نعم، إدهاش القارئ يُعد من أهم مهام القاص، من خلال أسلوب السرد الذي يعتمد على لغة بسيطة وواضحة لا ترهق القارئ ولا تدفعه للبحث عن المعاني في المعاجم، بل تتيح له التفاعل المباشر مع النص. كما يتحقق عنصر الدهشة عبر التشويق الذي يتخلل بنية السرد، من خلال الحبكة وتطور الأحداث بشكل مدروس، وصولاً إلى نهاية تليق بالفكرة وتكمل أثرها في ذهن القارئ.

*_هل تناولتِ المرأة في قصصك، وهل هناك مشهد في مخيلتك؟

**_نعم، تناولت في قصصي حضور المرأة بوصفها جزءاً أساسياً من الواقع الإنساني الذي أكتب عنه، سواء كانت محوراً مباشراً في الأحداث أو جزءاً من الخلفية التي تشكل العالم السردي. حاولت تقديمها كصوت وتجربة إنسانية تحمل أبعاداً متعددة. أود الإشارة إلى أن كتاباتي لم تقتصر على قضايا المرأة فقط، بل تناولت أيضاً قضايا تخص الرجل بصفته كائناً إنسانياً يحمل مشاعر لا تقل عمقاً، رغم ما يُنسب إليه من قوة وسلطة في اتخاذ القرار. وقد سعيت في المجموعتين القصصيتين “مسافة أمان” و”أرصفة التعب” إلى إنصاف هذه الجوانب وتسليط الضوء على معاناة قد لا تكون ظاهرة بالشكل الكافي. كتابتي لا تنطلق من مشهد واحد ثابت في مخيلتي، بل من حالات إنسانية متداخلة، من أبرزها حالة الفقر التي تبقى حاضرة في ذهني. لا أتعامل معها كحالة مادية فقط، بل كمنظومة من المشاعر والتفاصيل التي تنعكس على الإنسان وسلوكه ورؤيته للحياة. من خلال هذه الحالات تتشكل نصوصي تدريجياً، سواء استندت فيها إلى الواقع أو الخيال، وصولاً إلى بناء سردي يحاول الاقتراب من الإنسان بكل تعقيداته.

*_ كان لك تجربة الرواية، حدثينا عنها، وماذا تختلف عن القصة؟

**_كان لي مؤخراً تجربة مع الرواية، فقد بدأت بكتابة روايتي التي حملت عنوان “المنتظر” منذ ثلاث سنوات، وصدرت عام 2026. كانت تجربة شاقة، احتاجت إلى صبر كبير وجهد أكبر، منذ لحظة وضع الإطار العام للرواية وحتى الانتهاء من كتابتها. “المنتظر” هو عملي الأدبي الخامس، تناولت من خلاله موضوع الفقر والاضطهاد الاجتماعي الذي عانت منه البطلة “ماجدة”، بالإضافة إلى ثيمات الحب والوفاء في حياتها من حيث الشكل. أما من حيث المضمون، فالرواية تقوم على قلق السؤال حول مصير المرأة ومعاناتها مع الظروف المحيطة بها، إلى جانب طرح سؤال أعمق حول الحب في المجتمع الذكوري. وجاءت النهاية مفتوحة على عدة احتمالات، لتنتهي بسؤال قد يكون نهاية “المنتظر” أو بداية لجزء آخر. برأيي، الرواية تتيح للكاتب التعمق في التفاصيل الزمانية والمكانية، وخلق عوالم أكثر اتساعاً، على عكس القصة القصيرة التي تقوم على التكثيف والتركيز على فكرة واحدة أو لحظة محددة دون التوسع في التشعبات السردية. كلا الشكلين له أهميته في الكتابة، ولكل منهما أدواته الخاصة؛ فالرواية تعتمد على الامتداد والتفاصيل، بينما تقوم القصة على الاختزال والدهشة المكثفة.

*_ بما أنك خضتِ كل الأجناس الأدبية من نصوص أدبية وخواطر وقصص قصيرة ورواية، أين تجدين نفسك؟

**_في بداية مشواري الأدبي، كنت أجد نفسي في الحالة الكتابية بحد ذاتها أكثر من انتمائي إلى قالب أدبي محدد. وفيما بعد، شعرت أنني أميل إلى القصة القصيرة حيث وجدت فيها مساحة للتعبير. لكن التحول الأهم جاء بعد إنجاز الرواية، حيث وجدت فيها مساحة أوسع للتجربة. وفي قادم الأيام، أرغب أن أبذل جهداً مضاعفاً لأحقق من خلال الأعمال الروائية حضوري الأدبي.

*_النشر الإلكتروني، هل أثر على القارئ اليوم وأبعده عن الكتاب الورقي؟ من خلال تجربتك، ما رأيك؟

**_لا شك أن النشر الإلكتروني أحدث تغييراً كبيراً في علاقة القارئ بالكتاب، سواء من حيث سهولة الوصول إلى النصوص أو سرعة انتشارها. أصبح القارئ اليوم أكثر ارتباطاً بالمحتوى السريع والمباشر، وهذا قد يؤثر أحياناً على حضوره مع الكتاب الورقي الذي يحتاج إلى تركيز ووقت أطول. لكن في المقابل، أرى أن النشر لم يُبعد القارئ عن الكتاب بقدر ما غيّر شكل التلقي، وفتح مساحة أوسع للتعرف على كتاب جدد ونصوص متنوعة كانت أقل وصولاً في السابق. من خلال تجربتي، أعتقد أن العلاقة بين الكتاب والقارئ لم تنقطع بل تحولت؛ فهناك من مازال يبحث عن العمق في الكتاب الورقي، وهناك من يجد في النشر بوابة أولى للدخول إلى عالم القراءة. في النهاية، يبقى المحتوى الجيد هو العامل الأساسي في جذب القراء بغض النظر عن الوسيط.

*_ ما هي الأدوات التي يجب أن يمتلكها كاتب القصة والرواية؟ وهل من صعوبات واجهتك؟

**_يحتاج كاتب القصة والرواية إلى مجموعة من الأدوات المعرفية والفنية، من أبرزها: الخيال الخصب، واللغة المتمكنة، والقدرة على بناء خطة سردية متماسكة، إلى جانب مهارة الوصف والتجسيد التي تمكّن القارئ من التفاعل مع النص وكأنه أحد أبطاله. كما يُعد إدراك تقنيات الكتابة وعناصر القصة والالتزام بها أمراً أساسياً في بناء عمل أدبي متكامل. أما عن الصعوبات، فمن الطبيعي أن تكون البدايات مليئة بالتحديات، وقد واجهت ذلك في خطواتي الأولى، خاصة في محاولة ضبط اللغة وبناء النص بشكل متوازن. لكن مع الاستمرار والتجربة، أصبح الأمر أكثر نضجاً ووضوحاً.

*_هل لديك تجربة القصة القصيرة جداً؟ وما الفرق بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً؟

**_لم أخض تجربة كتابة القصة القصيرة جداً بشكل مباشر حتى الآن، لكنني مطلعة على هذا النوع ومدركة لخصوصيته واختلافه عن القصة القصيرة. القصة القصيرة جداً تقوم على التكثيف العالي والاقتصاد اللغوي الشديد، وتعتمد على لحظة خاطفة أو فكرة مركزة تُبنى عليها وتترك أثرها من خلال الإيحاء والدهشة السريعة. أما القصة القصيرة فتوفر مساحة أوسع لبناء الحدث وتطور الشخصيات، مع الحفاظ على عنصر التكثيف، لكنها أقل اختزالاً من القصة القصيرة جداً. لكل منهما جماله وأدواته الخاصة، وربما أخوض هذه التجربة مستقبلاً ضمن مساري الكتابي.

*_ هل تعرضتِ للنقد؟ وماذا يضيف النقد للعمل الإبداعي؟ وبرأيك، هل هناك نقد حقيقي؟

**_تعرضت لأشكال من الآراء النقدية حول أعمالي، وكانت في مجملها ملاحظات بناءة دون أن تكون جارحة، وهذا ما أقدره في مسيرتي. أرى أن النقد عنصر أساسي في تطوير العمل الإبداعي، لأنه يفتح أمام الكاتب زوايا جديدة لرؤية نصه، ويساعده على الانتباه لتفاصيل قد لا يلاحظها أثناء الكتابة. أعتقد أن النقد الحقيقي موجود، لكنه يحتاج إلى وعي وموضوعية، وأن يستند إلى قراءة عميقة للنص، بعيداً عن الأحكام السريعة أو الانطباعات السطحية. برأيي، يبقى النقد البناء هو ما يضيف للعمل الأدبي، لأنه يقوم على الفهم والتحليل وليس على التقليل والتجريح.

*_رواية “المنتظر”: حول ماذا تدور أحداثها؟ وهل للعنوان أثر على المتلقي؟

**_تدور أحداث الرواية حول معاناة إنسانية تتقاطع فيها قضايا الفقر والاضطهاد الاجتماعي في البيئة الساحلية، من خلال شخصية البطلة “ماجدة” التي تواجه ظروفاً قاسية تغيّر مسار حياتها. كما تناولت الرواية ثيمات الحب والوفاء، حيث يتجسد الوفاء بشكل رمزي من خلال الكلب “قنديل” الذي يحضر كعنصر دلالي يعكس المعنى الإنساني في سياق الأحداث، ويُظهر الوفاء بأعلى قيمة له. أما العنوان، فأرى أن له تأثيراً مهماً في جذب المتلقي، لأنه يشكل العتبة الأولى للعمل، ويحمل دلالة مفتوحة تثير فضول القارئ. وعنوان “المنتظر” تحديداً يترك مساحة للتأويل، ويدفع القارئ للتساؤل: عما الذي يُنتَظر؟ هل هو حدث أم شخص أم تحول ما داخل الشخصية؟ وهذا ما حاولت القيام به كي يوازي مسار الرواية ونهايتها المفتوحة على احتمالات متعددة، كما ذكرت سابقاً.

*_ما القصة التي تعيش بذاكرتك؟ وهل من أعمال جديدة؟

**_كتبت الكثير من القصص، ولكن هناك قصة تعيش بذاكرتي وأعود لقراءتها من مدة لأخرى، حتى أنها تبكيني، عنوانها “آخر ظهور” من مجموعتي القصصية الرابعة “أرصفة التعب”، لما تحمله من أثر إنساني عميق. وتقوم فكرتها على “ذلك الحاضر الغائب”، حيث يبقى آخر ظهور باسم شخص رحل إلى العالم الآخر، وكأن هذا الأثر البسيط يعيد إحياء الذاكرة والألم في كل مرة نراه، فنعود إلى تفاصيل الأحداث التي كانت بيننا، ونعيش لحظة الفقد من جديد. أما عن الأعمال الجديدة، فأعمل حالياً على فكرة استكمال رواية “المنتظر” بجزء ثانٍ، محاولةً فتح مسارات جديدة للأحداث وتعميق التساؤلات التي طرحتها في الجزء الأول.

*_ ما الذي تريدين إيصاله إلى القارئ من خلال رسالتك الأدبية؟

**_أحاول أن أترك أثراً إنسانياً صادقاً، وأن أصل إلى القارئ من خلال فكرة أو إحساس يلامس شعوراً ما في داخله. كما أنني لا أسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة، بقدر ما أحاول أن أطرح تساؤلات تبقى في ذهنه بعد انتهاء النص.

#سفير برس _حوار: هويدا محمد مصطفى

من لس

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *