قراءة نقدية في ديوان “رأيت يافا مرتين” لسامي عوض الله (البيتجالي)
#سفير برس - هويدا محمد مصطفى

يافا بين الحلم والرؤيا: تشظي الذات واستنطاق المكان
يأتي ديوان “رأيت يافا مرتين” في سياق الشعر الفلسطيني المعاصر الذي يؤسس لعلاقة جدلية بين الذات الشاعرة والوطن المسلوب. يمتد الديوان على أكثر من مئة وستين صفحة، ويضم أربعة وخمسين نصاً شعرياً متنوع المقاطع والأوزان، تسبقها مقدمة نقدية وافية للكاتب فرحان الخطيب، حيث قدم قراءة نقدية انطباعية تمجّد العمل وتبرز قيمته الوطنية والشعرية، إذ كتب أنه شعر طافح بالمشاعر الصادقة، يعبّر عن الحنين والشوق والاغتراب، ويجمع بين العاطفة الجياشة والانتماء العميق لفلسطين.
الديوان بكامله يدور حول فلسطين، من يافا إلى بيت جالا والقدس، ويعكس الهوية العربية رغم الاحتلال والغربة. ويستشهد الخطيب بعدة مقاطع شعرية، مثل صورة الطفولة عند الباب، والحوار مع المكان، وذكر الأب الذي مات وهو يحلم بفلسطين، ليتناول اللغة والأسلوب وتنوّع الموسيقى الشعرية بين التفعيلة والشطرين، وأهمية الدور الوطني في الديوان.
ومن خلال قراءتي للديوان “رأيت يافا مرتين”، حيث يميز البنية الكلية للديوان أنه لا يقدم نفسه كمجمّع قصائدي تقليدي، بل بوصفه سيرة ذاتية شعرية من تجربة الاغتراب بوصفها جرحاً مفتوحاً، ومن الذاكرة بوصفها ملجأ وجودياً. يمكن تقسيم الديوان موضوعياً إلى دوائر متداخلة:
· دائرة الطفولة والذكريات الأولى (أرض الحكاية، هجران، تشرين في ذاكرتي).
· دائرة الغربة والعذاب النفسي (في المطار، غريب، مهاجر).
· دائرة استدعاء الأمكنة (المكان، عشق قديم، ذكرى مكان لم يعد).
· دائرة الحلم بالعودة والرؤيا المستقبلية (رأيت يافا مرتين، أرى حدوداً غير هذه الحدود).
· دائرة الأب والأسرة (بين الغياب والحضور، كتابة على قبر أبي).
استطاع الشاعر أن يقدم تقنيات التشكيل الشعري من خلال استراتيجية الرؤية والمشاهدة، حيث يتكرر فعل “رأيت” في الديوان بوصفه محوراً مركزياً، ليس فقط في العنوان الجامع، بل في تشكيل بنية النصوص الداخلية. الشاعر لا يحكي فلسطين، بل يراها، وهذه الرؤية تتخذ أشكالاً متعددة:
الرؤية الحلمية: حيث يختلط الزمن بالرؤية (“هل كنت قبل ولادتي بالأمس حياً؟”).
الرؤية الاستحضارية: حيث تُستدعى الأمكنة بقوة الذاكرة (“ويحضرني جبل الكرمل، بحر يافا”).
· الرؤية البنيوية: حيث يتجاوز الشاعر واقعه من خلال النظر إلى مستقبل متخيل (“أرى خارطة جديدة، عالماً جديداً”).
ويؤسس الشاعر لعلاقة جدلية مع ذاته من خلال صيغة السؤال الوجودي: “هل افترقنا يا أنا؟”، مما يخلق حالة من التشظي والانقسام تعبّر عن مأزق الفلسطيني في الشتات: أنا هنا بجسدي، وهناك بروحي وذاكرتي.
ويلجأ الشاعر إلى توظيف الأسطورة والموروث الديني بوصفه إطاراً لفهم المأساة الفلسطينية:
المسيح والصلب (“يا سيد الألم العظيم”).
أيوب والابتلاء (“في المطار: وربما أصير أيوب الجديد”).
آدم والهبوط (“إيمان: وأُخرجت منها كآدم حياً”).
· الفينيق والبعث (“أرى حدوداً غير هذه الحدود”).
ويعتمد الشاعر على تعدد الأصوات والأقنعة في ديوانه من خلال حوارات متعددة مع المكان والوطن. وقد تميز الديوان بسلاسة اللغة وقربها من المتلقي، حيث ابتعد الشاعر عن التعقيد اللفظي والتكلف، فجاءت لغته أنيسة قريبة من السمع، قادرة على حمل العاطفة الجياشة دون أن تثقل على المتلقي.
وصور شعرية مكثفة: نجد أن الشاعر خلق صوراً مؤثرة مثل:
“أرى مقعداً يجلس فيه الفراغ”.
“تستلقي على ذراعها مدرسة صغيرة”.
· “صنوبري يسير كالأشباح في مقبرة”.
وجعل الشاعر لغته تتناوب بين السردي والوصف والغنائية، فلم يلتزم الشاعر بنمط واحد، بل انتقل بمرونة بين الحكي (قصة الأب والبرتقالة)، والوصف (تفاصيل القرية المنسية)، والغنائية العاطفية (قصائد الحنين والغربة).
ونجد المباشرة في بعض المواضع، كما أشار الناقد فرحان الخطيب نفسه إلى أن “بعض المباشرة التي رافقت السرد الشعري” كانت موجودة، ويمكن القول إن هذه المباشرة أتت أحياناً على حساب الإيحاء والتكثيف.
“بين الغياب والحضور” – قصيدة الأب والبرتقالة
تعد هذه القصيدة من أكثر نصوص الديوان إنجازاً فنياً، حيث تتداخل فيها الذاكرة الفردية والجماعية. صورة الأب الذي “سقطت من يده برتقالة” ثم مات، تحمل من الإيحاءات ما يجعلها أيقونة شعريّة للحظة السقوط الفلسطيني. ومقابلتها بوقوف الشاعر وابنته على سور عكا، ثم ردّ الابنة الواقعي: “كن حاضراً… لن يرجع الميتون”، يخلق توتراً درامياً عالياً.
“رأيت يافا مرتين” – قصيدة العنوان
حيث يقول الشاعر:
هل كنت قبل ولادتي
بالأمس حيّا
في عالم ماض
وهل سأعود من موتي الغداة
لعالم آت
حراً من الذكرى ومنسيا؟
هل كنت حقاً
غارقاً في الحلم
حيث رأيت أمي تمتطي فرساً
وكان أبي وقد زفت إليه
فتى قوياً؟
مُرّا عليّا
وقد جلست على الندى
فتساءلت أمي: (من الولد الغريب؟)
ولم يجبها
ثم عاد إليّ يبكي
وهو يعصر برتقالاً
يشرب الغرباء منه
وكنت في الميناء.
تتميز القصيدة بالغموض المحكم والتساؤلات الوجودية حول الولادة والموت والبعث، وتُظهر قدرة الشاعر على المزج بين الخاص (قصة الأم والأب) والعام (قضية فلسطين).
يعيش الشاعر في حالة تراوح دائم بين الحلم (حيث يستعيد الوطن) والواقع (حيث يدرك أنه غريب). هذه الإشكالية تولد لديه رغبة في الموت الرمزي لكي يبعث في الوطن:
“أنا لا أريد بأن أموت لأشهد البعث الجديد… أرى صليبي مصعدي لا مصرعي.”
ويواجه الشاعر مشروع محو الهوية باللغة، كما في قصيدة “بقاء”:
“لن تقتلوا لغتي… إن تقطعوا ساقي فإنّي شجرة البانيان.”
ويتردد في الديوان حضور الأب بوصفه رمزاً للجذور والتقاليد، لكن الشاعر يعلن رفضه أن يكون نسخة من أبيه:
“لن أرتدي حذاءه… أريد أن أكون ما أريد أن أكون.”
هذا يؤسس لصراع محمود بين الانتماء (الذي يفرضه الدم والذاكرة) والحرية (التي يتطلبها العيش في المنفى والاندماج بالآخر).
وفي الختام ديوان “رأيت يافا مرتين” يُعد إضافة نوعية للشعر الفلسطيني المعاصر، لا لأنه يقدم رؤى جديدة حول القضية، بل بقدر ما ينجح في تحويل التجربة الفلسطينية من قضية سياسية إلى مأساة وجودية إنسانية. قوة الديوان تكمن في صدق العاطفة النابعة من تجربة حقيقية للاغتراب والفقد.
يقدم الشاعر سامي عوض الله (البيتجالي) في هذا الديوان سيرة مكان وذاكرة جريحة، يستحق أن يُقرأ بوصفه شهادة شعرية على أن فلسطين ليست مجرد أرض، بل حالة وجودية لا تموت، تماماً كما يكتب في قصيدته الأخيرة:
“لا يكذب الشعراء حين يكذبون… بل يوغلون في الخيال والرؤى ويصدقون.”
#سفير برس – هويدا محمد مصطفى




