إعلان
إعلان

سيكولوجية الطفل والتعامل معه في سن المراهقة. بقلم : د.هلا شيخ شوك

#سفيربرس

إعلان

تُعدّ مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية في النمو النفسي؛ فهي ليست مجرد انتقال من الطفولة إلى الشباب، وإنما مرحلة يعاد فيها تشكيل كثير من جوانب الشخصية، والهوية، والاستقلالية، والعلاقات الاجتماعية والانفعالية. وفي هذه المرحلة قد يبدو المراهق أحيانًا متناقضًا: يريد الاستقلال لكنه يحتاج إلى الأمان، يرفض النصيحة لكنه يبحث عن التقدير، ويبدو قويًا في بعض المواقف بينما يكون شديد الحساسية تجاه الرفض أو النقد.
لذلك فإن فهم سيكولوجية الطفل في مرحلة المراهقة يساعد الوالدين والمربين على التعامل معه بطريقة أكثر وعيًا، بعيدًا عن الصدام المستمر أو القسوة أو الإهمال.
أولًا: ما المقصود بسيكولوجية المراهق؟
سيكولوجية المراهق هي دراسة التغيرات النفسية والانفعالية والاجتماعية والمعرفية التي تحدث خلال هذه المرحلة العمرية، وكيف تؤثر في طريقة تفكيره ومشاعره وسلوكه وعلاقاته بالآخرين.
والمراهق لا يتصرف دائمًا بالطريقة التي يتوقعها منه الكبار؛ لأن قدرته على التفكير واتخاذ القرار تتطور تدريجيًا، بينما تكون الانفعالات والرغبة في التجربة والاستقلال قوية.
ولهذا فإن بعض السلوكيات التي يراها الأهل “عنادًا” قد تكون في الحقيقة محاولة لإثبات الذات، وبعض العزلة قد تكون حاجة مؤقتة إلى الخصوصية، وبعض الحساسية للنقد قد ترتبط بصورة الذات التي تتشكل لديه.
ثانيًا: أهم التغيرات النفسية في مرحلة المراهقة
1. البحث عن الهوية
من أهم أسئلة المراهق الداخلية:
من أنا؟
ماذا أريد؟
كيف يراني الآخرون؟
ما الذي يميزني؟
ماذا أريد أن أصبح في المستقبل؟
لذلك يبدأ المراهق بتجربة أفكار واهتمامات وأنماط مختلفة، وقد يغير رأيه أكثر من مرة.
وهنا يحتاج إلى مساحة آمنة لاكتشاف ذاته، مع وجود حدود أسرية واضحة.
2. الحاجة إلى الاستقلال
من الطبيعي أن يرغب المراهق في اتخاذ بعض قراراته بنفسه، مثل اختيار ملابسه، أصدقائه، هواياته، طريقة تنظيم وقته وبعض اهتماماته.
لكن الاستقلال لا يعني تركه بلا توجيه.
الأفضل هو الانتقال تدريجيًا من التحكم الكامل إلى المشاركة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
3. الحساسية تجاه النقد
قد يتأثر المراهق بكلمة صغيرة أكثر مما يتوقع الوالدان، خصوصًا إذا جاءت أمام الآخرين.
عبارات مثل:
“أنت فاشل.”
“أنت لا تفهم.”
“انظر إلى أخيك.”
“لن تصبح شيئًا.”
لا تعالج السلوك، بل قد تترك أثرًا في تقدير الذات.
والأفضل أن يكون النقد موجهًا إلى السلوك وليس إلى شخصية المراهق، مثل:
“هذا التصرف يحتاج إلى تعديل، وأنا أعرف أنك تستطيع أن تتصرف بطريقة أفضل.”
4. تأثير الأصدقاء
تزداد أهمية جماعة الأصدقاء خلال المراهقة، وقد يصبح قبول الأصدقاء مصدرًا مهمًا لتقدير الذات.
ولهذا قد يوافق المراهق أحيانًا على سلوك لا يقتنع به تمامًا خوفًا من الرفض الاجتماعي.
لذلك من المهم ألا تتحول مراقبة الأصدقاء إلى تحقيق واستجواب، بل أن يتعرف الأهل إلى دائرة علاقاته بطريقة طبيعية، وأن يبنوا مع أبنائهم قدرة على قول “لا” واتخاذ القرار المستقل.
ثالثًا: لماذا يكثر الصدام بين المراهق ووالديه؟
الصدام لا يحدث دائمًا لأن المراهق “سيئ” أو لأن الوالدين “لا يفهمانه”، وإنما قد يكون نتيجة اختلاف الاحتياجات.
فالوالدان يبحثان عن الأمان والانضباط، بينما يبحث المراهق عن الحرية والاستقلال.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى التوازن بين الحرية والحدود.
فالحرية المطلقة قد تعرض المراهق للمخاطر، والسيطرة المطلقة قد تدفعه إلى الكذب أو التمرد أو إخفاء حياته عن أسرته.
رابعًا: كيف نتعامل مع المراهق بطريقة صحيحة؟
1. استمع قبل أن تحكم
عندما يتحدث المراهق عن مشكلة، لا تبدأ مباشرة بالمحاضرة.
اسأله:
“ماذا حدث؟”
“كيف شعرت؟”
“ماذا تعتقد أنك تستطيع أن تفعل؟”
الاستماع لا يعني الموافقة على كل شيء، لكنه يعني احترام مشاعره وفهم وجهة نظره.
2. لا تقلل من مشاعره
بالنسبة للبالغ قد تبدو مشكلة المراهق بسيطة، لكنها قد تكون كبيرة جدًا من منظوره.
بدلًا من:
“هذه ليست مشكلة.”
قل:
“أفهم أن الأمر ضايقك، دعنا نفكر معًا في كيفية التعامل معه.”
بهذه الطريقة يتعلم أن مشاعره مسموعة دون أن يصبح أسيرًا لها.
3. ضع حدودًا واضحة
المراهق يحتاج إلى حدود، لكن الحدود يجب أن تكون:
واضحة.
ثابتة.
مناسبة للعمر.
قابلة للنقاش عندما يكون ذلك ممكنًا.
مرتبطة بالمسؤولية وليس بالعقاب الانتقامي.
على سبيل المثال، بدلًا من العقوبات العشوائية يمكن الاتفاق على قواعد واضحة تتعلق بالنوم، والدراسة، والهاتف، والخروج، والالتزامات المنزلية.
4. أعطه خيارات
من المفيد أن يشعر المراهق بأن له دورًا في حياته.
مثلًا:
“هل تفضل أن تدرس قبل العشاء أم بعده؟”
“هل تريد أن نضع جدولك معًا؟”
هذا النوع من الخيارات يعزز الاستقلالية مع الحفاظ على الإطار الأسري.
5. احترم خصوصيته
الخصوصية حاجة طبيعية في هذه المرحلة، لكنها ليست حقًا في إخفاء الأمور الخطرة.
يمكن احترام خصوصيته في مذكراته وأفكاره ومساحته الشخصية، مع الحفاظ على المتابعة الأبوية عندما توجد مؤشرات حقيقية على خطر أو استغلال أو إيذاء أو سلوك شديد الخطورة.
6. لا تستخدم المقارنة
المقارنة من أكثر الأساليب التي تضعف الثقة بالنفس.
لا تقل:
“أختك أفضل منك.”
أو:
“صديقك يدرس أكثر منك.”
بل قارن المراهق بنفسه:
“أنت تحسنت في هذا الجانب، ونريد أن نساعدك على تطوير الجانب الآخر.”
خامسًا: التعامل مع الغضب والعناد
الغضب في المراهقة قد يكون وسيلة للتعبير عن مشاعر أعمق، مثل الإحباط أو الشعور بعدم الفهم أو الخوف أو الإحراج.
عندما يكون المراهق غاضبًا، فإن الدخول معه في صراع أثناء ذروة الانفعال غالبًا لا يؤدي إلى نتيجة جيدة.
الأفضل:
المحافظة على الهدوء.
إعطاؤه وقتًا قصيرًا للتهدئة.
عدم استخدام الإهانة أو التهديد.
العودة للحوار بعد انخفاض الانفعال.
مناقشة السلوك والنتائج بدلًا من مهاجمة الشخصية.
ويمكن القول:
“أنا مستعدة لسماعك، لكننا سنتحدث عندما نهدأ ونستطيع احترام بعضنا.”
سادسًا: المراهق والهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي
أصبحت البيئة الرقمية جزءًا أساسيًا من حياة المراهقين، ولذلك فإن المنع المطلق قد لا يكون الحل الأفضل في كل الحالات.
الأفضل هو بناء ثقافة الاستخدام المسؤول من خلال:
وضع قواعد واضحة لاستخدام الهاتف.
تنظيم وقت الشاشة.
التوعية بالخصوصية الرقمية.
الحديث عن التنمر الإلكتروني.
تعليم المراهق عدم مشاركة الصور أو المعلومات الشخصية بطريقة تعرضه للخطر.
تشجيعه على التفكير النقدي تجاه المحتوى الذي يشاهده.
المحافظة على نشاطات واقعية خارج العالم الرقمي.
والأهم أن يكون الحوار مفتوحًا حتى يستطيع المراهق طلب المساعدة إذا تعرض لمشكلة عبر الإنترنت.
سابعًا: كيف نبني علاقة آمنة مع المراهق؟
العلاقة الآمنة لا تعني أن يكون الوالدان صديقين للمراهق فقط، بل أن يكونا مصدرًا للأمان والتوجيه والاحتواء.
ومن أهم عناصرها:
الحب غير المشروط:
أن يعرف المراهق أن خطأه لا يعني فقدان حب أسرته.
الاحترام:
احترام شخصيته ورأيه، حتى عند الاختلاف معه.
الثبات:
أن تكون القواعد واضحة وألا تتغير وفق مزاج الوالدين.
الحوار:
فتح مساحة يستطيع فيها المراهق الكلام دون خوف دائم من العقاب.
الاحتواء:
الوجود إلى جانبه عندما يفشل، وليس فقط عندما ينجح.
ثامنًا: أخطاء شائعة في التعامل مع المراهق
من أكثر الأخطاء التي قد تؤثر سلبًا في العلاقة:
الصراخ المستمر.
الضرب أو الإهانة.
السخرية من المشاعر.
المقارنة بالإخوة أو الأصدقاء.
التجسس المستمر دون سبب أمني حقيقي.
فرض القرارات دون تفسير.
المبالغة في العقاب.
تجاهل إنجازاته الصغيرة.
التركيز على أخطائه أكثر من نقاط قوته.
استخدام الحب أو المال أو الحرمان العاطفي كوسيلة للسيطرة.
عدم الاعتذار له عندما يخطئ الوالدان بحقه.
والاعتذار من الوالد لا يقلل من هيبته، بل يعلم الطفل أن القوة الحقيقية تترافق مع المسؤولية والقدرة على الاعتراف بالخطأ.
تاسعًا: كيف نعزز تقدير الذات؟
يمكن للوالدين تعزيز تقدير الذات من خلال:
مدح الجهد وليس النتيجة فقط.
إعطاء المسؤوليات المناسبة للعمر.
السماح له بالتجربة والخطأ ضمن حدود آمنة.
احترام اهتماماته.
مساعدته على اكتشاف نقاط قوته.
تعليمه أن الفشل تجربة وليس حكمًا على قيمته.
تجنب وصفه بصفات سلبية ثابتة.
فبدلًا من قول:
“أنت كسول.”
يمكن القول:
“ألاحظ أنك لم تنجز ما عليك اليوم، ما الذي منعك؟ وكيف يمكننا تنظيم وقتك؟”
عاشرًا: متى يحتاج المراهق إلى مساعدة متخصصة؟
ليس كل تغير في المزاج مرضًا نفسيًا، فالتقلبات والانفعالات قد تكون جزءًا من النمو الطبيعي.
لكن من المهم طلب تقييم متخصص عندما تكون هناك تغيرات شديدة أو مستمرة أو تؤثر بوضوح في الحياة اليومية، مثل:
حزن أو فقدان اهتمام مستمر.
انعزال اجتماعي شديد.
تراجع دراسي واضح ومستمر.
اضطرابات شديدة في النوم أو الشهية.
نوبات غضب متكررة وغير معتادة.
قلق شديد يعطل الدراسة أو العلاقات.
سلوكيات خطرة ومتكررة.
تعاطي مواد.
إيذاء النفس أو الحديث عن الموت أو الانتحار.
تغير واضح ومفاجئ في الشخصية أو السلوك.
وفي حالات الحديث عن الانتحار أو إيذاء النفس أو وجود خطر مباشر، ينبغي التعامل مع الأمر بجدية والحصول على مساعدة مهنية عاجلة.
الحادي عشر: دور الوالدين في بناء شخصية متوازنة
الهدف من التربية في مرحلة المراهقة ليس صناعة طفل مطيع طوال الوقت، وإنما مساعدة الإنسان الناشئ على أن يصبح شخصًا قادرًا على التفكير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية وتنظيم مشاعره واحترام نفسه والآخرين.
والتربية الناجحة لا تقوم على السيطرة، كما لا تقوم على التساهل المطلق، وإنما على معادلة متوازنة:
حب + حدود + حوار + احترام + مسؤولية.
كلما شعر المراهق أن أسرته مكان آمن يمكنه العودة إليه بعد الخطأ، زادت احتمالية أن يطلب المساعدة بدلًا من إخفاء مشكلاته.
المراهق لا يحتاج إلى والدين مثاليين، بل يحتاج إلى والدين حاضرين نفسيًا، يسمعانه، ويحترمان مشاعره، ويضعان له حدودًا واضحة، ويمنحانه فرصة للنمو والاستقلال التدريجي.
وقد تكون بعض تصرفات المراهق رسالة غير مباشرة تقول:
“افهموني قبل أن تحكموا عليّ، وامنحوني فرصة لأكبر دون أن أفقد شعوري بأنني محبوب.”
إن التعامل الواعي مع المراهق في هذه المرحلة يمكن أن يحولها من فترة مليئة بالصراعات إلى فرصة ثمينة لبناء شخصية ناضجة، مستقلة، واثقة من ذاتها وقادرة على مواجهة الحياة.
#سفيربرس _ بقلم :دكتورة هلا شيخ شوك
اخصائيه صحه نفسيه

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *