كتب عبدالكريم البليخ : في الرّقة.. لماذا تشوّه المشهد الثقافي؟.

#سفيربرس

إعلان

المشهد الثقافي في الرّقة بات، في جانب غير قليل منه، بحاجة ماسّة إلى مراجعة جادة وحاضنة ثقافية حقيقية تستوعب الجميع وفق رؤية معاصرة، تحترم الاختلاف، وتعترف بالتجربة، وتفتح المجال أمام أصحاب المواهب والكفاءات ليقدّموا أنفسهم بالصورة التي تليق بهم وبالمدينة وتاريخها الثقافي.

الرّقة، مدينة عرفت عبر عقود طويلة أسماء أدبية وصحفية وفكرية تركت أثراً واضحاً، لا ينبغي أن تُختزل اليوم في مشهد مرتبك تحكمه العلاقات الشخصية، أو المجاملات، أو الرغبة في الظهور، أو منح الألقاب لمن لا يملكون أدواتها.
المدينة التي أنجبت كتّاباً وشعراء وصحفيين ومثقفين حقيقيين تستحق أن يكون حاضرها امتداداً لذلك الإرث، لا قطيعة معه ولا تشويهاً لصورته.
إن غياب الحاضنة الثقافية الجادة يفتح الباب واسعاً أمام الفوضى. وحين لا تكون هناك مؤسسات أو هيئات أو منابر ثقافية تعمل وفق معايير واضحة، وتعرف كيف تميز بين الموهبة الحقيقية والادعاء، وبين التجربة الناشئة التي تستحق الرعاية وبين من يتصدر المشهد بلا معرفة ولا أدوات، فإننا سنجد أنفسنا أمام مشاهد مشوهة تدّعي تمثيل البلاد وتراثها وثقافتها. وقد أصبح من المألوف، للأسف، أن نرى من يدير ندوة أو حواراً ثقافياً من دون أن يمتلك أبسط مقومات إدارة الحوار، فلا معرفة بالموضوع، ولا قدرة على صياغة الأسئلة، ولا وعي بكيفية منح الضيوف فرصاً متوازنة للحديث، وكأن المنصة مجرد مكان للظهور والتقاط الصور.
ورأينا أيضاً، أو كأننا رأينا فيما يرى النائم، من يصعد المنبر شاعراً شديد الثقة بنفسه، فيلقي نصوصاً مقصوصة أو منسوخة أو ضعيفة الصنعة، ثم يطالب الجمهور بالتصفيق والإعجاب، وربما يحدثهم عن المدارس الشعرية والحداثة والتجديد، وهو لم يتعرّف بعد إلى أبجديات الشعر ولا إلى بحوره وأوزانه، ولا يميّز بين القصيدة العمودية وشعر التفعيلة وقصيدة النثر. وليس المقصود هنا إغلاق الباب أمام التجارب الجديدة أو الناشئة، فكل مبدع كبير بدأ من نقطة ما، وكل موهبة تحتاج إلى وقت وتدريب ونقد وتشجيع، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول البدايات الهشة إلى ادعاء مكتمل، وحين يتجاوز صاحب التجربة مرحلة التعلم ليضع نفسه، بلا استحقاق، في مصاف أصحاب التجارب الراسخة.
والأمر لا يختلف كثيراً في الصحافة والإعلام الثقافي. فرئاسة تحرير مجلة أو صحيفة، ورقية كانت أم إلكترونية، ليست لقباً للوجاهة ولا موقعاً بروتوكولياً ولا مكافأة اجتماعية.
إنها مسؤولية مهنية تحتاج إلى خبرة، ووعي بطبيعة العمل الصحفي، ومعرفة باللغة والتحرير، وقدرة على التمييز بين الخبر والرأي والتقرير والتحقيق والمقال، وفهماً لأخلاقيات المهنة ومسؤوليتها تجاه القارئ. وكذلك فإن موقع أمين التحرير لا ينبغي أن يُمنح لمن لا يمتلك أبجديات العمل الصحفي، لمجرد قربه من جهة ما أو صداقته لشخص ما أو رغبته في حمل لقب رنان.
وعندما تُسند هذه المواقع إلى غير أهلها تكون النتائج بطبيعة الحال ضعيفة، وقد تصل إلى حد الإساءة للمؤسسة وللمشهد الثقافي كله.
ومع ذلك، ينبغي أن يكون نقدنا هادئاً ومنصفاً. ليس كل جديد مرفوضاً، وليس كل ناشئ مدعياً، وليس كل من أخطأ مرة غير صالح للتجربة.
المطلوب هو أن نفرّق بين من يتعلم ويطور نفسه ويقبل النقد، وبين من يرفض الاعتراف بنقص أدواته ويصر على احتلال المساحات العامة وإقصاء الآخرين.
إن المشهد الثقافي السليم لا يقوم على الإقصاء، لكنه أيضاً لا يقوم على المجاملة. يحتاج إلى معايير واضحة، وإلى مؤسسات تحترم الاختصاص، وتضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.
الثقافة لا تنهض بالألقاب، ولا بكثرة الظهور، ولا بالصور المنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي، ولا بالصوت المرتفع على المنابر. الثقافة تُبنى بالمعرفة والموهبة والعمل المتراكم والتواضع واحترام المختلف والقدرة على التعلم المستمر. والمبدع الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصرخ ليقنع الناس بأنه مبدع، لأن أثره يتحدث عنه، ونصه يشهد له، وتجربته تدافع عن نفسها.
ولذلك، لا ينبغي أن نستغرب كثيراً ما نشهده اليوم من انتشار للمدّعين والأشباه في بعض مواقع وأنشطة الثقافة، فهي مرحلة مرتبطة بالفوضى وغياب المعايير، لكنها لن تدوم إلى الأبد.
الزمن كفيل بفرز التجارب، والناس أكثر وعياً مما يظن البعض، وما هو زائف قد يعلو لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يصنع تاريخاً ولا أن يترك أثراً حقيقياً. لا يصح في الإبداع إلا الصحيح، ولا يبقى في الذاكرة إلا ما كان أصيلاً وصادقاً.
المطلوب اليوم ببساطة ألا نشوّه وجه الرّقة الثقافي، وأن نعمل على تأسيس حاضنة حقيقية تتسع للجميع من دون استثناء، لكنها في الوقت نفسه تحترم الكفاءة والخبرة. أَسندوا الأمر إلى أهله، وافتحوا الباب للمواهب الجديدة كي تتعلم وتتطور، واتركوا لأصحاب الاختصاص مجالهم الطبيعي، وعندها فقط يمكن أن نستعيد مشهداً ثقافياً أصيلاً، متنوعاً، حراً ومستقلاً، يليق بالرقة وتاريخها، ويترك أثراً طيباً يتجاوز ضجيج اللحظة إلى ذاكرة الناس والمكان.

#سفيربرس _عبد الكريم البليخ

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى