خفايا الأفكار… بين الواقع والرحمة.. بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
تخيّل… لو أتيح للإنسان أن يسمع أفكار من حوله، لا كلماتهم. أن يرى ما يدور في أعماق النفوس قبل أن يخرج إلى الألسنة. أن تمر أمامه الخواطر كما تمر الوجوه أمام عينيه.
هل سيكون العالم أكثر صدقاً؟ أم أكثر قسوة؟
سؤال يبدو غريباً في ظاهره، لكنه يفتح باباً واسعاً للتأمل في طبيعة الإنسان وحدود ما ينبغي لنا أن نعرفه.
فالإنسان ليس كتلةً واحدة من النقاء أو السوء، بل عالم متداخل؛ تتزاحم في داخله الخواطر، والهواجس، والذكريات، والوساوس، والأمنيات، والصراعات الصامتة التي لا يراها أحد. وفي لحظة واحدة قد تمر في ذهنه فكرة لا يرضاها، أو خاطر شيطاني لا يمثّله، أو نزغة نفس سرعان ما يستغفر الله منها وينساها.
ولو كُشف هذا العالم الداخلي للناس، لربما تصدعت علاقات كثيرة، لا لأن البشر أشرار، بل لأن الإنسان بطبيعته يمر بخواطر لا تعبّر دائماً عن حقيقته.
ولهذا كانت رحمة الله عظيمة حين جعل التعامل بين الناس قائماً على الظاهر، لا على ما تخفيه الصدور. فنحن لم نُكلَّف بقراءة القلوب، ولا بمحاسبة النيات الخفية، وإنما أُمرنا أن نحكم بالظاهر، وأن نكل السرائر إلى الله.
وفي هذا المعنى راحة عظيمة للإنسان والمجتمع معاً؛ لأن الحياة لا تستقيم لو عاش الناس تحت مجهر الأفكار العابرة، أو تحت محاكمة الخواطر التي قد تأتي وتذهب دون أن تتحوّل إلى قول أو فعل.
كم من إنسان خطرت بباله فكرة سيئة ثم جاهدها! وكم من نفسٍ مرّ بها الحزن أو الغضب أو الحسد ثم استعاذت بالله وغلبت خواطرها! فالإنسان لا يُختزل في خاطر عابر، بل فيما يختاره ويعمل به ويجاهد نفسه عليه.
ومن رحمة الله أيضاً أن جعل لنا مساحة من الستر النفسي، كما جعل لنا ستراً في العيوب الظاهرة. فليس كل ما يدور في داخل الإنسان صالحاً لأن يُكشف، وليس كل ما يخطر في القلب يُعبّر عن حقيقته النهائية.
ولعل أجمل ما في الأمر أن الله سبحانه – مع علمه الكامل بما في الصدور – يعامل عباده بالحلم والرحمة، ويفتح لهم أبواب التوبة، ولا يؤاخذهم بكل خاطر مرّ في عقولهم ما لم يتحول إلى قول أو عمل.
وفي الحديث الشريف: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم».
يا لها من رحمة عظيمة… أن يعلم الله ما في النفوس، ثم يستر، ويعفو، ويرحم.
ولهذا، فربما ليست المشكلة في أننا لا نعرف ما في عقول الناس، بل لعل النعمة الحقيقية أننا لا نعرفه. لأن الجهل ببعض الخفايا أحياناً ليس نقصاً في المعرفة، بل رحمة تحفظ العلاقات، وتحفظ القلوب، وتجعل للحياة قابلية للاستمرار.
ويبقى الإنسان أجمل حين يُعامل الناس بأخلاقه، لا بظنونه، وبالرحمة، لا بالتفتيش داخل النفوس والقلوب؛ فما أجمل أن نترك للقلوب أسرارها، ولله خفاياها، ولنعيش بسلام وراحة بال.
#سفيربرس _ بقلم : د. عطية العلي _الكويت


