حين يتحدث الهوى باسم العقل _ بقلم : د. عطية العلي
#سفيربرس _الكويت
كثيراً ما نسمع اليوم من يتحدث عن العقل والحرية والتنوير، وكأن التفكير لا يكون صحيحاً إلا إذا خالف الدين أو ابتعد عن الموروث، وفي المقابل هناك من يرى أن مجرد السؤال أو مناقشة بعض الأفكار أمر غير مقبول. وبين هذا وذاك قد ننسى أمراً بسيطاً: ليس كل من خالف غيره كان أكثر عقلاً، وليس كل من تمسّك بدينه أغلق باب التفكير.
العقل الحقيقي هو أن تسأل، وتنظر، وتتأمل، ثم تنظر في الدليل وتقبل ما تصل إليه، لا أن تختار النتيجة أولاً ثم تبحث عما يؤيدها. وهنا تبدأ المسألة: متى يكون العقل طريقاً للفهم، ومتى يصبح الهوى متحدثاً باسمه؟
قد يختلف الإنسان مع غيره لأنه فكر ووصل إلى نتيجة مختلفة، وقد يختلف لأنه لم يقتنع بما سمعه، وقد يختلف أحياناً لمجرد رغبته في مخالفة الآخرين. والاختلاف في ذاته ليس مشكلة، فالمهم هو الطريق الذي أوصل إليه؛ فالعقل يسأل وينظر ثم يحكم، أما الهوى فيختار الحكم أولاً ثم يبحث له عن مبررات.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للفكر هو أن يتحدث الهوى باسم العقل؛ فعندما يصبح الهدف إثبات الذات أو مجرد مخالفة الآخرين، يتحول التفكير من وسيلة للفهم إلى وسيلة للدفاع عن موقف اتخذه الإنسان مسبقاً، وقد يستخدم الإنسان ذكاءه لا ليعرف ما هو أصوب، وإنما ليجد ما يبرر ما اختاره.
والقرآن يقدم لنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام نموذجاً جميلاً لعقل يسأل ويتدبر ويستدل. فقد عاش بين قوم وجدهم على عبادة الأصنام، لكنه لم يتعامل مع ما وجد عليه قومه على أنه حقيقة لا تقبل السؤال أو النقاش، ولم يجعل الموروث نهاية للتفكير، بل نظر وتأمل وسأل، ومضى في طريقه حتى وصل إلى ما اطمأن إليه.
وحين تأمل إبراهيم عليه السلام في الكوكب والقمر والشمس، لم يكن مجرد نظر إلى السماء، وإنما كان يتأمل ويستدل؛ فما يغيب ويتغيّر ولا يملك أمر نفسه لا يمكن أن يكون إلهاً. لقد انتقل من المشاهدة إلى التفكير، ومن التفكير إلى الاستدلال، حتى وصل إلى اليقين.
والجميل في قصته عليه السلام أنه لم يستخدم عقله ليهرب من الإيمان، بل استخدمه في طريقه إلى الإيمان. لم يكن هدفه أن يثبت أنه مختلف عن قومه، ولا أن يهدم لمجرد الهدم، وإنما كان يريد أن يعرف الحق، حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الأنعام: 79
وهنا درس مهم لكل من يتحدث عن العقل والتنوير؛ فليس المطلوب أن ترفض ما ورثته لمجرد أنه موروث، وليس المطلوب أيضاً أن تقبله لمجرد أنك وجدته عند آبائك. المطلوب أن تفهم وتسأل وتنظر بإنصاف. وكذلك ليس من العقل أن ترفض كل جديد لأنه جديد، ولا أن تقبله لمجرد أنه جديد.
التنوير الحقيقي لا يعني أن نهدم كل ما سبقنا، كما أن المحافظة لا تعني أن نغلق أبوابنا أمام كل فكرة جديدة. الإنسان الواعي يستطيع أن يحترم ما ورثه، وفي الوقت نفسه يراجعه ويفهمه ويناقشه، ويستطيع أن يستفيد من الجديد من غير أن يفقد بوصلته.
والعقل لا يخاف من السؤال، لكنه لا يخاف أيضاً من النتيجة. فإذا قادنا التفكير إلى مراجعة فكرة كنا نؤمن بها، فلا بأس أن نراجعها، وإذا قادنا إلى مزيد من اليقين، فلا بأس أن نزداد يقيناً. المهم أن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه، وألا يجعل من العقل وسيلة للوصول إلى نتيجة يريدها مسبقاً.
والعاقل ليس هو الذي يحرص دائماً على أن يبدو مختلفاً، ولا الذي يهاجم كل ما هو سائد ليقال عنه إنه مفكر وجريء، وإنما هو الذي يستطيع أن يقول: قد أكون مخطئاً، وقد يكون عند غيري ما لم أره، وإذا ظهر لي ما هو أقوى من رأيي فسأراجعه؛ ولذلك يبقى الحق أحقَّ أن يُتَّبع.
ومن أجمل ما يُنسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله في هذا المعنى: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»؛ وهي عبارة تختصر أدب الاختلاف، وتذكرنا بأن قوة الإنسان ليست في تمسكه برأيه مهما كان، وإنما في قدرته على مراجعة نفسه حين يظهر له ما هو أقرب إلى الحق.
ولهذا ربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا ليس: هل أنت مع العقل أم مع الدين؟ فهذه ثنائية لا ينبغي أن نضع أنفسنا فيها أصلاً، بل السؤال الأهم: حين تستخدم عقلك، هل تريد أن تفهم، أم تريد من عقلك أن يبرر ما اخترته؟
فالعقل الحقيقي والصادق قد يقود صاحبه إلى مراجعة بعض أفكاره، وقد يقوده إلى مزيد من اليقين، وقد يقوده في نهاية الطريق إلى الإيمان. أما حين نبدأ بالنتيجة ثم نبحث عما يؤيدها، فقد نظن أننا نستخدم عقولنا بحرية، بينما نحن في الحقيقة نستخدمها لخدمة ما نريد.
ولعل أجمل ما نتعلمه من قصة إبراهيم عليه السلام أن العقل ليس خصماً للإيمان، وكذلك الإيمان ليس خصماً للعقل؛ وإنما المشكلة تبدأ حين يدخل الهوى بين الإنسان وبين الحق.
فليس العقل أن تصل إلى ما تريد، بل أن تقبل ما يقودك إليه الحق.
#سفيربرس _بقلم :د. عطية العلي



