براغ و جواهري و تمني. بقلم :د. سناء شامي

#سفيربرس _براغ

إعلان

مراسلة السفير برس في إيطاليا ترسل لجميع القراء تحياتها و لكن من براغ، تلك المدينة الساحرة، النظيفة و المنظمة جداً. جميع هذه الصفات لا تميز فقط جمهورية التشيك وحدها و إنما تشمل جميع الدول الأوربية و خاصة الشمالية منها، إلا إن ما يميز براغ هو معالمها التاريخية و  الفنية و تماثيلها التي تعبر عن مزيج من حقبة تاريخية سياسية معينة، و معالم روحية و معتقدات دينية و شعبية تبدو جلية في التماثيل الثلاثون التي تزين جسر تشارلز في براغ، و تُعتبر مساراً للتنوير الروحي الكاثوليكي، و إحتفاءً بحركة الإصلاح المضاد. وتصور المنحوتات الثلاثون المنتشرة على طول الجسر ، قديسين مُبجلين في بوهيميا، و شخصيات بارزة في العقيدة الكاثوليكية… تماثيل هذه الشخصيات قد وُضعت على جانبي الجسر، بين القرنين السابع عشر والثامن عشر لإضفاء مظهر  قدسي مشابه لجسر سانت أنجلو في روما. لكنني لاحظت بأن الناس تتوقف أكثر عند تمثال ضخم من البرونز، بل و تلمس قدميه و تتبرك به، رغم معرفتي بأن أكثر من ستون بالمئة في جمهورية التشيك هم ملحدون، إلا أنني سألت أحدهم لماذا الكل يتوقف هنا؟ أجابني بأن هذا أشهر تمثال فو ق هذا الجسر، فهو تمثال القديس يوحنا النيبوموك، و هو الأكثر شهرة وتبجيلاً، لأنه يُمثل القديس البوهيمي الذي أُلقي في نهر مولداڤا بأمر من الملك وينسيسلاس الرابع، فتحول قتل هذا القديس مُعتقداً دينياً جمعياً يُباركه أهل المنطقة و يؤمنون بأن لمس تمثاله يُشكل فألاً حسناً، يضمن بركات هذا القديس و يُعمّق العلاقة و إمكانية العودة بين لامسه و مدينة براغ… و لم ينحصر توارث هذا المعتقد بين أفراد المجتمع التشيكي فقط، بل إنتقل أيضاً إلى السوّاح، و لذلك قررت أن أشارك السوّاح هذا المعتقد “السياحي” و توجهت للمسه، و بينما ألمسه دار بذهني حواراتي المتكررة مع الأصدقاء حول علاقة الدين بالسلطة و المجتمع معاً، و تساءلت هل التشبث بمعتقدات طيبة من خلال لمس تمثال هو وثنية؟ و هل الوثنية هي تقديس لأصنام لا تفقه، و لا تعي ما تكنّه النفوس الطيبة؟ أليس تقديس الأشخاص و الزعماء و النصوص دون العقل، كما يحدث في بلداننا العربية هو أيضاً إحدى أشكال الوثنية؟  هل الإسلام منحصراً بعلاقة الفرد مع ربه، أم جاء ليصلح علاقة الفرد بمجتمعه من أجل التقرب إلى الله من خلال حرصه على حسن العمل و التعامل؟ أنظر حولي، و أنا أتنقل بين شوارع مدينة براغ الرائعة و بين مسارحها و حدائقها و مقاهيها، كل شيئ جميل و محاط بتنظيم و نظام مدروس، حتى القهوة في مقهى كاڤارنا سلاڤيا، المقابلة لمبنى الأوبرا، لها طعم ممزوج بروح الجواهري، الذي كان من إحدى أهم روادها و ما زالت صورته معلقة على إحدى جدرانها… إنهم يعرفون الجواهري و عظمة شعره، دونما أن يهتموا من أي دين كان يتبع، و من عشيرته، أو إن كان له طائفة يتعصب لها، و هذا لا علاقة له بفصل الدين عن الدولة، و إنما بنسبة وعي الناس و تقديرهم للإنسان المبدع و للفكر… لا يمكن لنظام سياسي أن ينجح دون إحترامه للإيمان و الأديان و المعتقدات، لأنها مرتبطة إرتباطاً و ثيقاً بروحانيات البشر، و حتى في دولة نسبة الإلحاد فيها عالية، فأن النظام السياسي يحترم إيمان الناس و معتقداتهم و لا يتدخل في تفاصيلها إن كانت تحترم القانون… و من هنا تأتي أهمية الصلة بين زعماء الدين و زعماء السياسة، التي تجمعهما السلطة، التي هي بذات الوقت سبب تنازعهما، و رغم التنازع الأزلي بين السلطة الدينية و مثيلتها الدنيوية، إلا إنهما في جوهر العلاقة لا ينفصلان. فالدولة السياسية وحدها غير قادرة على تطبيق قوانين الله الطبيعية و شرعه، كذلك فأن الدولة الدينية وحدها مستحيلة مفهومياً و إنسانياً و طبيعياً، و تؤدي فقط إلى فتن وحروب طائفية.  و في جميع الأديان ترك الله السياسة للعقل البشري من شورى، عدل، و مبادئ حياتية عامة تعتمد على الأمانه و صدق التعامل و التبادل و التعاون بين أفراد المجتمع… ثم جاءت السياسة لتُئطر كل هذا ضمن قوانين محددة تشمل الجميع و تحدد نظام الحكم و من ثم مفاهيم الدولة… لقد كانت في الماضي القيادة دينية – إجتماعية لأن المجتمعات كانت قبلية، و مع تتطور الحياة و تعدد أشكالها، كان لا بدّ من دولة القانون، دون إفتراء على الدين و دون العودة إلى الوثنية الحديثة المتمثلة بعبادة الزعيم السياسي و زبانيته… الإتفاق على شكل الحكم السياسي يعتمد على العقل البشري و التجربة الإنسانية، فليس هناك كتاب سماوي ذكر نوعية الحكم إن كان يجب أن يكون بين الناس فيدرالي، أو مركزي، أو ملكي، أو جمهوري، و لم يذكر حتى شيئاً إسمه الخلافة، و ذات الأمر بالنسبة للقرآن الكريم، و آية المائدة 44  “ومن لم يحكم بما أنزل الله…” هي في جوهرها تحذير قضائي لمن يحكم دولة أو يحكم بين طرفين، و ليس تحذير سياسي.

أبتعد عن تمثال القديس يوحنا النيبوموك بعد أن ألتقط بجانبه بعض الصور التذكارية، و أتابع سيري فوق هذا الجسر العتيق، أُمعن النظر في وجوه المارة و أراقب حركة السواح من جنسيات مختلفة، وجوه ضاحكة و نظرات منشغلة بجمال المكان… البشر بطبيعتهم محبين للجمال و الخير و الحياة، و لديهم قدرات إدراكية كبيرة، و حسب إبن خلدون فأن النفس البشرية، في أصل تكوينها، كائن روحاني ينتمي إلى “الملأ الأعلى”، أي إلى عالم الغيب والمجردات، وهي مفطورة بطبيعتها على إدراك ذلك العالم… و أعود للتساؤل، إذاً ما هي العوائق التي تقف أمام إدراك نفوس الشعوب العربية التي تتمتع بالذكاء و رهافة العاطفة و الحس؟ كيف وصل الحال بها إلى هذا الإنزلاق المرعب و أبعدها عن حقيقتها و عن حبها للحياة؟! هل هي ديكتاتورية أنظمتها؟ هل هو فشل حكوماتها؟ هل هو المخططات الإستعمارية التي إستهدفتها و ما تزال تستهدفها، و هل للدين علاقة في بؤس واقعها، أم أن نزاعاتها الطائفية و المناطقية و الهوياتيه، هي ثمرة بذور إستعمارية، زُرعت في بنيتها و إستُثمر غياب إدراكها و وعيها؟ .  لماذا لم تستطع النفوس العربية الأصيلة و العقول الذكية أن تكسر هذه العوائق؟ و لماذا أفرغوا الدين من رسالته الإنسانية و جعلوا منه وثناً متسلطاً؟

الجمال و الطبيعة الرائعة و سحر الشرق و نجومه و شمسه و عطوره في كل البلدان العربية، أليس من الغباء الصراع على المذهب، بينما الغرباء يسرقون كل هذا؟ كم هو صعب شعور الحنين إلى الوطن عندما يكون ممزوجاً بألف آسف…
و أخيراً وصلت إلى دار الأوبرا، لكن قبل زيارتها قررت أخذ قسط من الراحة في المقهى المقابل الذي كان يرتاده الشاعر العظيم الجواهري… جلست بجانب صورته و إحتسيت قهوة بنكهة روحه، و أكملت مقالي هذا و سأختمه بقصيدته كل ما في الكون حب و جمال:
لو أنَّ مقاليدَ الجَماهير في يدي
سَلَكتُ بأوطاني سبيلَ التمرُّدِ
إذن عَلِمَتْ أنْ لا حياةَ لأمّةٍ
تُحاولُ أن تَحيا بغير التجدُّد
لوِ الأمرُ في كَفِّي لجهَّزتُ قوّةً
تُعوِّدُ هذا الشعبَ ما لم يُعوَّد
لو الأمرُ في كفِّي لأعلنتُ ثورةً
على كلِّ هدّام بألفَي مشيِّد.

#سفيربرس _بقلم : د. سناء شامي _ براغ

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى