في ثقافة الإصلاح ـ بقلم : د. شاهر إسماعيل الشاهر

#سفيربرس ـ الصين

كشفت الأحداث في سورية الكثير من مكامن الخلل على الصعيد الداخلي التي تحتاج لبحوث مستقلة بحد ذاتها نظراً لأنها تعد في كثير منها مقومات لنهوض المجتمع السوري التي لا بد من تلافيها في إطار مرحلة إعادة إعمار سورية وتحقيق برنامج الاصلاح الاداري. فعملية الإصلاح الاداري عملية تتصف بالاستمرار والديمومة، فهي ليست مؤقتة أو عابرة، وهي من أولويات العمل لدى مؤسسات الدولة كافة. وتأسيساً على ما تقدم فإن عملية الإصلاح الإداري في سورية أصبحت مطلباً سياساً واجتماعياً واقتصادياً لما يعانيه الجهاز الإداري العام من أمراض مزمنة. ويتم ذلك من خلال برنامج متكامل للإصلاح، كما أكد على ذلك السيد الرئيس منذ توليه الحكم في سورية وفي أكثر من مناسبة.
وهناك العديد من المشروعات التي يجب انجازها لتساهم من جديد في حركة الاصلاح الاداري في سورية، ومن أهم هذه المشروعات قانون جديد للعاملين في الدولة يعكس الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها الدولة (ضبط سوق العمل الحكومي، وضع ضوابط صارمة لإنشاء هيئات أو أجهزة جديدة، وضع نظام جديد للمحاسبة الإدارية وتقييم الأداء والأجور مع تعديل كامل لجدول الحوافز والأجور).

قانون يراعي دور وأهمية الشباب في عملية الاصلاح والتنمية في سورية. لا قانون يقصي الشباب من خلال تمديد سن التقاعد للعاملين في الدولة بذريعة الحاجة إليهم، وبنفس الوقت إغلاق الطريق أمام توظيف الشباب ووصولهم إلى المواقع الادارية العليا في سورية. وضرورة انتقال الحكومة من سياسة ردود الأفعال على التداعيات الداخلية أو الخارجية للازمة الاقتصادية، إلى المبادرة برسم وتنفيذ السياسات التي تمكّنها من حماية الاقتصاد الوطني ومنعه من الانهيار( كرهان خارجي يتم الاشتغال عليه من القوى المعادية لسورية)، والاستعانة بفريق استشاري اقتصادي أكاديمي، ومن رجال الأعمال لهذا الغرض.

وكذلك إعادة تنظيم الجهاز الإداري للدولة من خلال إجراء التطوير التنظيمي للهيكل الرئيسي للجهاز الإداري، تقييم تجربة الهيئات العامة ونظام مديريات الخدمات ومدى تحقيقها لأهدافها، وتحديد الأنشطة التي يجب أن تتخلى الدولة عنها. وتحديث الادارة تدريجياً وذلك عن طريق تحديث نظم الادارة بالجهاز الاداري للدولة بما يتواكب مع عصر النهضة والتنمية التكنولوجية ومسايرة التوجهات الحضارية والمتغيرات الجديدة. ووضع نظام جديد للتحكم بمشتريات الجهاز الإداري للدولة.
لقد جاءت دعوة السيد الرئيس بشار الأسد للبدء ببرنامج الاصلاح الاداري في سورية كمدخل للإصلاح المنشود، تلبية لرغبات المواطن السوري وإحساساً مطلقاً بما يجول في داخله من خواطر. هذه الدعوة هي بمثابة الاعلان عن بدء مرحلة ما بعد الحرب في سورية، وأن المظاهر السلبية والتجاوزات التي نجمت عن انشغال الدولة السورية آن لها أن تزول.

وبرأيي أن هذا المشروع يحتاج إلى مقومات وأدوات مختلفة عن الأدوات السابقة، فالإصلاح يحتاج إلى إصلاحيين، وإلى طاقات شابة تشكل مستقبل سورية، كما يحتاج إلى إقصاء ومحاسبة المقصرين والمفسدين الفاسدين، وأشدد على مبدأ المحاسبة لتعزيز هيبة الدولة السورية، وللحفاظ على المال العام. ومن المفيد هنا التذكير بأن سورية كانت من أوائل الدول العربية التي أحدثت جهازاً لتدقيق حسابات الحكومة منذ قانون عام 1920 بعد استقلالها عن الدولة العثمانية حيث ألحق ديوان المحاسبات بمجلس النواب عام 1950 واعتبر رئيسه وأعضاؤه ينفذون مهامهم نيابة عن السلطة التشريعية، ثم صدر المرسوم التشريعي رقم 93 لعام 1967 القاضي بإحداث الجهاز المركز للرقابة المالية عن طريق إدماج ديوان المحاسبات مع مديرية التفتيش المالي في وزارة المالية، وإلحاق هذا الجهاز الناشئ بوزارة المالية، وأناط به وظيفة التدقيق أو المراجعة أو التفتيش في القطاعين الاقتصادي والإداري في الدولة.

وهنا نشير إلى أهمية نقل مرجعية الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش من السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) إلى مجلس الشعب صاحب الصلاحية في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية بموجب الدستور. أو إلى رئاسة الجمهورية ليكون لها سلطة حقيقية وحصانة تجاه تجاوزات الحكومة.
هل سينجح هذا المشروع؟
في الحقيقة هذا تساؤل كبير، خاصة أنها ليست الدعوة الأولى من قبل سيد الوطن للبدء بالإصلاح، فقد كانت الدعوة الأولى للإصلاح في سورية مع استلام السيد الرئيس لمقاليد الحكم في سورية في العام 2000 وكان نجاح هذا المشروع أقل مما ينبغي من وجهة نظري، ثم جاءت الدعوة الثانية مع بدء الأحداث في سورية في العام 2011 وربما كان هناك أسباباً كثيرة شكلت عثرة في طريق تنفيذ هذا البرنامج. ما يميز الدعوة الحالية هو وضع برنامج زمني محدد لتنفيذه (حوالي العام تقريباً)، ومما يزيد من فرص النجاح هو الارادة الشعبية الضاغطة والمساعدة في تنفيذ هذا البرنامج، فأصبح هناك ضغط من الأعلى ممثلاً برأس الهرم في الدولة ( السيد الرئيس)، وضغط من الأسفل تمثله القاعدة الشعبية العريضة صاحبة المصلحة الحقيقية من تنفيذ البرنامج.
وبعد أن شارفت الحرب في سورية على الانتهاء فعلى الدولة أن تبذل الجهود لكي يستعيد القانون هيبته وألقه من جديد وأن يتم تجاوز نزاعات الماضي وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية لابديل عنها لبناء سورية المستقبلية. بعد أن دمرت الحرب مؤسسات الدولة واستنفدت مواردها. وأصبح الأمن مفقود والمجتمع يعاني من تبعات هذه الحرب وما خلفته من مشاكل ومآسي لعل أبسطها تدمير البنية التحتية في سورية. وهنا نشير إلى أهمية إعادة النظر بآليات الدعم الحكومي في قطاع الطاقة، حيث يكلف الدولة مئات المليارات من الليرة السورية، وربما كان من الممكن استثمار هذه المبالغ في مشاريع تنموية أخرى تساعد على الحد من البطالة, ويمكن توزيعها على كل مواطن سوري برفع الحد الأدنى للأجور وتخصيص دعم اجتماعي جديد ومختلف.
وأخيراً أشدد على أهمية الشباب ودورهم كحامل ومنفذ لهذا المشروع، وعلى دور الإعلام كمواكب ومستقصي لحالات الخلل، وعلى أهمية ودور السلطة التشريعية الذي يجب أن يواكب هذا المسار. ونقول الأوطان لا تبن بالتمنيات والمحسوبيات، بل بترسيخ ثقافة الدولة والمواطنة وتعزيز مبدأ المحاسبة والمضي في برنامج الاصلاح المطروح والتقييم المستمر لكل محطاته ومحاسبة المسؤولين عنه في حال فشله، فالوطن ليس ساحة للتجريب والأموال التي ستنفق أبناؤنا بحاجة لها ولا مجال أمامنا للتهاون في هذا الموضوع.

#سفيربرس ـ بقلم : د. شاهر إسماعيل الشاهر

بروفيسور في كلية الدراسات الدولية  ـ الصين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *