مفارقات… العبور إلى المستقبل بأدوات الماضي..!! بقلم :د. شاهر إسماعيل الشاهر

#سفيربرس ـ بكين

بينما كنت منهمكاً في كتابة ورقة بحثية  بعنوان: “السياسة العربية…. من غياب الرؤية إلى علم المستقبل” تلبية لدعوة للمشاركة في مؤتمر دولي سيعقد بهذا الخصوص في العام 2020 في دولة الامارات العربية المتحدة، فوجئت بخبر اغلاق مركز مداد للبحوث والدراسات الاستراتيجية، والذي كان بحق مركز دمشق. لم أشارك بأي ورقة عمل مأجورة في هذا المركز، ولم أحصل على أية ميزة، لكنني كنت أرى فيه شعاع أمل لقادم الأيام ربما.

فلطالما راهنا أن القادم أجمل وأفضل، وخاصة في طريق المأسسة لعلم السياسة ليكون علماً له قواعده وأصوله، ولنتخلص من المتطفلين على هذا العلم والذين أساؤوا كثيراً لكل من يعمل في هذا الحقل المعرفي.. ومن إيماني بأن السياسة علم وفن، علم على مستوى البنى والمؤسسات، وفن على مستوى الاشخاص والقادة، فقد أصبحت العلوم السياسية في سورية مجبرة على احداث ثورة في الدفاع عن بلدنا وسط ما يتعرض له من هجمة فكرية دولية كبيرة، من قبل الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية، عبر تطوير أدواتنا التحليلية ومحاججاتنا المنطقية، باستخدام مفردات علمية منهجية، لا عبارات ايديولوجية مهترئة، فالدول في عالم اليوم نوعان: دول تحركها التكنولوجيا، ودول تحركها الايدلوجيا، وكل نوع من هذه الدول يعرف إلى أن يسير، إلى التقدم أو السقوط. لذا يتوجب علينا العمل على التواجد الفكري والعلمي في مختلف المنابر والساحات الافتراضية، لنقدم وجهة نظرنا ونسمع العالم صوتنا، فالنخبة الاكاديمية مهمتها انتاج الخطاب وبناء الاستراتيجيات، وغير ذلك ليس إلا تعبير عن مستوى تعليمي معين، لا يرقى إلى النضج الأكاديمي، فما نحتاجه هو مثاقفة مشكلاتنا السياسية، لا تسييس مشكلاتنا الثقافية كما نفعل في كثير من الأحوال.

ومما جاء في هذه الورقة التي وأدت قبل أن تولد: لم يعد المستقبل قدر محتوم، على الإنسان الخضوع له، لكنه أصبح عالماً قيد التشكل سيلعب الإنسان دوراً في صياغته. فعلم المستقبل علم قديم استخدم في الحقل السياسي منذ أيام افلاطون الذي وضع تصوراً مستقبلياً لما يجب أن تكون عليه الدولة. وسيسعى البحث إلى توضيح ماهية علم المستقبل، ومتى أصبح علماً له قواعده الخاصة؟ وكيف ننتقل من التنبوءات الخيالية (النابعة من أساس عقائدي لا قيمة علمية له) إلى صياغة رؤى استراتيجية قابلة للتحقق والقياس. لذا فقد لجأت العديد من دول العالم المتحضر إلى إنشاء جامعات ومراكز بحثية متخصصة بالدراسات المستقبلية، لمأسسة هذا العلم. وكلي أمل أننا نسير بهذا الاتجاه …

وإذا كانت الدول العربية أقصى أهدافها اليوم هو وضع وصياغة تخطيط استراتيجي صحيح، فإن علم المستقبل هو الأكثر استخداماً في الدول المتقدمة، التي بدأت تضع تصورات بعيدة المدى، فالعالم يتغير بسرعة، والتخطيط الاستراتيجي لم يعد كافياً لصياغة المستقبل. وتختلف الدراسة المستقبلية عن الدراسة الاستراتيجية، إذ تهتم الدراسة المستقبلية بالإحاطة المعرفية بما سوف يتحقق في المستقبل؛ أي نتائجها متعددة الاحتمالات مع محاولة ترجيح الاحتمال الأقرب إلى الواقع دون الحاجة إلى التوصل إلى نتيجة بعينها. بينما يرتبط التخطيط الاستراتيجي بهدف تم صياغته مسبقاً، والعمل على ترجمته إلى واقع ملموس. والعلاقة بين الدراسة المستقبلية والدراسة الاستراتيجية علاقة تلازم، لأن الدراسة المستقبلية تساعد كثيراً في توجيه بوصلة التخطيط الاستراتيجي.

وبعد الجدل الواسع حول ما إذا كان “علم المستقبل” علم أم فن؟ نقول أنه مجال معرفي أوسع من حدود العلم، فالدراسة المستقبلية تتضمن العديد من المساهمات الفلسفية والفنية جنباً إلى جنب مع الجهود العلمية، وتتجاوز الدراسات الاستراتيجية التي يكون عادة سقفها الزمني /5/ سنوات، بينما الدراسات المستقبلية قد يصل مداها إلى /50/ عاماً قادم. 

فلا مستقبل في ظل غياب توظيف البحث العلمي في السياسة، بل حتى الواقع سيكون مدمراً، خاصة وأن السياسة في عالمنا العربي تتدخل في جميع مناحي الحياة….

#سفيربرس ـ بقلم : د. شاهر إسماعيل الشاهر

بروفيسور في كلية الدراسات الدولية – الصين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *