الأداء الحكومي في عنق الزجاجة ـ بقلم : الإعلامي عدي سلطان

#سفيربرس

عندما أطلق الرئيس الأسد المشروع الوطني للإصلاح الإداري ، بات لازماً على المعنيين بتنفيذ هذا المشروع تسريع وتيرة تأسيسه كخطوة في مسيرة الألف ميل في طريق جعل الوظيفة العامة فاعلة وأكثر إنتاجاً وأفضل أداء ، إدارة عامة حكيمة ومسؤولة وتتمتع بالشفافية وتتقبل المصارحة الإعلامية ، وتحمي وتصون المال العام وتكسب ثقة الناس وتعاملهم باحترام واهتمام ولديها رؤية ومنهاج عمل يأخذ بعين الاعتبار بأنه لم يعد مقبولاً ولا مجدياً حصر الإصلاح الإداري في عناصر مثل تبسيط الإجراءات أو ميكنة تقديم الخدمات في إطار الحكومة الإلكترونية أو تدريب وتأهيل الموارد البشرية الوطنية، بل يجب أن تتناول جميع تلك العناصر في إطار تلك الرؤية أو الخطة الشاملة التي نأمل أن تتمثل اليوم في رؤية سورية ما بعد الحرب.

نعلم جيداً بأن الإدارة العامة عنق الزجاجة في الإصلاح ومكافحة الفساد، ومن العبث التحدث عن تنمية حقيقية دون إدارة فاعلة، كما نعلم أن الإدارة التي وجدت لخدمة الناس من موقع الدولة أصبحت في حاجة ضاغطة لاعتماد ثقافة جديدة في العمل والإنتاج والإنجاز، ثقافة تعتبر الإدارة أداة للخدمة العامة وخدمة الجمهور لا موقعاً لممارسة السلطة والنفوذ والتنفيع والفساد، ثقافة تحترم القانون وتحاسب كل من يخالفه أو يتجاوزه ، وتضع حداً لتعارض المصالح ولكل التجاوزات.

من هذه الزاوية أصبح ملحاً التركيز على تحويل مفهوم السلطة إلى مفهوم الخدمة في الإدارة الحكومية، وتحويل منطق التركيز على الإجراءات والروتين إلى منطق التركيز على النتائج، والتحول من مفهوم البرامج العامة الفضفاضة إلى برامج محددة وخاضعة للقياس ، وفي سبيل بلوغ ذلك نحسب أنه من الأهمية بمكان أن نقف على مكامن الخلل التي تعتري الإدارة العامة، فربما في ذلك فائدة لأي “نوايا حسنة” تتبنى الإصلاح الإداري ، ومتى ما اجتهدنا في هذا الخصوص فإنه علينا في البداية أن نقر بأنه ليس أخطر على الإصلاح أكثر من النظرة التي تجعل من الماضي مرجعية والتحدث عن البطولات، لأنها في هذه الحالة لن تفهم التقدم إلى الأمام إلا بالعودة إلى الوراء فتسعى عبثاً إلى تحقيق الإصلاح من خلال عقلية لا تؤمن بأن الإدارة الحديثة أصحبت لا تمت بصلة إلى الإدارة القديمة ، وأن من كان ممسكاً بزمام الأمور في إدارات حكومية كثيرة صار غير مؤهل لتولي مسؤولياته بعقلية جديدة وبمفاهيم جديدة وآليات عمل جديدة .
إذا تجاوزنا ذلك، وفي سياق الوقوف على أوجه الخلل، اعتقد أنه لابد من الإقرار بأننا لا زلنا مترددين في وضع الإصلاح الإداري على الطاولة، وذلك أمر ينتظره الناس بفارغ الصبر لتحسين الأداء الإداري ومحاربة الهدر ومحاصرة الفساد ووقف اغتيال المقاييس وإهدار المعايير في التعيينات والتصعيد والترقيات وما إلى ذلك من أوجه خلل.
ذلك في حد ذاته مشكلة وأخرى تكمن في وجود أجهزة حكومية صارت كل واحدة منها مملكة خاصة للبعض، أو نجد فيها شبكة بينية لعلاقات النسب والمصاهرة فيما بين مسؤولين وعاملين كثر ، وعليه نجد دوراً للحاشيات والبطانات وشلل الأصدقاء ، ناهيك عن دور المال القذر ، ومظاهر البيروقراطية التي تفرز ثغرات وأخطاء تكون البيئة الصالحة للفساد وتخلق صانعين ومستفيدين منه، وأصبحت إدارات وأجهزة رسمية كثيرة عالة على الدولة والناس والاقتصاد تعطل مصالحهم ومعاملاتهم وتزرع في نفوسهم اليأس والإحباط لمصلحة من يخلقون هذه الأجواء أو من يقفون ورائها.
لا يحتاج المواطن السوري للكثير من التفكير في مجال تقييم أداء الوزارات، ففي حين نجد أن بعضها قد انطلق بشكل جدي في إطار المشروع الوطني ، لكننا نجد في حين آخر أن هناك مشكلة حقاً عندما يتسربل مسؤولون كثر بالطنطنة والنفاق الإداري وأذكر قوله تعالى في سورة البقرة “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ” ، فهؤلاء همهم تنفيذ الأوامر بصورة آلية أكثر ما يهتمون باقتلاع هذه الثقافة وبناء ثقافة بديلة تعتمد على زرع الأفكار وغرس روح الإنجاز والمبادرة والابتكار وجودة الإنتاج ، أو حينما نجد مسؤولين كثر يسيّرون أجهزة رسمية وهم يتصرفون كسلطة على الناس ولا يتصرفون كمؤسسة في خدمة الناس أو نجد أولئك اليائسين المستسلمين للواقع الذين أصبحوا من دون أن يدروا حلفاء طبيعيين أو مساندين أو داعمين لأوجه الخلل التي تعتري الإدارة العامة، وينطبق عليهم قوله تعالي في سورة التوبة “وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ”
ومن المعلوم أن الحديث عن الإصلاح الإداري لا يقع موقعاً حسناً لدى البيروقراطيين الذين يعتبرون أن الحديث عن الإصلاح ينتقص من كفاءتهم ومكانتهم فيلجئون إلى مسايرة الإصلاح في المظهر فيما يمارسون في الجوهر المماطلة والاعتراض ووضع العصي في دواليب أي خطوة إصلاحية إدارية، فهل يتنبه إلى ذلك من يعنيهم أمر إصلاح حال الإدارة ورؤية سورية المستقبل؟
وختاماً ..
لا زلنا ننتظر القوانين والتشريعات التي نتوقع أن تساهم في الحد من الفساد، كقانون الذمة المالية وقانون الوظيفة العامة وقانون المراتب الوظيفية .. والأمل بغد أفضل ..

 #سفيربرس ـ بقلم : الإعلامي عدي سلطان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *