كي نوقف فيروس كورونا يجب أن نفهم آلية تأقلم الفيروسات وانتقالها من الحيوانات إلى البشر.

#سفيربرس ـ ترجمة: الدكتور حازم العجيلي ـ م. إبراهيم عبدالله العلو.

من الطبيعي أن نشعر بالقلق مع تصاعد الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا ولنا الحق بالتساؤل عن مجال انتشار هذا الفيروس ومدى تأثيره على البشرية برمتها وهل سيظهر فيروس آخر بتلك القوة وذلك الإيلام؟

نقوم بصفتنا متخصصين بالإيكولوجيا الميكروبية بدراسة أصول الأنواع الميكروبية ونود أن نمنح القراء الماحة بسيطة من هذا المنظور.

ونتيجة لأفعال القطع الجائر للغابات التي تتواصل بلا هوادة وصيد الحيوانات البرية ورعايتنا للماشية لن يكون فيروس كورونا الجديد آخر فيروس قاتل ينتقل من الحيوانات البرية إلى البشر ويتسبب بالخمج. ومن المعروف انتشار فيروسات عديدة بين الخفافيش البرية والرئيسات primates المرتبطة بشكل وثيق بأمراض السارسSARS والايدز. وعندما يتعامل البشر مع أنواع الحيوانات البرية قد تنتقل المسببات المرضية الساكنة في تلك الحيوانات إلى البشر وتحدث أحياناً مضاعفات قاتلة.

سفيربرس ـ يعتقد أن الجمال كانت مصدراً لعدوى ميرسMERS .

تعتبر معظم الفيروسات “البازغة” والجديدة على البشر اليوم مستوطنات اعتيادية في أنواع أخرى. وقد يصل الحيوان المستضيف إلى مرحلة تعايش مسالم مع الفيروسات في جسده مثل حالة الخفافيش.  تكون الفيروسات قاتلة في حالات أخرى للحيوان البري بقدر فتكها بالبشر مثل حالات الشمبانزي والفيروسات المثبطة للجهاز المناعي. رفعت النشاطات البشرية من معدل انتقال فيروسات الأنواع البرية إلى البشر وعلى الأخص من الخفافيش.

أسهم قطع الغابات بتقريب الخفافيش إلى الموائل البشرية بشكل أكبر مما أفضى إلى إعادة انتشار الايبولا Ebola
من الخفافيش إلى البشر في أفريقيا جنوب الصحراء. وجلب الاتجار بالحيوانات البرية مرض السارس عندما نقلت الخفافيش عدوى الفيروس إلى حيوانات الزباد الأسيرة في سوق للحيوانات الحية. وجلب صيد الشمبانزي في الكاميرون مرض الايدز إلى البشر قبل قرن من الزمن وربما إثر حادثة تعامل مع ذبيحة مصابة.

وصلت الفيروسات البازغة في حالات أخرى من الخفافيش عبر الحيوانات المستأنسة إلى البشر. انتقل فيروس هيندرا Hendraفي عام 1994 من خفاش الفواكه عن طريق الخيول وفيروس نيبا Nipah في عام 1999 عن طريق الخنازير.

وفي عام 2012 قفز فيروس ميرسMiddle East respiratory syndrome (MERS) (المتلازمة التنفسية الشرق أوسطية) إلى البشر من الجمال والتي أصيبت بالعدوى من الخفافيش قبل عدة مئات من السنين. وكانت العناية بالخيول والجمال هي المسؤولة عن إيصال فيروس هندرا وميرس إلينا.

كانت الابقار المصدر الأساسي للحصبة وهو أكثر الأمراض المعدية على سطح الأرض.

وإذا تعمقنا أكثر بالماضي نجد أن العلماء جزموا بأن الحيوانات المستأنسة والزراعية نقلت إلينا معظم المسببات القاتلة. وعلى سبيل المثال انتقل الجدري من الجمال والحصبة من الأبقار إلى البشر قبل عدة قرون.

سفيربرس ـ كانت الابقار المصدر الأساسي للحصبة وهو أكثر الأمراض المعدية على سطح الأرض.

لم تكن أخماج الفيروسات مجرد ومضة عابرة ولكنها ظلت معنا وأحدثت المزيد من الإصابات بين الأطفال حتى عهد قريب. ولولا اللقاحات لكانت الفيروسات جزءً روتينياً وقاتلاً من طفولتنا.

يجهل العلماء الأصل النوعي لفيروس كورونا الجديد ولكن ظهوره في سوق يعج بتنوع مذهل من الحيوانات الحية لم يكن مفاجئاً لأحد.

يقيّم العلماء مقدرة الفيروس على الانتشار من خلال معدل التكاثر الأساسي R0الاحصائي والذي يقيس معدل عدد الأفراد الذي يقوم فيه كل فرد مصاب بنقل العدوى إليه.

عندما يقوم كل فرد حامل للفيروس بعدوى أكثر من شخص يستطيع الفيروس الانتشار بلا نهاية. وتكون النتيجة أفضل عندما يقوم كل شخص مصاب بعدوى أقل من شخص وحيد. ومثل تلك الفيروسات تنتقل بشكل مختزل بين البشر ولكنها تتلاشى بين مجموع السكان في النهاية.

ينتقل فيروس كورونا الجديد في الوقت الراهن بمعدل تكاثر يتراوح ما بين 1.4 إلى 2.5 مما يعني أنه يستطيع الانتشار بلا نهاية. وعلى سبيل المقارنة يبلغ معدل التكاثر بين فيروسات الانفلونزا الموسمية حوالي 1.28 وهو المعدل الذي يسمح لها بالانتشار كل عام حول العالم.

يبقى معدل التكاثر الأساسي مقياساً يتمكن من التغير بشكل سريع. قد يتغير معدل الانتقال نحو الأعلى نتيجة لتطور الفيروس وتأقلمه مع البشر أو نحو الأسفل من خلال تغير في سلوكيات البشر وتقانتهم.

ولنأخذ على سبيل المثال جائحة ايبولا المؤخرة في غرب افريقيا حيث انتشر الفيروس من شخص لآخر ليصيب في النهاية أكثر من 28000 شخص.  تطور الفيروس في هذه الحالة بحيث تمكن من الالتصاق بشكل أفضل بالخلايا البشرية وفي الوقت ذاته تراجعت مقدرته على الالتصاق بخلايا الخفافيش. انقرضت تلك الرابطة المتأقلمة مع البشر مع تلاشي جائحة ايبولا في غرب أفريقيا. قد يسلك فيروس كورونا الجديد نفس المسلك ويتكيف مع البشر وبالتالي يرفع من قابليته على الانتشار.

قد يخفض التغير السلوكي لدى البشر من انتقال الفيروس.

يتمكن البشر من محاربة آثار التطور الفيروسي عبر التغيرات السلوكية التي تحد من انتقال الفيروس. وعلى سبيل المثال عندما ظهر فيروس سارس للمرة الأولى انتشر بسرعة بمعدل تكاثر مرتفع وتسبب ب 8098 حالة و774 حالة وفاة على مستوى العالم.

ولكن سارس لم يمتلك المادة الملائمة للانتشار بلا حدود. واتضح لاحقاً أن الأفراد المصابين لم يصبحوا ناقلين للعدوى إلا بعيد إبدائهم للأعراض المبكرة مثل الصداع الشديد والألم العضليmyalgia.

وبالتالي تمكن المصابون من تشخيص حالتهم بسهولة ويسر والدخول إلى المشفى قبل إصابة الآخرين بالعدوى. ولذلك كان معدل التكاثر الأساسي أقل من 1 مما ضمن القضاء على المرض.

يعتبر الايبولا على غرار سارس مرضاً معدياً وقاتلاً ولكنه لا يمتلك المادة الملائمة للتوطن بين البشر. ينتقل الايبولا عبر التعرض للسوائل الجسدية من الشخص المصاب ولكنه لا يتمكن من الانتقال عن بعد عبر السعال أو العطس.

ساهمت أعراف الدفن لدى سكان غرب أفريقيا بشكل مهم في الانتشار المبكر والسريع للفيروس حيث قام أفراد عائلة المتوفى بمناولة جسده. وعندما بدأ الأفراد بتفادي ملامسة السوائل الجسدية للمصابين سواء أحياء أم ميتين انخفض معدل انتقال الايبولا إلى أقل من 1. إذاً تغير معدل التكاثر الأساسي لايبولا عبر التغيرات السلوكية فحسب حتى في أقصى القرى الريفية النائية بدون استخدام اللقاحات والعلاجات المطورة حديثاً.

هناك مصاعب جمة تعترض الاحتواء التام لفيروس كورونا الجديد وإذا تمكنت السلطات الصحية من تخفيض معدل التكاثر إلى أقل من 1 عبر تغيير السلوك أو التكنولوجيا قد نتمكن من اجتثاثه على مستوى العالم على غرار سارس أو اقليمياً على شاكلة ايبولا.

ولكن إذا تابع الفيروس انتشاره بالمعدل الراهن أو بمعدل أعلى عبر تطوره فقد يظل فيروس كورونا الجديد معنا إلى الأبد. وقد يلحق الفيروس وقتها بمصاف الفيروسات المستوطنة التي راكمها الجنس البشري عبر القرون من الحيوانات التي اصطادها البشر أو قاموا باستئناسها. وقد يتطلب الأمر الجمع بين التغيرات في السلوك الفردي والاستثمار في الصحة العامة في الخارج وتطوير تقانات جديدة كي تنتهي الجائحة الجديدة بسرور.

# سفيربرس ـ ترجمة: الدكتور حازم العجيلي ـ م. إبراهيم عبدالله العلو.

تأليف: الدكتور فريدريك كوهان. أستاذ البيولوجيا في جامعة ويسليان الأمريكية.

كاثلين ساجارين. جامعة ويسليان.

كيلي مي. جامعة ويسليان.

المصدر:

https://theconversation.com/a-clue-to-stopping-coronavirus-knowing-how-viruses-adapt-from-animals-to-humans-130790

تاريخ: 4 شباط. عام 2020.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *