المبادرة الروســيّة .. بقلم : علي نصـــرالله

#سفيربرس

رغم اختلاف قراءة وتفسير أغلبية الأطراف الدولية لمُذكرة تخفيف التوتر التي جرى توقيعها بآستنة، ورغم التباين بالنيّات المُبيت منها والمُعلن لجهة الإسهام بالخطوات التنفيذية والالتزام بها، فإنّ المُذكرة تبقى ربما أهم خطوة ناجزة عملياً وسياسياً، لماذا؟.

تركيا كطرف ضامن للمجموعات المسلحة، هي جانب لا تثق به سورية، وقد كانت وما زالت تُمثّل إحدى أهم بوابات الإرهاب والعدوان على السوريين، وقّعت المُذكرة لأسباب نعرفها جميعاً، لكن توقيعها لا يعني التزامها، وسنضبط غداً أو بعد غد إدارة السلطان الواهم أردوغان وهي تُمارس الانسحاب والتملص منها، أو ربما الانقلاب عليها.‏

المَحميات الخليجيّة وأوّلها قطر والسعودية المُرتبطة عضوياً مع تركيا وإسرائيل والأردن، وبالمشروع الأميركي الذي تعمل هذه الجوقة مُجتمعة كأدوات له وتحت سقفه، لن تلتزم بالمُذكرة، وسيجري ضبطها بحالات وحالات، غير أنّ كل محاولات التعطيل والاختراق ستكون محكومة بالهوامش التي ستسمح بها واشنطن كمُشغل لها، هذا مُسلّمٌ به.‏

ما نريد قوله، فعلياً إنّ المعني بالمذكرة «المبادرة الروسية» هو أميركا التي تُمثّل المُشكلة كلها، لكن رغم أنّها بذاتها مُشكلة، بل المُشكلة، إلا أنّ حجمها وثقلها يُوجب أن تكون جزءاً من الحل الذي اشتغلت عليه موسكو، والذي على واشنطن العاقلة – إذا كان فيها عُقلاء – أن تشكر روسيا عليه، وعلى مُبادرتها لأنها ستُساعدها على الخروج من مأزقها.‏

المناطقُ الآمنة التي طرحها دونالد ترامب لا يُمكن إقامتها، وتعرف واشنطن تكلفة إقامتها ومخاطر الذهاب لخيارها، والفصل بين المجموعات المسلحة وفصائل القاعدة – النصرة وأخواتها – والدواعش، كتنظيمات إرهابية، كان مَطلباً روسياً أممياً أمضت موسكو ما يزيد على السنة وهي تُطارد واشنطن – إدارة أوباما – بلا جدوى لعدم توفر الرغبة لدى تلك الإدارة بمُحاربة الإرهاب وتنظيماته الموضوعة على لوائحها قبل لوائح الأمم المتحدة.‏

وإذاً، فالمُبادرة الروسية المُذكرة التي صارت اتفاقاً ناجزاً، إذا نجحت بالفصل بين المجموعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، على قاعدة تخفيف التوتر، وضمن قيود مُحددة، وفي ظل آليات عمل ومُراقبة وضبط، فإنّها ستكون فعلياً الإنجاز الذي سيقود لسحق الدواعش والانتهاء من فروع القاعدة النصرة وسواها، وسيكون بمُتناول اليد البحث بمصير المجموعات الأخرى المُوقعة على اتفاق وقف الأعمال القتالية، وتالياً التقدم باتجاه الكلام في السياسة والحلول المُتاحة على مائدة سورية سورية خالصة.‏

قد يسألُ سائل: وما مصلحة أميركا بجعل سورية نظيفة من الإرهاب ورعاع التطرف والتكفير؟ ثم ما مصلحتها بجعل سورية تخرج مما هي فيه وصولاً إلى حوار سوري سوري يُنهي الأزمة ويحفظ وحدتها ومؤسسات الدولة؟.‏

بالتأكيد لا مصلحة لواشنطن في ذلك، بل كانت وستبقى مصلحة أميركا إضعاف سورية واستهدافها كدور وموقع عروبي مُقاوم لسياسات الهيمنة والعدوان والاحتلال، لكن ما الذي يُمكنها فعله لتحقيق هذه الغايات ولم تفعله واشنطن؟ وهل هي جاهزة لفعل المزيد بعد ثبات سورية ومقاومتها وصمودها الأسطوري؟.‏

إذا كانت الإجابات تؤكد عدم الجاهزية الأميركية الصهيونية لخيار التفجير الشامل والدخول بمُواجهة مُباشرة كُبرى مع سورية وحلفائها، فإن من مصلحتها أن تشكر روسيا على المُبادرة التي تُجنبها خوض حرب عدوانية كبرى خاسرة.‏

الصراع لم ينته، ولن ينتهي، لم تُبدّل سورية ولن تُبدّل لا في مواقفها ولا في عزمها على استعادة المُحتل من أرضها إلى جانب التزامها المُطلق بالقضية الفلسطينية، وواضحٌ أنّ أميركا لم تُبدّل سياستها وتُبقي على انحيازها لإسرائيل ككيان إرهابي غاصب .. الصراعُ سيستمر، وجولاته القادمة قد تكون أشد قسوة، غير أنّ سورية ستُؤسس مع الحلفاء على انتصارها بالحرب والمواجهة الجارية مع الإرهاب والمنظومة الداعمة له، وعينها على الجولان وفلسطين.‏

#سفيربرس  ـ بقلم:  علي نصرالله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *