قصاصات مبعثرة لمهجّر “مابين كل بداية ونهايتها.. بداية ونهايات للكاتب وفيق أسعد …” بقلم : ماجدة البدر

#سفيربرس

وفيق أسعد:
كاتب من سورية، عضو اتحاد الكتاب العرب، فنان تشكيلي، له:
– لهاث / شعر/ ، انفجار الجلنار / شعر/، شظايا الجسد / قصص/، بروق /قصص قصيرة جداً، مبهورون بالباهت، /قصص/ نهنهات الشيح / قصص/، هدب الهيدب /قصص/، أنثى اللّون / شعر/.

مجموعة من الحروف المبعثرة، التي إذا جمعت شكلت كلمة عزيزة على قلبك، وعلى قلب كل من شرب من مائها، ونما وترعرع على أرضها، أمٌّ حنون، استقبلت أولادها وغيرهم واحتضنتهم بحنان، أحبت وأكرمت كل من عرفها وعاش فيها، أو حتى مرَّ فيها مرور الكرام، وحتى مرور اللئام، فلقد زرعت في قلبه الحب..
إنها [س،و،ر،ي،ة]، بلدنا الحبيب والغالي على قلوبنا.. هي أنثى جميلة تكالبت عليها الذئاب من كل حدب وصوب، ولم تسلم حتى من أذى ذوي القربى الذين حاولوا تقطيع أوصالها وتقاسم خيراتها وتهجير أهلها..
عاشت سورية فترة مزدهرة، اقتصادياً وفكرياً وسياسياً، حتى حلت عليها لعنة الربيع وماجرته من ويلات وآلام وتهجير وظلم.. هذا الألم الَّذي أزهر في قلوب الكتاب والأدباء حيث رصدَّ بعضهم أو معظمهم كتاباته لتصوير الأزمة السورية بكل دقائقها وتفاصيلها، تاريخياً وأدبياً وفكرياً واقتصادياً مستثمرين كل طاقاتهم الإبداعية لإيجاد كلمات تعبر عما يجري هناك بشكل دقيق، ذلك الأدب الذي ينهض من بين ركام الأنقاض والدمار رسم معاناة إنسان فقد بيته وأرضه ووطنه وعائلته بصدق فكاتبه عاش هذا الألم.
تبدأ هذه القصاصات رحلتها بداية طازجة صباح يوم الاثنين (30/12/2013)، حيث قام المسلحون (جبهة النصرة) باحتلال مدينة عدرا العمالية، بعد حصار دام عشرين يوماً بالتمام والكمال..
استطاع الكاتب من خلال هذه القصاصات أن يصور دقائق هذه الأيام بصدق منقطع النظير، لأنَّه عاشها يوماً إثر يوم، حتى القصاصة الأخيرة والتي تشكل وبشكل منفصل (قصة قصيرة) مكتملة العناصر، لخص من خلالها الكتاب، وأوجز أحداثه.
الإهداء
[إلى رفيق أسعد، إنساناً وأخاً وصديقاً، ورجلاً أنقذ خمس أرواح من التهجير] حيث استقبله وعانقه وطلب منه أن يقيم في (بيتنا) ولم يقل بيته الَّذي في ركن الدين، يخبئ مفتاح هذا البيت تحت (أصيص صغير تزهر فيه وردة فواحة العطر)
هذا المنزل الَّذي أقام فيه الكاتب بعد مغادرته منزله في (عدرا العمالية)، هو منزل كئيب، موحش، مظلم، مريض بالكاد يدخله الهواء، ولا تدخله الشمس أبداً، لكن الماء، ماء الفيجة يردّ الروح، وينعش الذاكرة، ويفرفح القلب. حار في الصيف، بارد في الشتاء، مظلم بالكاد يستطيع أن يرى الأشياء فيه، ميزة هذه الغرفة الوحيدة، هي الحب الَّذي يغمرها، والراحة والاطمئنان، إنها جميلة جداً ورائعة مثل نور ينبعث من الأعماق ليضيء أملاً خفياً، غرفة فيها جمال فتَّان، لا يكتشفه سوى مهجَّر…
في هذه الغرفة استطاع الكاتب أن يحبَّر هذه القصاصات، حيث العتمة وفيها يحلو البكاء.. وعلى ضوء الكاز الهزيل، الغصة تكبر حتى تسد مجاري التنفس، بوحٌ داخلي، وصوتٌ مخنوق، ينبعث من بين حروف هذه القصاصات، صفحات قليلة، أوجز من خلالها معظم الهم السوري ومعاناة المواطن مع ظروف الحرب والتهجير والحصار الظالم، انفجر الحلم وتكسر، وتناثر، مولداً حياة جديدة ولوحة جديدة صنعها من الشظايا، شظايا الأطفال، والرجال، والعصافير والنساء والنوافذ والبيوت، شظايا الحلم والأغنية، حتى إنَّ الحياة تحولت إلى رصاصة قتل، رحيل، بكاء حلو، ضحك مر، دخان، هروب، نار، نار، دماء، دماء، دماء..
العودة إلى الوضع السابق أمرٌ مستحيل..
حولت هذه الحرب الظالمة الإنسان إلى عبد، غريب، منهزم، مقهور، ليس له سوى الصمت ومجاملة من يكره، وكره من يحب إذا اضطر الأمر، مجرد من قناعاته، فقد قدرة الدفاع عن نفسه، العجز يسيطر على كافة قدراته، وهو لا يملك شيئاً سوى ذاته وأسرته، بعد أن فقد المكان، والزمان، وهو الآن في المكان المستعار، وفي الزمان المستعار، وبهذا يكون مستعاراً للزمكان المستعار..
الصبر هو سلاحه لتجاوز هذه الأزمة..
والسياسة السائدة كانت الكل ينفي الكل، الكل يذبح الكل، الكل ينهش الكل، الكل يحقر الكل، الكل يسرق الكل، الكل يُدين الكل.. المجتمع تحول إلى غابة، والدماء تملأ المكان والصرخات تتصاعد[يا الله أوقف هذه المهزلة]..
الوطن
الوطن لحاف كبير، كبير جداً.. وبإمكانه أن يدفئنا ويغطينا جميعاً ويزيد.. ولكننا لم نعرف كيف نتعامل معه، يجب أن يضحي بعضنا ويبرد، لينعم الآخرون بالحياة والدفء..
تحول الوطن في فلسفة الكاتب إلى [سرير بروكروست].. والإنسان من الداخل، أكثر تعاسة، وأكثر استمتاعاً بالحياة من أولئك الذين يشنون حرباً علينا، أولئك الذين لديهم خلل شديد في وظائف المخ، تظهر على هيئة اكتئاب عام لا يمكنهم مواجهته فيفضلون الخلاص عن طريق شن الحروب على من هم أكثر سعادة منهم..
الهم السائد هو تأمين أهم وأدق احتياجاته كإنسان، حتى تنتهي معاناته بموت الضمير.. الفصول مؤلمة وخصوصاً الشتاء تحت سماء التهجير .. ومع هذا الألم لا تخلو النصوص من حس الفكاهة، وخصوصاً القصاصة التي تصف طريقة الحصول البدائية على الخبز، وتبادل الألفاظ النابية بين المنتظرين.. وعدم تقبل الرأي الآخر ومحاربته بشراسة..
ولدت هذه الأزمة أدباء وفلاسفة وعلماء ومهندسين ووزراء وأطباء و.. و.. و… الكل يدعي العلمانية والثقافة والانفتاح والفكر ولكنهم في الواقع الملموس، لا يملكون سوى فكر عفن.. صار المثقفون فائضاً هزلياً، مات بعضهم غدراً، وقهراً، وجوعاً، وتشرداً.. والبعض انعطب وانعطف، وهُجر وهاجر، وذبح أو اختفى…. لم يبق منهم إلا القليل القليل الصامت والمراوغ، المحايد والـ…. نعم… تحولوا إلى مهرجين.. أما الأجمل منهم.. فقد كسر القلم وامتهن الأمل..
وتحول البشر إلى قطيع، إنَّه المنطق الذي ولدته هذه الحرب الشرسة.. بينما نرى الكاتب يغرق نفسه بالقراءة كي يستطيع الوصول إلى الطرف الآخر من هذه الحياة ..
أما ماجرته هذه الحرب على الإنسان العربي المهزوم المقهور من الداخل يلخصه الكاتب بهذه العبارات: [جعلتني الحرب أشعر بالموت ولا أحسّه، وكأنني كناري في قفص أغرّد لأمتِّع غيري، أمسيت مشحوناً بكآبة ينبعث منها أمل شحيح يضيء غربة أولادي، فيبدون كأنَّهم دمى تنتظر الحرق أو الذبح..].
كثيرٌ من الحزن.. كثيرٌ من الدموع. فنجان قهوة مرة تحت خيمة تنصب لمدة ثلاثة أيام ثم تُخلع وتطوى كما العمر..
آه لو أستطيع رسمك كما أشتهي..

فكاهة
[سألت شلة حشاشين عن هؤلاء.. قالوا بحزن: يخرب بيوتهم، خربوا بيوتنا، هم السبب في جعلنا نتعاطى الحشيش].
الألم يملأ عبارات وجمل هذه القصاصات.. حيث افترش البشر الصحف القديمة، والكراتين وعتبات أبواب المحلات المقفلة، أو تحت الجسور، وسقيفات الأسواق، يتمددون متيبِّسين، رجال، نساء، أطفال.. نائمون بلا أحلام يدعون الرب بوقف الحرب أو إلغاء فصل الشتاء الَّذي لا يرحم أمثالهم…
ولكننا في النهاية سنهزم هذه الحرب بنقائنا..
****
تميزت هذه القصاصات بتلخيص الألم بجمل إنشائية مكثفة، طغت فلسفة الكاتب على معظم أجوائها، وهي معبرة، صادقة، نابعة من قلب عاش الألم بحذافيره، وأثَّر فيه… وعلى الرغم من اليأس الَّذي يسود جو هذه المجموعة، إلا أن بصيص الأمل ينبعث في النهاية..
[سأبقى أضع أصص الزهور
على شفة النافذة..
فالزهور تجلب المطر والشمس والهواء..
وتطرد الحرب].. ص (141).

*قصاصات مبعثرة لمهجَّر – وفيق أسعد – إصدار دار أمل الجديدة
تقع المجموعة، في /142/ صفحة من القطع الصغير..

#سفيربرس _ بقلم:  ماجدة البدر 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *