تجليات خطاب العشق فِيْ شعر الشاعر الكبير توفيق أحمد حارس الحبق

#سفيربرس _ إعداد: ماجدة البدر

عانى العديد من النقاد والأدباء فِيْ تفسير ظاهرة العشق والحب، لأنَّ الكلام فِيْ الحب هُوَ البحث عن الفردوس المفقود، الَّذِيْ يعطي الحياة معنى وجمالية، ومن هنا يأخذ هَذَا الخطاب قيمته وديمومته، كَمَا أنَّهم أدركوا ذَلِكَ الخفاء الَّذِيْ يلفه، ومن هنا تأتي الإغواءات المتجددة فِيْ هَذَا الموضوع، إِنَّهَا محاولة قبض الماء، أو محاولة اللحاق بالسراب أو رغبة فِيْ العيش فِيْ الحلم الجميل، لذلك فهي محفوفة دوماً بالصواب والخطأ حالها كحال أية قراءة نقدية..
تعدُّ أية تجربة شعرية قدمت منجزها الشعري تجربة تستحق العناية النقدية، بَلْ ربما تصبح القراءة النقدية واجبة، لاسيما أنَّ النقد قَدْ أهمل دراسة الكثير من التجارب الشعرية السورية وانحاز إِلَى دراسة الظواهر النقدية عامة.. وبما أنَّ أي تجربة شعرية امتدت على مسار طويل تستحق من النقد وقفة مفصلة معها تبين قيمتها وتضعها فِيْ مسارها فِيْ حركة شعر الحداثة فِيْ سورية، وذلك باتباع منهج نقدي علمي بعيد عن التقريض والمديح، يسعى إِلَى أن يعتمد لغة علمية موضوعية، ويتخذ من صدور الأعمال الشعرية للشاعر مسوّغاً نقدياً آخر للدراسة والنقد.. ولذلك يستحق الشاعر توفيق أحمد، كتجربة شعرية وقفات نقدية مطولة .. ولكن لماذا (خطاب العشق)؟!..
لأنَّه لاَ تكاد تخلو قصيدة من قصائد الشاعر توفيق أحمد من الاحتفاء بهذا المتمنع الَّذِيْ يقال إِنَّهُ العشق أو الحب، فحينما نتحدث عنه كظاهرة ذات مستويات من حَيْثُ الأهداف والحوافز والخصائص، فإنما نتحدث عنه بوصفه : خطاب احتفلت بِهِ الثقافة العربية فِيْ عصورها المختلفة والثقافات العالمية، إِنَّهُ ظاهرة تضرب فِيْ العمق النفسي والتاريخي للإنسان، والدليل على ذَلِكَ حضورها فِيْ كُلّ الإبداعات الفنية والأدبية وأنماط السلوك والتفكير عند الكائن البشري، إِنَّهُ آلية تفكير فِيْ التعامل مَعَ موجودات الكون وكائناته.. ويمكن القول إن لغة الحب ومنطقه كانا حاضرين بقوة عند توفيق أحمد..
يحفل الخطاب الشعري عنده بإشارات نصية عديدة تنقل الغبطة والفرح الموعود بجمالية هَذِهِ العاطفة، فتحكي كُلّ نصوصه صبوة هَذَا العاشق وتمسكه بمباهج الحياة المشتهاة فتحضر هَذِهِ الثنائية المتضادة من خلال إحساس تراجيدي يلازم المبدع ويشعره بغربته عن محيطه فيقاوم بشعره وحبه وعشقه قبح الحياة من خلال السعي لتقوية الإحساس بمفهوم الجمال الَّذِيْ تكون ثمرته الحب والعشق..
وكان للدكتور هايل محمد الطالب وقفات مطولة فِيْ دواوين الشاعر توفيق أحمد، مِمَّا أثمر عن كتاب نقدي مهم جداً يثري المكتبة العربية، وهو دراسة لظاهرة شعرية كَاْنَ لَهَا الأثر والدور الكبيرين فِيْ الحركة الشعرية الحديثة وهو الشاعر توفيق أحمد، من خلال كتابه: (حارس الحبق، تجليات خطاب العشق فِيْ شعر توفيق أحمد)..
فِيْ البداية توقف د.هايل عند مقولات الخطاب العشقي وجزئياته كَمَا تجلت فِيْ شعر توفيق أحمد، ولنبدأ بمفهوم السكر والخمر، فَهُوَ يرى أن الشاعر يصف العشق والهيام بالمحبوب والسكر فِيْ حبه بخمر يغيب من شربها عن وعيه وإحساسه، فيستعير مَا للخمر من آثار وصفات دلالية يسم بِهَا عشقه وَمَا يفعل بِهِ، ويلح على القيمة الفنية للخمر، كلفظة ذات غنى دلالي تجلب الإثارة وتجعل النفس تواقة إِلَى كُلّ مَا هو نفيس، فتكون الخمر فِيْ شعره دواء لِكُلِّ داء نفسي، وهي وسيلة للتسلي من الهم النفسي والفكري، أَمَّا وظيفتها الجمالية، فهي تثير حاسة البصر نتيجة التشكيلات الدلالية التي يصوغها الشاعر، بالإضافة إِلَى مَا تثيره الخمرة من وهج دلالي، لِكُلِّ مَا هو خارج عن الخمر فِيْ حد ذاتها لكنها تكون مسببة لَهُ..
لاَ تخلو قصيدة فِيْ شعر توفيق أحمد من مقولة النشوة والسكر، وهي عنصر تكويني فِيْ بناء النص، كَمَا تحضر فِيْ لبوس مجازي حَيْثُ يستعير الخمر ومفرداتها لاستعمالات أخرى، تتداخل فِيْ هَذَا الخطاب الدلالات الحسية بالدلالات المعنوية، و(خمرة الصدر عتّقيها فإني/ أفتح العمر بالخمور العتاق
وافرشي الليل كله بالحكايا / يسكر الليل من حكايا الرفاق).
ونراه فِيْ قصيدة أخرى يَقُوْلُ:
(شلّعتني أطفأت بي نهمي / وسكنتني كالغمز فِيْ الهدب
مَاذَا يريدُ السكر يا امرأة/ غير الَّذِيْ عتّقت من عنب).
يزاوج الشاعر فِيْ قصيدة أخرى بَيْنَ الذات الشاعرة والشفتين:
(شفتان أعرف أنَّ خمرهما / يحتاج أحياناً إِلَى عنبي)
كَمَا يحضر الخمر كعنصر جمالي ، وظيفته تحقيق النشوة الروحية، فكل الكلمات المكونة للقصيدة مبعثها حالة عشق تولّدها الحبيبة..
(لاَ مفردات كلامها تصحو / لتدرك مَا تخبئه من المعنى)
يميل الشاعر توفيق أحمد فِيْ كثير من قصائد الحب إِلَى النهايات الخمرية:
(فيا صدرها حسبي من الدهر كله / بقية يَوْمَ فَوْقَ رابية الصدر
نعيش معاً فِيْ كُلّ يومٍ وليلة / ونسكر حَتَّى لاَ يفيق من السكر).
فموقع النهاية الخمرية فِيْ القصيدة العشقية هِيَ الانطباع الأخير الَّذِيْ يخلفه النص فِيْ نفس متلقيه.
أَمَّا فكرة الحب والسمو عند توفيق أحمد فهي تبدأ بالإشراق الَّذِيْ يحققه حضور الحبيبة، فيكون المعراج بالحب عبر حصان مجازي هُوَ الوهج الروحي ووسيلة التحليق المجازية للسمو بحالة الحب إِلَى آفاق قصية..
وتحضر مقولة الشهوة الحسية فِيْ أشكال مختلفة إِذْ يَقُوْلُ:
(خمرة الصدر عتّقيها فإني / أفتح العمر بالخمور العتاق).
فمقولة الشهوة تظهر من اقتران العشق بالصدر والخمر معاً، كَمَا أنَّ الشاعر يوظف الألفاظ المرتبطة بالحقل الجنسي فيختار الكلمات بعناية فلا يسف فِيْ معجمه، إنما يبقيه فِيْ الإطار الشفاف الَّذِيْ يشي ويوحي أكثر مِمَّا يصرح، وبذلك يكون المعجم الماجن معتمداً على أسلوب الخفاء والمجاز..
وَقَدْ أولع الشاعر بوصف العيون، فتكاد لاَ تخلو قصيدة من قصائده مِنْهَا.. ولع الشاعر بهذه اللفظة ومركزيتها فِيْ معجمه جعلاه يكرر هَذِهِ اللفظة فِيْ مطالع قصائده مِمَّا أوقع تِلْكَ المطالع بالتشابه من ناحية التكنيك الفني، وأسلوبية التعبير، فَهُوَ يَقُوْلُ:
(ألستُ بعينيك أشعلت فِيْ الشرارة / وبالأمسيات الخضيلات)
وفـي قصيدة أخرى:
(هَلْ لعينيك فِيْ المدى من رفاق / تجمعان العشاق بالعشاق).
(مازلت أذكر عينها التفتت/ نحوي وطوّق خصرها زندي)
فالعينان رمز أزلي للألم المحبب عند الشعراء: إِذْ يَقُوْلُ:
(أبحث الدهر عن تجن لطيف / غير عينيك جانياً لاَ ألاقي.. )
وتأتي العين ملاذاً مسيطراً فِيْ خطاب العشق ويقول فِيْ قصيدة أخرى:
(وصرت إِذَا امتحنتُ بأي عشقٍ/ إِلَى عينيكِ يأخذني سبيلي).
بَلْ قَدْ تكون العيون عنواناً لموت الشاعر:
(ولي عيناك أقسم لست أدري/ مَتَى بهما أَنَا أنهي مصيري).
ارتكز فضاء الخطاب الشعري عند الشاعر توفيق أحمد فِيْ معظم قصائده على (التضاد)، وكان ميزة أسلوبية أولع بِهَا وتبرز ثنائيات أثيرة لديه فِيْ تشكيل الرؤى الفنية ومن أهمها: (ثنائية اليباس / الإيناع) إِذْ يقول:
(فماذا يضيرُ التدلّه فِيْ الخافق الغصن / لَوْ راح يشعل وصلاً جديداً
ويلقي على يابسات المساحات فِيْ النفس / يلقي اخضراره).
فالنار الشهوانية المجازية، تأخذ فعل الماء عبر اكتسابها قدرات خاصة تتمثل فِيْ تحويل اليباس / الحنين / الجنسي للجسد/ إِلَى اخضرار دائم.
أَمَّا النص الشعري عنده فَهُوَ مغامرة عشقية ماجنة، اعتمدت الإطار التقليدي للمغامرة العشقية فِيْ بعض القصائد، التي يحتكر فِيْهَا المعشوق الخطاب الشعري، فيصبح بطلاً دنجوانياً وإن امتطى فرسه التراثي كوسيلة لبلوغ المعنى:
إِذْ يَقُوْلُ: (ولما كنتُ وحدي يا صديقي / سألن عليك ربّاتُ البريق
أَنَا فردٌ وهنّ عليَّ جمع / وَلاَ من مخرج أو من مضيق).
يتحول النص إِلَى مغامرة عشقية ماجنة، وفعل جنسي متحقق، لإظهار صوت العاشق، وصوت العشيقة وإغواءات الفعل الجنسي، إِذْ يَقُوْلُ:
(ألستُ بعينيك أشعلتُ فيَّ الشرارة / وبالأمسيات الخضيلات
داعبت أمواج عشقي/ أزحت عن النافرين الصبيين / تِلْكَ الستاره).
تتحول الأفعى إِلَى رمز جنسي بامتياز، فيستعير فحيحها للموعد، وهو إضفاء جنسي عالي التوتر :
(تفح المواعيد / لاَ تستحي، هلمّي، وخلي شحوبك يندى /
يسلم للوهج فِيْ أضلعي الآبقات انهياره).
أَمَّا اللحظة العشقية، فهي غير متحققة إِلَّا فِيْ الذاكرة، لذلك يكتسب المعشوق فِيْهَا قيمته من حضوره الجمالي المسيطر على ذاكرة الذات العاشقة، فيكتسب المعشوق سيطرة زمانية متمثلة فِيْ الحياة الدائمة، يقول الشاعر :
(أحاول أن أراك وَلَوْ خيالاً / بذاكرة الزمان المستحيل
أتمنعني بِأَنَّ أشتاق حسبي/ بِأَنَّ أبقى أسيرُ بلا وصول)
أَمَّا الاحتفاء بالموعد وباللقاء عند توفيق أحمد، دوماً مقترن بالخوف من الفراق:
(لحظة الوعد يا حبيبة أخشى / بعد حين من لحظة الافتراق
مالنا والزمان نهرب مِنْهُ/ هُوَ للعمر مسرف فِيْ التلاقي).
ويتحول الشوق إِلَى محرق مولد لدلالات النص بتفرعاتها المختلفة المرتبطة بالحبيبة، إِذْ يَقُوْلُ:
(هِيَ لَمْ تكن عندي الأخيرة/ لحظة احتدمت رغاب الروح
وانهدمت قلاع حيائنا / وخلعت عن نعماكِ أوهام التمنع
صرتِ منديلاً رخيّاً شاسع اللذات / أخصب من نداه الأنثوي
جفاف أروقة المكان).
والشاعر مسافر فِيْ النشوة بصحبة الحبيبة بحثاً عن لغز المعنى الَّذِيْ لاَ يكتشفه إِلَّا الشعراء: إِذْ يَقُوْلُ:
(لاَ خوف على من يحمل فِيْ خافقه الدنيا مكتشفاً لغزَ الآفاق
فالأجمل فِيْ أسفار العاشق أن يتبنى فِيْ رحلة نشوته
أمطار الوصل وأوجاع الإخفاق
لاَ توجد فِيْ الدنيا امرأةً إِلَّا مَا يندر يحكمها ميثاق).
وتبقى الحكمة الشعرية ضالة الشاعر، تحكم أسفاره العشقية والجمالية..
(تجليات خطاب العشق فِيْ شعر توفيق أحمد) ، كتابٌ مهمٌ ، وهو ثمرة عمل استغرق سنوات طويلة من المؤلف، د.هايل محمد الطالب، قدم فِيْهِ دراسة أكاديمية مفصلة تناول من خلالها مفهوم العشق وتفرعاته وأساليبه كافة فِيْ شعر توفيق أحمد مستشهداً بالأمثلة المستمدة من دواوينه.
يقع الكتاب فِيْ /224/ صفحة من القطع الكبير، وهو من إصدارات وزارة الثقافة / الهيئة العامة للكتاب.

#سفيربرس _ إعداد: ماجدة البدر

 

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة