دور السعودية في رسم ملامح الاستقرار في سورية.. بقلم : نورهان كردي
#سفيربرس
المجتمع الدولي يدعم حالة الاستقرار في سورية
على إثر المبادرات الأمريكية والدولية في رفع العقوبات عن سورية وإعادة دمجها في المجتمع الدولي وبناءً على الدعم الكبير المقدم للحكومة السورية بكافة المجالات حتى لو كان مشروطاً، يبدو بأن مشاريع التقسيم والاقتتال الداخلي في سورية قد اضمحلت وانتهت أمام رغبة واشنطن في إقامة حالة من السلام والاستقرار في المنطقة، وذلك للتفرغ لمعركتها القادمة مع الصين في شرق آسيا، وأمام عدم قدرة المجتمع الدولي والإقليمي على تحمل تكاليف انفجار صراع جديد في المنطقة من الناحية الأمنية أو كأزمة لاجئين جديدة تغزو العالم.
في إطار طرح واشنطن “لمبدأ أمريكا أولاً”، واستراتيجيتها في عدم استنزاف قدراتها العسكرية في الخارج في معركة ليست معركتها، وتحميل الدول مسؤولية حل مشكلاتها الخاصة بنفسها، فهي تبحث عن شريك إقليمي يقود المسار، ويضمن الاستقرار وفق الرؤيا الأمريكية وبدعم منها.
ولهذا السبب، تكتسب السعودية مكانةً خاصةً في نظر المجتمع الدولي، فهي قادرة على فتح قنوات مع مختلف الأطراف السورية، وتملك علاقات فعالة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، والأهم أنها تحظى بقبول وشرعية في الداخل السوري بصفتها الدولة العربية والإسلامية الأكبر.
مصالح السعودية في دعم الاستقرار في سورية
تتمتع السعودية اليوم بفرصة استراتيجية لتحقيق طموحاتها الإقليمية بعد سقوط النظام في سورية، وانكفاء المشروع الإيراني المنافس، وبعد استثمارها على مدى سنوات طويلة في دعم الثورة السورية، تسعى المملكة لإعادة سورية إلى الحضن العربي مما سيقدم لها مجموعة من الامتيازات وسيحقق لها مجموعة من المصالح الاستراتيجية.
فالرياض تدرك أن استقرار دمشق هو بوابة استقرار المشرق العربي كله، وأن بقاء سورية في دوامة الفوضى يعني استمرار تصدير الأزمات إلى الجوار من لبنان إلى العراق إلى الأردن.
كما أن إعادة سورية إلى الصف العربي تُضعف أوراق خصوم السعودية في المنطقة كإيران وتركيا، وتُعيد الأمل في بناء نظام إقليمي عربي بقيادة الرياض. والأهم من ذلك هو أن المملكة ترى في سورية المستقرة شريكاً اقتصادياً شديد الأهمية في مشاريع إعادة الإعمار، وحتى في ممرات الطاقة والتجارة الإقليمية والعالمية، كون سورية هي صلة الوصل بين الخليج العربي وأوروبا.
المشروع السعودي في مواجهة القوى الإقليمية الأخرى
بالنظر إلى سقوط مشروع طهران الذي استثمر لعقود في دمشق كجزء من “محور المقاومة”، وسبّب القلاقل والنزاعات في المنطقة العربية، وعدم إقناع المشروع التركي غير المرغوب فيه من قبل غالبية العرب ومن قبل إسرائيل التي استهدفت التواجد العسكري التركي داخل الأراضي السورية في لحظات وجوده الأولى، في رسالة واضحة منها بأنها ترفض أن تتحول سورية من جديد إلى قاعدة عسكرية متقدمة تهدد الأمن الإسرائيلي.
هنا تطرح المملكة العربية السعودية بصفتها القوة الإقليمية العربية الأكبر، مشروعها الراعي لحل سياسي يحفظ وحدة الدولة السورية، ويعيدها إلى الحضن العربي، بعيداً عن الانقسامات وعن الأجندات الإيرانية والتركية، حيث سارعت السعودية إلى ملء الفراغ الذي تركته الميليشيات الإيرانية في سورية وإلى دعم ترتيبات أمنية عربية في الجنوب، وعملت على دعم التوجهات الأكثر اعتدالاً في الحكومة السورية الجديدة، ففي ظل طرح تركيا لنفسها على أنها دولة داعمة لحركات الإسلام السياسي في المنطقة يظهر الخطاب السعودي المعتدل والأكثر انفتاحاً وقبولاً من الناحية الدولية والداخلية في سورية، فتعمل الرياض على احتواء النفوذ التركي عبر تقديم بدائل اقتصادية، ودعم مبادرات دولية تقيّد النفوذ العسكري الخارجي داخل سورية.
تحفظات بعض الدول على الدور السعودي في سورية:
رغم أن كثيراً من الدول العربية تؤيد الدور السعودي في سورية، كمصر التي تدعم الاستقرار السوري، وترحّب بأي مساعٍ عربية تُنهي حالة الاضطراب الموجودة، حيث تعمل القاهرة على خلق حالة من التوازن والتشاور العربي فيما يخص الشأن السوري، إلا أن الدور القيادي السعودي يسبب حساسية لدى دول أخرى مثل قطر، التي تخشى من أن يؤدي النفوذ السعودي في سورية إلى إقصاء القوى السياسية المدعومة من قبلها وبالتالي إبعادها عن المشهد السوري أو إلى إعادة تأهيل شخصيات عسكرية مرتبطة بالنظام السوري السابق، وأعتقد بأن لعبة توازن القوى سوف تفرض نفسها في المنطقة ولا غنى عن وجود قيادة عربية واضحة فعلى دول الخليج أن تسعى إلى الالتقاء عن طريق الحوار والتركيز على المصالح المشتركة والتعاون باستخدام أوراق القوة العربية المتنوعة لفرض حالة الاستقرار في سورية وفرض إرادتها في تحجيم تنامي النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
الدور السعودي في كبح جماح التمدد الاسرائيلي
بالرغم من التقاطعات غير المعلنة في السياسات السعودية الإسرائيلية في إدارة المرحلة الانتقالية في سورية ضد كل من النفوذ الإيراني والتركي، إلا أن السعودية تعمل بشكل حثيث وباستخدام الوسائل السياسية والدبلوماسية على إضعاف مبررات التدخل الإسرائيلي، عبر تفكيك المحور الإيراني الذي طالما استخدمته تل أبيب ذريعةً لتحركاتها. والدفع بترتيبات أمنية عربية دولية في الجنوب السوري. كما تعمل بجهود مكثفة على التنسيق مع واشنطن والأوروبيين لفرض خطوط حمراء تحد من حرية إسرائيل في استخدام الأجواء السورية كساحة مفتوحة بالإضافة إلى ذلك تعمل السعودية على لعب دور الوساطة بالتشارك مع قطر والإمارات العربية المتحدة للتوصل إلى اتفاق أمني جديد بين سورية وإسرائيل يكرس السلام والاستقرار في المنطقة.
السعودية القوة العربية الأكبر ترسم معالم الاستقرار في سورية
أرى بأن المشروع السعودي في سورية يظهر كمشروع عربي أكثر اعتدالاً وتوازناً وأكثر قدرة على تأمين حالة من الاستقرار في سورية من خلال تحويلها إلى قاعدة اقتصادية آمنة تربط الشرق بالغرب بعيداً عن صراعات النفوذ الإقليمية فعلى عكس مشاريع التوسع والتدخل المباشر التي تنتهجها بعض القوى الإقليمية، تعتمد السعودية سياسة تقوم على الشراكة مع القوى الوطنية، ودعم المؤسسات، وتمكين المجتمعات المحلية من استعادة دورها، كما تدعم إعادة توحيد الأراضي السورية بشكل كامل من خلال دعم التسويات بين جميع الأطراف في الداخل السوري ولاسيما الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سورية الديموقراطية التي تمتلك علاقات مميزة مع المملكة العربية السعودية. هذا النموذج الذي تدعمه السعودية والذي يبدو بأنه الأكثر قدرة على الوصول بسورية إلى حالة الاستقرار، جعل المملكة العربية السعودية تحظى بقبول متزايد في الداخل السوري، وأرى بأن المملكة تبدو أقرب من أي وقت مضى إلى دور “القوة العربية الأولى” والإقليمية الأكثر تأثيراً في المنطقة، القادرة على صياغة التوازنات، وإعادة ترتيب المشهد الإقليمي على أسس أكثر عدالة وسيادة وباستخدام الأساليب السياسية والدبلوماسية.
#سفيربرس _ بقلم : نورهان كردي، صحفية وباحثة في الشأن السياسي والاقتصاد



