خراف بانورج وفانز السوشيال ميديا.. بقلم : محمد عفيف القرفان
#سفيربرس _ الكويت
خراف بانورج من أشهر الأمثلة الرمزية في الأدب الأوروبي، فقد وردت في الجزء الثالث من رواية “غارغانتوا وبانتاغرويل” للكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه، وأما ملخص القصة فهي أن بانورج كان مسافراً في رحلة بحرية ونشب خلاف على ظهر السفينة بينه وبين تاجر خراف غليظ الطباع يدعى “دندينو”
أراد بانورج أن يستفز التاجر، فساومه على شراء خروفٍ واحدٍ فقط، وألحّ في المساومة بشكل ساخر حتى أغضب التاجر. بعد أن اشترى الخروف، قام فورًا برميه في البحر، فبدأ الخروف المسكين بالثغاء والغرق، فاندفعت باقي الخراف – بحكم غريزتها القوية في التقليد – لتتبع الخروف إلى البحر، وقفزت واحدة تلو الأخرى، حتى غرقت كلها.
إن رمزية هذه القصة تتمثل في التبعية العمياء التي يقوم فيها البعض بالوثوق بشكل أعمى بشخص ما، فيقوم باتباع خطواته دون أن يتأكد ما إذا كان في المسار الصحيح، فيتعرض للهلاك نتيجة هذه التبعية العمياء.
لست أتحدث هنا فقط عما يسمى بمشاهير السوشيال ميديا، ولكن عن كل شخص يقوم بالتصدر لأمر حتى لو كان متابعوه يعدون على أصابع اليد الواحدة؛ إذ طالما تصدر شخص ليقود الناس في أمر ما، عليه أن يعلم أن عليه مسئولية اتباع الناس لما يقول أو يفعل. ثم زِد على ذلك بعض مخرجات الذكاء الاصطناعي من ألعاب وبرامج مؤتمتة وتطبيقات باتت تقود الكثير من الشباب والمراهقين للقيام بأفعال تعرض من يتبعونها للخطر وسوء العاقبة، وليس الاحتيال الإلكتروني سوى غيض من فيض على ما يجري.
في ظل عدم الوعي والتحصين الفكري المناسب ستكثر خراف بانورج على مواقع السوشيال ميديا، وسيكون من السهل على من لديهم متابعين أن يقودوهم إلى حيث يريدون، وقد شاهدنا كثيراً كيف استطاع المؤثرون جر متابعيهم إلى اهتمامات وتوجهات وإعلانات أيضاً. إنها التبعية العمياء التي ينساق لها كثيرون دون تفكير، حيث يساقون إلى مسارات تناسب المؤثر وتوجهاته سواء السياسية أو الاجتماعية أو الدينية أو الاقتصادية أو غيرها من الاهتمامات التي تشد المتابعين.
في الأمس القريب كان الإعلام الرسمي هو الذي يقوم بهذا الدور ولا يزال ولكن بتأثير أقل، بسبب توفر بدائل عديدة وعلى جميع المستويات. ربما كانت الأمور أكثر انضباطاً في ظل سيطرة الإعلام التقليدي الرسمي ولم تكن تخلو من خراف بانورج على كل حال، ولكن كانت الأمور تحت السيطرة إلى حد جيد؛ أما اليوم وفي ظل الانتشار الكبير للمؤثرين على مواقع التواصل المختلفة والمتعددة، غاب الانضباط وتراجعت القيم وأصبح المؤثّر يؤْثِر مصالحه الشخصية الضيقة -إلا ما رحم ربي- على حساب القيم. لا يوجد ما يضمن قدرة المتابعين على تقدير ما يصلح أو لا يصلح، فالمؤثّر في المجال السياسي صار لديه جمهور يوجّهه حسب قناعاته وأهوائه، وقس على ذلك المؤثر الديني والمؤثر الاقتصادي وغيرهم.
حتى نراهن على وعي الناس في اختيار المناسب، لا بد من التوعية المستمرة والتحصين الممنهج ضد من يقومون بالتأثير في الآخرين على طريقة بانورج؛ ولكي نضمن عدم انجرار النشء وراء عبث السوشيال ميديا، نحتاج إلى تحصينه وحمايته عن طريق المبادرات الرسمية وغير الرسمية للحد من التأثير السلبي الذي يضرب في كل مكان.
#سفيربرس _ الكويت_بقلم : محمد عفيف القرفان
#المدرب_المايسترو
#خراف_بانورج
#سوشيال_ميديا
#التبعية_العمياء


