إعلان
إعلان

الإعلام المعرفي… بين عقلانية المفكر وسحر المؤثر.. بقلم : حسين الإبراهيم  

#سفيربرس

إعلان

1. هل نفكر حقًا قبل أن نُصدق أو نرفض ما نراه ونسمعه في الإعلام؟

2. ما هو الفرق بين عقلانية المفكر وسحر المؤثر في تشكيل وعي الجمهور؟

3. كيف يؤثر الإعلام المعرفي في قدراتنا على التمييز بين الحقيقة والتحيز؟

4. لماذا أصبح التفكير النقدي ضرورة حتمية في عالم يعج بالمعلومات والتأثيرات الرقمية؟

عندما تختلط الحقيقة بالأوهام، يتشابك الإعلام التقليدي مع ظاهرة المؤثرين والإعلام الجديد وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، يصبح التفكير النقدي مهارة ضرورية وحاسمة للمواطن والمتلقي الإعلامي.

مع تدفق الإعلام بموجات لا تنقطع، وتنوع المصادر وتسارع الأحداث، تتشابك المعلومات وتتسارع الأحداث، وهنا يبرز مصطلح “الإعلام المعرفي” كأفق جديد لفهم دور الإعلام في نقل المعرفة وصياغة الوعي. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار والمعلومات، بل هو أداة بناء معرفي تسهم في تشكيل أفكار الجماهير وتوجيه مواقفها، مما يضع على عاتق المتلقي تحديًا مضاعفًا: ليس فقط أن يتلقى البيان بل أن يفهمه ويُقيّمه بعقلانية نقدية.

هذا التوجه هو جوهر ما نتحدث عنه في هذا المقال، إذ نجد أنفسنا أمام تناقض بين “عقلانية المفكر”، التي تسعى لتحليل وفهم دقيق للمعلومات، و”سحر المؤثر”، الذي يستغل التأثير العاطفي والاجتماعي لنقل الرسائل بسرعة وشعبية. هنا يصبح الإعلام المعرفي ضرورة حيوية، وحصنًا لمجتمعات تحتاج لأن تكون عاقلة، ناقدة، وقادرة على مواجهة تحديات عصر المعلومات المتغيرة بسرعة.

أدوار التفكير وتأثيرها في استقبال الإعلام

لفهم كيفية تفاعل الأفراد مع وسائل الإعلام المختلفة، يمكن الاستعانة بنموذج أدوار التفكير الذي قدمه الباحث الأميركي “آدم غرانت”، حيث حدد أربعة أدوار رئيسية: العالِم، الواعظ، القاضي، والسياسي. وهي تعكس أنماطًا مختلفة من التفكير والتلقي، تؤثر بعمق في كيفية استقبال المحتوى الإعلامي وتفسيره.

يتسم العالِم بالموضوعية والتحليل المنهجي، حيث يسعى للتثبت من المعلومات والبحث عن الأدلة لتكوين رأي مدعوم.

مثال عملي على هذا الدور هو الجمهور الذي يقرأ تقارير إخبارية علمية أو تحقيقات استقصائية من مصادر موثوقة، مثل تقارير وكالة الأنباء الدولية أو المقالات في المجلات العلمية، فيبحث القارئ في التفاصيل ويفحص البيانات بدقة قبل تبني موقف.

في المقابل، يركز الواعظ على البعد الأخلاقي والقيمي، متأثرًا بالمبادئ والمعتقدات، مما قد يؤدي إلى تلقي أقل نقدية للرسائل التي تتماشى مع قناعاته.

كمثال على ذلك جماهير البرامج أو الخطابات التي تركز على القيم المجتمعية، حيث يُقبل المحتوى بسهولة ويُعاد تداوله لدعم المبادئ التي يؤمنون بها.

أما القاضي، فهو الناقد الصارم الذي يصدر أحكامًا سريعة تقييمًا للمعلومات بناءً على تجربته وقناعاته، وقد ينبذ أو يرفض وجهات النظر المخالفة دون إعادة تقييمها.

في الحياة الإعلامية، نراه لدى المتابعين الذين يرفضون تقارير إخبارية أو استطلاعات رأي تتعارض مع انتماءاتهم السياسية أو الأيديولوجية، ما يؤدي إلى تشظي الرأي العام ووجود فقاعات إعلامية مغلقة.

أخيرًا، السياسي هو المتفاوض الذي يستخدم الإعلام كأداة لتحقيق أهدافه، من خلال توجيه الرسائل وتشكيل السرد بما يخدم مصالحه أو مصالح جماعته. مثال حي هو استخدام القادة السياسيين وفرقهم الإعلامية لوسائل التواصل الاجتماعي لبناء حملات دعائية أو تنفيذ “حروب إعلامية” تؤثر على الرأي العام بفعالية واضحة.

تأثير الإعلام على التفكير النقدي

الإعلام هو ساحة معقدة تتشابك فيها عوامل معرفية وعاطفية واجتماعية تؤثر على قدرة المتلقي على ممارسة التفكير النقدي بفعالية. فالرسالة الإعلامية ليست مجرد محتوى يُنقل، بل هي منظومة متكاملة تتضمن من يرسمها، والغاية منها، وطرق عرضها، بالإضافة إلى طبيعة المتلقي نفسه.

في أكثر الأحيان، يكون الإعلام أداة قوية لتعزيز التفكير النقدي، خاصة عندما يُقدم المحتوى بأسلوب شفّاف وموضوعي، ويشجع المتلقي على طرح الأسئلة مثل: ما مصدر هذه المعلومة؟ ما الهدف من نشرها؟ هل ثمة تقارير أو آراء مخالفة؟ هذه الأسئلة الأساسية تمكّن الجمهور من مراجعة المعلومات قبل قراراتهم ومواقفهم.

لكن الإعلام قد يكون أيضًا معول هدم للتفكير النقدي في حال اعتمد على إثارة العواطف بشكل مبالغ فيه، أو استغل أساليب الإعلام الترفيهي لإخفاء الرسالة الحقيقية وراء التسلية. مثال على ذلك انتشار الفيديوهات القصيرة على منصات التواصل التي تحمل رسائل مبسطة، لكنها قد تحتوي على تحيزات أو معلومات مغلوطة، ما يحد من قدرة المتلقي على التدقيق والتقييم.

المؤثرون والإعلام الجديد

مع صعود منصات التواصل الاجتماعي الحديثة مثل تيك توك، يوتيوب، والبودكاست، ظهر جيل جديد من المؤثرين الذين باتوا يمثلون وجه الإعلام الحديث. هؤلاء المؤثرون يملكون القدرة على خلق تواصل مباشر وعاطفي مع جمهورهم، مما يمنحهم سلطة وتأثيرًا لا يستهان به في تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك الجماهيري.

يتميز المؤثرون بقدرتهم على توظيف أدوات الإعلام الرقمي – مثل الفيديوهات القصيرة، البث الحي، والحوارات الممتدة – لصياغة رسائل إعلامية تحمل في طياتها “سحراً” يجذب الجمهور ويثير تفاعله.

على سبيل المثال، الفيديوهات القصيرة على تيك توك التي تنتشر بسرعة كبيرة، قد تقدم محتوى تعليميًا أو توعويًا بأسلوب بسيط وجذاب، لكنها في الوقت نفسه تشكل تحديًا لدقة المعلومات، إذ يندر توفر التدقيق الاحترافي في مثل هذا النوع من المحتوى.

في يوتيوب، تُعَبّر القنوات المتخصصة في التحليل، العلوم، والسياسة عن تحول في كيفية استهلاك الإعلام، حيث تسعى بعض القنوات لتقديم محتوى معمق وموثوق يستقطب جمهورًا متعطشًا للمعلومات، في حين يستغل البعض الآخر المنصة لنشر محتوى تحريفي أو مغالط، مستخدمين تأثيرهم في التعبير عن مواقف شخصية أو أيديولوجية.

أما البودكاست فيمثل ظاهرة تُدمج بين الإعلام التقليدي والرقمي، مقدمة منصة للحوار المكثف والموثوق حول قضايا معقدة رغم كونها شخصية الطابع. ومع ذلك، يظل المحتوى عرضة للانحيازات وعدم التحقق، مما يبرز الحاجة إلى وعي رقمي نقدي لدى المستمعين.

يشكّل الإعلام الجديد تحديًا وفرصة في نفس الوقت. تحدٍ لأن سرعة وانتشار المحتوى قد تفوق قدرة الجمهور على التحليل والتقييم السليم، وفرصة لأنه يتيح مجالًا أوسع للتنوع والمشاركة الحقيقية. لذلك، أصبحت ضرورة تطوير مهارات التفكير النقدي الرقمي أكثر إلحاحًا، لتجهيز الجمهور بالأدوات اللازمة للتمييز بين الحقائق والمغالطات، والتفاعل مع المؤثرين بمسؤولية ووعي.

الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز النقدية الإعلامية

بات الذكاء الاصطناعي أداةً محورية في محاولة مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه التفكير النقدي، خصوصًا تقليل التحيزات الإعلامية وانتشار المعلومات المضللة. وتعتمد هذه التقنيات على تحليل كمٍّ هائل من البيانات بسرعة ودقة تفوق القدرة البشرية، مما يفتح آفاقًا جديدة لضمان تقديم محتوى إعلامي أكثر موضوعية وإنصافًا.

أحد الاستخدامات الأساسية للذكاء الاصطناعي هو تحليل ورصد التحيزات في محتوى الأخبار وخوارزميات التوزيع الإعلامي. تقنيات مثل معالجة اللغة الطبيعية وتقنيات التعلم العميق تسمح بفحص المقالات والمنشورات للكشف عن التحيزات اللغوية، التكرار المفرط للرسائل، أو التهميش المتعمد لبعض المصادر والأفكار. هذا النوع من التحليل يدعم الصحفيين والمحررين في مراجعة وتنقيح المحتوى، وضمان تقديم تغطية متوازنة.

إضافة إلى ذلك، يستعين الذكاء الاصطناعي بخوارزميات تنقية بيانات التدريب بهدف معالجة التحيزات الكامنة في مجموعات البيانات التي يُبنى عليها المحتوى أو النظم الصحفية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وهنا يؤدي تحسين التنوع والتمثيل في البيانات التدريبية إلى نماذج أكثر عدلاً تقلل احتمال انتشار المحتوى المنحاز.

تتيح تقنيات أخرى مثل الكشف الآلي عن التزييف العميق (Deepfake Detection) وأدوات التحقق من صحة الأخبار تحديد المحتوى المزيف أو المعدل بسرعة، مما يحد من تداول الأكاذيب ويعزز مصداقية الإعلام الرقمي. كما تستخدم وكالات الأنباء الكبرى وروبوتات المراسلة الذكية الذكاء الاصطناعي لإنشاء تقارير موضوعية تلقائيًا، مما يقلل من تحكم التحيز البشري في صياغة الأخبار.

جدول مبسط يوضح الإحصاءات الرئيسية التي تدعم الحاجة الملحة لتطوير مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية بناءً على بيانات حديثة من 2025

توضّح هذه الإحصاءات بجلاء الحاجة الملحة لتطوير مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية في المجتمع. فهي تعكس فجوة كبيرة بين التحديات المعقدة التي يطرحها الواقع الإعلامي الجديد من جهة، وواقع القدرات المتوفرة لدى الجمهور في التعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات من جهة أخرى.

فعلى الرغم من ارتفاع الوعي بأهمية التفكير النقدي – حيث أظهر أكثر من 90% من الناس اعترافاً بأهمية هذه المهارة – إلا أن نحو 86% منهم يواجهون صعوبات في ممارستها بفعالية في حياتهم اليومية. كما أن معدلات الثقة المتدنية في وسائل الإعلام التقليدية، التي لا تتجاوز 40% في كثير من البلدان، مع استمرار انتشار الأخبار المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تضع الجمهور أمام تحديات فريدة تتطلب وعيًا ومعرفة متعمقة.

سرد ذاتي

في مطلع الألفية الثالثة كلفت بتمثيل سورية في اجتماعات اللجان التخصصية في مجلس وزراء الإعلام العرب في جامعة الدول العربية، حظيت خلالها بفرصة المشاركة في عدة جلسات مهمة نظمها المجلس لمناقشة موضوع الإعلام المعرفي.

في هذه الجلسات، قدمت ورقة عمل أعددتها خصيصًا حول هذا المفهوم الحيوي، محاولًا من خلالها تسليط الضوء على الدور التغييري الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في بناء المعرفة وليس فقط نقل المعلومات السطحية.

كانت التحديات واضحة، حيث عبر عدد من المشاركين عن تحفظاتهم، وشككوا في قدرة الإعلام على أن يكون فعلاً صانعًا للمعرفة وواعياً لدوره التثقيفي، معتبرين أنه يظل أداة نقل لا أكثر. ورغم هذه الآراء السلبية، فإنني كنت أؤمن بأن هذه المناقشات والتوصيات التي صدرت في نهايتها والموجهة إلى وزارات الإعلام في الدول العربية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير إعلام معرفي يلبي تطلعات مجتمعاتنا في زمن تتشابك فيه المعلومات وتتزايد التحديات.

التفكير النقدي والإعلام المعرفي: شراكة حيوية لبناء الوعي

في قلب مفهوم الإعلام المعرفي يكمن التفكير النقدي كعنصر جوهري وحيوي لضمان انتقال المعلومات إلى معرفة حقيقية ومفيدة تُمكّن الجمهور من فهم الواقع بعمق وتحليل مستنير. الإعلام المعرفي، الذي يهدف إلى نقل المعرفة وصياغة الوعي الجمعي، لا يمكنه أن ينجح إلا إذا كان المتلقي مجهزًا بمهارات التفكير النقدي التي تمكنه من التعامل مع الكم الهائل من المعلومات المتاحة، وتمييز الصحيح من المغلوط، والتحقق من صحة المصادر والأهداف.

التفكير النقدي يوفر للمتلقي القدرة على الانتقال من الوضعية السلبية لمجرد تقبل المعلومات، إلى موقع المشاركة الفاعلة في تقييم الرسائل الإعلامية وصياغة الأفكار المستقلة. بدون هذا الأساس الفكري، يتحول الإعلام المعرفي إلى مجرد بث رسائل قد تكون محرفة أو مثقلة بالانحيازات والعواطف، مما يضعف أهميته ويقلل من أثره البناء.

تتجلى علاقة التفكير النقدي بالإعلام المعرفي أيضًا في دفع الإعلام نحو مزيد من الشفافية والمساءلة، إذ يشجع المتلقي الناقد المؤسسات الإعلامية على تبني معايير أكثر دقة وموضوعية في صناعة المحتوى. كما يسهم التفكير النقدي في تعزيز ثقافة البحث المستمر وإعادة التفكير في المعلومات، وهو أمر ضروري في عالم سريع التغيّر بالمعلومات والأحداث.

في المحصلة، يشكل الإعلام المعرفي والتفكير النقدي شراكة تكاملية: الإعلام يوفر المحتوى المعرفي، بينما يوفر التفكير النقدي الأداة التي يحول بها هذا المحتوى إلى معرفة واعية قادرة على التأثير الإيجابي في المجتمع.

الخاتمة: الفكر النقدي ضرورة العصر

في زمن الحقيقة السائلة حيث تتغير المعلومات وتتبدل بسرعة، لم يعد كافياً أن نعرف فقط، بل صار من الضروري أن نُعيد التفكير باستمرار. فمع تعقيدات الإعلام الرقمي وسحر المؤثرين الذين يشكلون جزءًا لا يتجزأ من تجربتنا الإعلامية اليومية، يصبح التفكير النقدي أداة لا غنى عنها لفهم ما وراء الرسائل، وللكشف عن تحيزات خفية ومعلومات مضللة.

إن معرفة الحقيقة لا تعني النهاية، بل بداية رحلة مستمرة من التساؤل وإعادة التقييم. نحن مدعوون لأن نكون متلقين واعين، لا مجرد مستهلكين سلبيين، قادرين على مواجهة تأويلات الإعلام المتغيرة، وتحدي الصور الجاهزة التي تُعرض علينا. الفكر النقدي هو الحصن الذي يحمي الفرد والمجتمع من هشاشة الوعي، وهو الطريق نحو إعلام أكثر نزاهة ومسؤولية.

في النهاية، لن يكون الإعلام الحقيقي حاضرًا إلا مع جمهور لا يكتفي بمعرفته السطحية، بل يمتلك الجرأة والوعي لإعادة التفكير، والتشكيك، والبحث عن الحقيقة التي تستحق أن تُروى.

إجابات

1. في الغالب، لا نفكر بعمق دائمًا، لأن الإعلام يستغل ردود الفعل السريعة والعاطفية، ولذلك يصبح التفكير النقدي مهارة نادرة.

2. تعتمد عقلانية المفكر على التحليل المنهجي والشك المنهجي للوصول إلى بداهات وحقائق، بينما سحر المؤثر يعتمد على التأثير العاطفي.

3. يهدف الإعلام المعرفي إلى بناء وعي معرفي نقدي يمكن المتلقي من فهم وتحليل المحتوى بدلاً من التلقي السطحي.

4. أصبح التفكير النقدي ضرورة حتمية لأن الكم الهائل من المعلومات، وانتشار الأخبار المزيفة، وسرعة التفاعل العاطفي، جعل التفكير النقدي الوسيلة الوحيدة التي تحمينا من التلاعب الإعلامي.

#سفيربرس _ بقلم الإعلامي حسين الإبراهيم

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *