إعلان
إعلان

كتب : سعيد عمران سبيت المعمري …لُغة حُب أبي وأمي…

#سفيربرس _مسقط

إعلان

الوالدان ليسا مجرد ماض نذكره بحنين بل هما حاضر يَتكئْ عليه عمرنا كله . هما السهر الطويل حين كنا نِياماً ، واليد الحانية التي أمسكت بنا ونحن نتعثر ، والصوت الذي لم يعرف يوما معنى التعب وهو يردد ” الله يحفظك يا ولدي ” ، كبرنا وارتقينا في العلم والوظيفة ، والتصقنا بأزواجنا وأبنائنا لكنهما ما زالا يجلسان في ركن هادئ من العمر يرقباننا بقلوب ضعُفت أجسادها ، وقَوِيَت محبتها ، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للبر بسؤال الابن/الابنة  لذاته/ـها كيف أكرمهما وهما يضعفان أمامي ؟

وفي زمننا المعاصر يعيش الآباء  نوعا من الهم الإجتماعي حين يشعرون بفقدان دورهم التربوي بسبب القوانين في حال بلوغ أبنائهم سن 18 سنة ، التي تتداخل مع قوانين التربية الأسرية  فيشعر الآباء بقلق متزايد تجاه أبنائهم في ظل المتغيرات الثقافية والسلوكية ، وما هو ملاحظ شكوى لكثير من الأبناء يرددون  ” والدايْ يُقيدان حريتي وأنا أريد أن أعيش حياتي باستقلالية ” ، ورد الآباء بلغة الحماية ” القوانين الأسرية ليس الهدف منها منع أبنائنا من الفرح بل بداعي رعاية مصلحتهم  “.

ومن هذه الزاوية يُطالب الأبويْن السلطات الوطنية بدعم معنوي ونفسي لحماية سلطتهما على أبنائهم عبر توظيف القوانين الضامنة والموجهة للإرشاد الأسري الذي يحتاجه أبناءهم في القضايا الحساسة التي تُؤْرِقهم ، فمثلا لا الحصر في حال اتجهت الابنة إلى القانون لتخليصها من وصاية أبيها عند البلوغ ، وعلى سبيل التصور فمن المؤلم أن تخرج مثلا الابنة من منزل الأسرة بداعي الاستقلالية ويرجع الأب حزينا والدمعة على خده بعد أن أجاز القانون فوز الابنة على أبيها في الحرية المنفردة .

وكأن الوالدين في شعور ما سبق يتقدمان للتفاوض مع  سلطات المجتمع المدني لحماية القيم المجتمعية عبر إصدار تشريعات تُساندهما في حق المتابعة والرعاية المعنوية لأبنائهم حتى بعد سن 18 سنة لا أن ينقطع دورهم فجأة مع تدخل أمر القانون ، إلى جانب مساعدتهما عبر إشراكهما في ندوات توعوية بقوانين النظام الأسري المرتبط بسن الرشد لأبنائهم لفهم التحولات القانونية والإجتماعية في كيفية التعامل مع الأبناء بروح الحوار لا التصادم ، وتأتي أهمية التفاف مكونات المجتمع الوطني حول كل أب وأم  لمواجة تحديات دورهما التربوي عبر شراكة تعاونية داعمة لهما تنطلق من المدارس والمراكز الاستشارية والجمعيات الأهلية نحو توعية الأبناء في مسائل الاستقلال والزواج أو تغيير مكان الإقامة إلى جانب تثقيفهم العاطفي لمعنى بر الوالدين القائم على ضابط القيم الدينية ، ولأهمية التكيف مع القوانين التي يضعها الوالدان بكل الحب لا الخوف منها استنادا لقول الله تعالى : ” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ”

ولعل من أكثر المسائل حساسية تداخل الأهل في قرارات أبنائهم المرتبطة بحياتهم الزوجية ، وفي هذا الشأن يعلمنا ديننا الاسلامي أن في رباط الزواج  يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بزوجته  ، وهنا ينبغي أن يستفيد المتزوجون من نصائح والديهما ، ولكن لا يلزم أخذ ما من شأنه أن يزعزع لغة التفاهم بينهما ، والحكمة  ترى أن البر ليس بالطاعة الحرفية للوالدين إلا أن الأَوْلى والأفضل أن  يحرص الأبناء على تقديم برهم بوالديهم دون أن يكون هناك ضرر عليهم ، فذلك أقرب للمودة والوصال وأبعد عن التهاجر والتدابر في البيت الأسري الواحد  .

عزيزي القاري إن البر الحقيقي بجميل العرفان لتكريم الوالدين عبر السعي لإشعارهما بأنهما ما زالا في قلب حياتك كجذرمُتأصل لا يُستغنى عنه ، وأن تغمرهما بالكلمة الصادقة المعبرة  عن الامتنان لهما بتقدير : ” الله يخليكما لي فأنا أحبكما معا “، و الحرص على العناية بهما بشكل أقرب لضعفهما كالحرص مثلا على مرافقتهما في مشاوير مواعيدهما الطبية ، وبالدعاء لهما ، وبخفض الصوت عند الحديث معهما.

ولْتعلم يا صديقي القارئ أن حقيقة البر في إلباسه قيمة الاحترام ، فحين نرتقي في منازلنا الوظيفية أو العلمية يتحتم علينا كأبناء الإعتراف العلني بفضل والديْنا لتصل الرسالة لهم بشعور الوقار والمكانة العالية من خلال ما يلمسونه من رُقي في أسلوب التعامل كأنهما جواهر المعادن النفسية النادرة التي لا تُقدر بثمن مع السخاء عليهما بكرم تقديمهم في المجالس مع تخصيص جدول الرعاية والعناية والزيارة  لهما مهما كثرت مشاغلنا  ، وفي هذا استنتاج أنه لا قيمة لعلم ولا مال ولا وظيفة إن لم تزدنا تواضعا تجاههما ، ومن أجمل الوِرْد المذكور في رفعتهما  ما  قيل : ” من رفعه الله بعلمه فليرفع والديه ببره “. ومرورا بسردية المثل العربي القديم ” من أطاع والديه سَعِـد في دنياه وآخرته ” فالتفسير يشير أن الآباء والأمهات بطبيعتهم مهما كبروا في السن وضعُفت قُواهم فهم يحبون أن تبقى كلمتهم مسموعة ، لهذا يتوجب علينا كأبناء أمانة الإصغاء لهم دون مقاطعة كمنصتين جيدين لحديثهم كأن الزمن لم يتقدم بهم ، وفي حال كانت قراراتنا في غير ما شاروا به علينا فعلينا أن نلبسها ثوب الأدب بصياغتها تلطفا لمشاعرهم كأن نقول ” والداي العزيزان رأيكما غال عليْ ، وفكرت به مع كل الحلول أمامي ، وقررت كذا  وكذا ” ، ونعم ليس عصيانا في حال لم نعرض كل قرار مصيري عليهما لكن الجانب الأخلاقي يلزمنا أن نُشعر والديْنا أننا لم ولن نستغن عنهما ، وهناك مفاتيح لنوافذ الفرح في قلبيهما حين نستعرض معهما التفاصيل الصغيرة كإشراكهم في أخذ مشورة رأيهم في تسمية حفيدهما أو وجهة نظرهما في ترتيبات منزلية  أو إخبارهما بنية سفر وطلب دعائهما ، وفي أحيان أخرى نستشيرهم صُورياً في قرارات قد نكون حسمنا تفاصيلها بالفعل كنوع من الأدب التربوي في حفظ مكانتهما.

ورسالتي عبر منصة السفير برس الإعلامية الدعوة كي تكون المشورة مستمرة مع آبائنا وأمهاتنا لكونها صورة نبيلة من صور البر ، وليست مجرد بحث عن رأي بل لغة حب  تُقال بلا كلمات.

#سفيربرس _مسقط _  بقلم :سعيد عمران المعمري ( إعلامي ومستشار أسري وتربوي )

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *