كتب : سعيد عمران المعمري : بالعمل وُجوهنا نحو الأعالي
#سفيربرس _مسقط
البطالة أخطر تحدي عصري وتلامس آثارها النواحي الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والأمنية ،وإطالة أمدها يتسبب في رفع معدلات الفقر والجريمة والتفكك الأسري .
وما يُناصر تفشي البطالة ظهور آفة التسريح عن العمل حيث يتفاجأ آلاف العاملين بفقدان وظائفهم تحت مظلة تبريرات الأزمة الاقتصادية ، وتفشي الأمراض كما حدث في جائحة كورونا أو تمريرالشركات قرارات تحايلية على التشريعات كمبرر إعادة الهيكلة أو الضغوط المالية ، إلا أن الأثر المؤلم حين يجد المسرح عن عمله بلا مصدر دخل مما يزرع في نفسه حالة توتر بعدم الأمان الوظيفي داخل المجتمع.
وتعد البطالة قضية إنسانية واجتماعية وليست مجرد تدوين أرقام إحصائية بشأنها ، لِكونها تمس الكيان المجتمعي والأسري ، وتستدعي حلولا ذكية لتوفير فرص العمل التي تحفظ كرامة الإنسان ، وقضية التسريح عن العمل يتوجب الاعتراف الرسمي عنها من قبل الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني بهدف السعي للقضاء عليها عبر التفكير الإبداعي لتوسيع دوائر الإنتاج والعمل ، والتي تضمن تهيئة بيئة عمل آمنة وعادلة لاستقطاب الطاقات البشرية بهدف الاستشمار في رفع كفاءتها لا إهدارها.
وعن إحصائياتها أشار تقرير منظمة العمل الدولية في عام 2003 م أن متوسط نسبة البطالة في العالم وصل إلى 6,2% بينما بلغت النسبة في العالم العربي في العام نفسه 12,2 % وتتزايد سنويا 3% ، وتشير تحليلاتها لعام 2025 إلى أن نسبة البطالة بين الشباب عالميا تتراوح ما بين 12,5 % إلى 13 % ، وحسب أحدث تقارير منظمة العمل الدولية والبنك الدولي من المتوقع أن يظل معدل البطالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن أعلى المعدلات عالميا حيث من المُقدر أن تصل إلى حوالي 9,3% في عام 2026م . والتفاصيل العربية لقضية البطالة حسب تقارير 2024م مقسمة بين دول شرق أفريقيا بنسبة 20,2 % وأقطار الشرق الأوسط بحوالي 15,9% على حسب تباين الظروف الاقتصادية والسياسات الحكومية وتأثرها بالتغيرات الإقليمية ، وتسجل دول المجس التعاون الخليجي انتعاشا اقتصاديا والأقل نسبيا في مستوى البطالة ، ومن أبرز مؤشراتها دولة الإمارات العربية المتحدة التي تسعد حكومتها بانخفاض مُطمئن لنموها الاقتصادي بسبب استطاعتها تخفيض آفة البطالة في مجتمعها لتصل إلى 2,8% ، بينما السعودية بنسبة 4,4% من إجمالي السكان ، و7,5% بين المواطنين السعوديين ، وشلمت الإحصائيات كذلك كل من الأردن ( 20,6% ) وتونس (16,1% ) والمغرب (13,7% ) ومصر (6,9% ) ، فيما تزايت نسب البطالة بمستويات كارثية في الدول العربية غير المستقرة أمنيا كسوريا واليمن وليبيا والعراق حيت تتراوح بين 30-40 % خاصة في المناطق والأقاليم المتأثرة بالصراع نتيجة لتدمير البنى التحتية والاقتصادية والنزوح الجماعي.
وتعمل كل من منظمات العمل الدولية والبنك الدولي و التعاون الاقتصادي والتنمية على تحليل واقع سوق العمل العالمي وتُصدر تقارير إحصائية رسمية لإبراز العوامل المحركة للبطالة وتداعياتها المهددة للمستقبل وحلول مكافحتها كرؤية مستقبلية . ومن بين أهم المسببات لتنامي البطالة عدم قدرة الاقتصادات على خلق فرص عمل كافية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل وعدم التوافق بين المهارات وسوق العمل بسبب وجود فجوة بين المهارات التي يكتسبها الشباب من خلال التعليم وتلك التي يتطلبها سوق العمل المتغير إلى جانب ضعف الاستثمار في التعليم والتدريب المهني وسببه عدم توفير برامج تعليمية وتدريبية عالية الجودة تؤهل الشباب للمنافسة ، وعقبة جمود سوق العمل والتشريعات خاصة عندما تعيق بعض التشريعات العمالية توظيف الشباب أو تفضل العمالة الأكثر خبرة ، وكذلك وجود المنافسة الشديدة كنتيجة لتزايد أعداد الخريجين في مجالات تقليدية دون وجود فرص كافية ، وعزت هذه المنظمات لأسباب الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية حينما تؤدي الصراعات والأوبئة والأزمات الاقتصادية إلى تفاقم وتقلص فرص العمل ، والأسوء حين يواجه الشباب تحديات إضافية بسبب التحيز أو عدم وجود شبكات دعم. وهذه العوامل تُنبئ بخطورة ظاهر البطالة لما لها من آثار وعواقب كسوس ينخر بروح المجتمع ” الإنسان وإنسانيته ” حين تتسبب في توليد آثار الإحباط واليأس وفقدان الثقة بالنفس ، واحتمالية تنامي فرص تهديد المستقبل عبر زيادة معدلات الجريمة والعنف ، ولا يتوقف الأثر على الإنسان بل يخسر الوطن إنتاجيته الاقتصادية وتنخفض إيراداته الضريبية وتزيد عليه أعباء الإنفاق على برامج الدعم الإجتماعي ، وما قد يؤلم الوطن وأهله أكثر ” هجرة الأدمغة الوطنية ” بسبب تفشي البطالة التي تدفع الشباب المتعلم للبحث عن فرص عمل في الخارج مما يؤدي إلى فقدان المواهب المحلية ، وهناك أخطار أمنية تهدد الاستقرار المجتمعي يجب الوعي لها في مشكلة البطالة فقد يساهم ارتفاع نسبها إلى تأجيج الإضطرابات الاجتماعية والسياسية بسبب تفشي الفقر وعدم المساواة حين تتوسع الفجوات بين الطبقات الاجتماعية . وعلى الحكومات مناقشة أزمة البطالة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لتحويل التحديات إلى فرص ذهبية لبناء جيل قوي ومنتج فمستقبل الشباب مسؤولية جماعية وتكاتفية كضرورة حتمية للإستثمار في الشباب لضمان مستقبل وطني مستقل ومزدهر بشبابه المساهمين في بناء مجتمعاتهم ، ومن أبرز الحلول المكافحة للبطالة خلق بيئة اقتصادية تشجع على الاستثمار لتوليد فرص عمل جديدة وأهمية إصلاح أنظمة التعليم والتدريب عبر مواءمة المناهج مع احتياجات سوق العمل والتركيز على المهارات الرقمية والمهنية إلى جانب دعم ريادة الأعمال الممكنة والمشجعة للشباب على بدأ مشاريعهم الخاصة من خلال توفير التمويل والتدريب والإرشاد ، ودعم برامج التوظيف النشطة مثل فرص التدريب أثناء العمل ، والدعم للبحث عن عمل ، وتقديم الإعانات للتوظيف . ومن الحلول المتطلبة عملية الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الواعدة التي تخلق وظائف في قطاعات مثل التكنولوجيا و الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر ، وبالشراكة بين القطاعين العام والخاص عبر بوابة تعاون الحكومات مع الشركات لتحديد احتياجات سوق العمل وتوفير التدريب اللازم ، والأهم استحقاق الشباب العاطلين عن العمل للحماية الاجتماعية التي توفرلهم شبكات أمان لحمايتهم من الفقر المدقع.
والواقع الاجتماعي يصف العاطل عن العمل بأنه رأس مال الشيطان ما بين طاقة مهدورة وقنبلة موقوتة ، حيث أن البطالة والفراغ قد ينشأ عنها أمراض نفسية وعصبية في حال تسلل الإحباط إلى مشاعرالباحث عن عمل ، وفي مثال تصوري كحالة طالب العلم الذي يكتشف ويلاحظ أن من سبقوه من الخريجين مروجين في سوق العمل بأثمان بخسة ورغم ذلك فهم لا يجدوه ، كما يُخشى أن يكون هذا الواقع الذي يعيشه الفرد العاطل فرصة تهدد مستقبله الذي قد يتعرض للاستغلال من شبكات الجريمة المنظمة خاصة حينما يشعر بأنه يعيش عالة على غيره ، وعندما يتسلل إلى تفكيره بأنه لا قيمة له في الحياة كالأعشاب الطفيلية التي لا نفع منها بحجة مؤكدة ” شتان عامل يصنع حياته بعرق جبينه فيستلذ لقمة عيشه وآخر عاطل عن العمل ينتظر عليه بعض السواعد برزق يشينه ولا يزينه”.
وعن تداعيات أثرها على المستوى الاجتماعي قد تدفع البطالة صاحبها إلى السرقة والإجرام للحصول على المال بغير وجه حق فيفسد المجتمع ويتدهور، وعلى كيان الأسرة قد تتسبب مشكلة البطالة إلى تأخر سن الزواج ، وهذا يتبعه مشكلات اجتماعية خطيرة كتزايد العنوسة والانحرافات الجنسية وجرائم الاختطاف والاغتصاب وغير ذلك. وفي هذا الشأن يقول قاسم أمين الكاتب والمفكر والمصلح الاجتماعي المصري ” إنه من عوامل الضعف في كل مجتمع إنساني أن يكون العدد العظيم من أفراده متواكلا عليه ” ، و في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” اليد العليا خير من اليد السفلى ” تأكيد على قيمة العمل في حياة الفرد لكونه يضمن العيش الكريم بما يوفره للعامل من مكاسب مادية تغنيه عن مذلة السؤال ، وفي معنى ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده .” وهذا استدلال نبوي أن فرصة العمل هي علاج نفسي يحقق سعادة الفرد ويساعده في تجاوز المحن والنكبات لأنها تولد للعامل شعورا بوجوده وبالرضا عن النفس .
ويُروى عن الكاتب القصصي والمسرحي والروائي ” محمود تيمور” قوله : العمل هو الينبوع الذي يفيض على النفس مشاعر الفوز لكسب الحياة ” ،كما يصف ابن تيمور العمل كمساحة صحية لتجاوز المحن ، والبائنة في مقولته الدامعة من رحم الألم : ” لست أنسى أنه لم يكن لي عزاء في نكبتي بفقدي وحيدي منذ سنوات عشر إلا أن أُلقي بنفسي في غمار عملي ، وخرجت من فورة هذه المحنة أحمد للعمل ، ما حماني به من لوعة الحزن وحسرة الفقدان “.
وخلاصة الفائدة حين نتحدث عن قيمة العمل عكس البطالة كنوع من التفاؤل والحث لتلاشيها ، فبالعمل يتحرر الإنسان من العدمية ويرقى بذهنه فيترفع عن التفاهة ، فالعمل بذلك خروج من الضعف إلى القوة فشتان عامل يكسب لقمة عيشه بالعمل وآخر يتواكل ويتكاسل فيكون عالة على المجتمع، والعمل في قيمته الدينية عبادة يكسب فيها الإنسان رضاء الله ومحبته ، وفي العمل قيمة حضارية تُخلد ذكرى الإنسان فالإنسان يموت ولكن أعماله تبقى خالدة ، وأداة بناء الحضارة وبه تزدهر الأمم ، ومن أوثق مشاهد ذلك حين يكون الإنسان العامل هو صانع التاريخ وهو غايته ، ونتحجج في ذلك ببرهان شاهد عن الحضارة الفرعونية والرومانية وما شيدوه من معالم تؤكد عظمتهم ، كما أن العمل يخلص الشعوب من تبعيتها للأمم المتقدمة ويوفر حاجات المجتمع من مأكل وملبس، وفي توصيف هذا الرأي يقول فولتير الفيلسوف الفرنسي : ” العمل يقينا شرورا ثلاثة : الفاقة والحاجة والرذيلة “، وكذلك يجلب العامل احترام الآخرين ويقيه من الوقوع في الرذائل لكون تقديس العمل ينشر القيم السامية في المجتمع لأنه يُربي الإنسان على الاستقامة وتحلي الإنسان بمكارم الأخلاق .
وفي التاريخ الريادي قامات بشرية تحدت الصعاب من أجل رفع قيمة العمل في حياة المجتمع ونجد صورة ذلك حين نجد أنفسنا لا نزال نتغنى بمشاهير وأعلام الأمس كيف أثبتوا وجودهم بما قدموه للإنسانية من أعمال خالدة كشعر المتنبي ، ومن تحدى عاهته بالعمل ولذة الإنجاز كالأديب والناقد المصري “طه حسين ” فاقد البصر ، والمؤلف الموسيقي الألماني “بتهوفن ” فاقد السمع .
وخاتمة التقصي ترى حين تسود في الأمة ذِهنية ارتباط مصيرها بعملها تسعى إلى الاعتماد على نفسها وعلى طاقتها ، والحجة الشاهدة نستخلصها من الشاعر والأديب التونسي “الميداني بن صالح” بقوله : ” أيا صانع المعجزات رفعت المصانع ، وعمرت قفر الصحاري ، وقهرت البحار، ونسجت جسورا عليها ثمر قوافل رفقتنا الكادحين ” ، وبالعمل تُبنى الحضارات في رأي الكاتب والفيلسوف والشاعر والرسام اللبناني “جبران خليل” القائل : ” أحب هذا الذي يحني ظهره لتتستقيم ظهورنا ، ويلوي عنقه لترتفع وجوهنا نحو الأعالي “.
وصفوة القول لحوار حديثي معكم يا أعزائي القراء عبر منصة الثقافة الإعلامية العربية ” سفير برس ” أني سعيت لمناقشة عقلولكم المنيرة لعقلي في قضية ” البطالة ” بأسلوب الانتقال من الرأي الشخصي إلى نهج التقصي البحثي ، حيث توجهت برسالتي الإعلامية إليكم عبر توظيف الحقائق لخدمة المجتمع بين رصد المشكلة وتداعياتها وسبل مكافحتها ، وصولا إلى خلاصات نافعة تسهم في وعي حاضرنا وصناعة مستقبلنا.
#سفيربرس _مسقط _ بقلم : سعيد عمران المعمري ( إعلامي ومستشار أسري وتربوي )



