إعلان
إعلان

عندما يُفعـّل الإعلام “اللوزة الدماغية” لتفكيك المجتمعات ـ بقلم : حسين الإبراهيم

#سفيربرس

إعلان

• ماذا يحدث لعقولنا عندما تُغمر بموجات من الصور والمشاعر والرسائل المتضاربة؟

• كيف يمكن للإعلام أن يؤثر ليس فقط على ما نعرفه، بل على الطريقة التي نشعر ونفكر بها؟

• لماذا تبدو بعض الأخبار قادرة على إيقاظ مخاوفنا واندفاعاتنا العاطفية بشكل يجعلنا أحيانًا غير قادرين على التمييز بين الحقيقة والانفعال؟

مشهد إعلامي متقلب ومشحون، يصنع تساؤلات قوية: هل يوجّه الإعلام اليوم إدراكنا نحو فهم أعمق ووعي أكثر، أم أنه في الواقع يختطف عقولنا عبر استثارة اللوزة الدماغية، مركز المشاعر والخوف، ليعيد تشكيل نظرتنا للعالم وفق مصالح خفية؟

هنا يكمن الاشتباك الحقيقي في الإشكالية: هل نحن مستهلكون واعون يمكنهم التمييز والتفاعل النقدي، أم مجرد أدوات في لعبة إعلامية ضخمة تُفعل الزر العاطفي في دماغنا لتحريك موجات الانقسام والتفكيك المجتمعي؟

بهذا يبدأ بحثنا في “حرب الإدراك” التي يتنقل فيها الإعلام بين التحفيز العصبي والتأثير الاجتماعي العميق.

“اللوزة الدماغية” والإدراك العاطفي

“اللوزة الدماغية” هي جزء صغير لكنه حيوي في الدماغ، تقع في عمق الفص الصدغي، وتعتبر مركز التحكم بالعواطف الأساسية مثل الخوف، الغضب، والفرح. وتلعب دورًا رئيسيًا في معالجة المحفّزات العاطفية وتكوين ردود الفعل الفورية التي قد تكون غير واعية أحيانًا، مما يجعلها نقطة مركزية لفهم كيف يستجيب الإنسان للعالم من حوله.

ترتبط “اللوزة الدماغية” ارتباطًا وثيقًا بمشاعر الخوف والانفعال، فهي تفعّل الاستجابات الجسدية للطوارئ وتحدد مدى شدة رد الفعل العاطفي تجاه مواقف معينة. هذا التأثير لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يمتد إلى السلوك الجمعي، حيث يمكن أن تضخّم المشاعر المشتركة مثل الهلع أو الغضب في مجموعات اجتماعية، مؤدية إلى انفعالات جماعية تنتقل بسرعة وتتسبب أحيانًا في تفكك أو استقطاب المجتمعات.

في هذا السياق، يتجلى التباين بين الإدراك العاطفي والإدراك العقلاني، إذ تميل “اللوزة الدماغية” إلى تسريع ردود الفعل الانفعالية قبل أن تتدخل مناطق الدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي والتحليل المعرفي. ولهذا السبب، يصبح الإنسان عرضة للتأثيرات التي تحفز مشاعره المكثفة، مما قد يعيق بناء فهم موضوعي وقرارات متزنة.

فهم هذا الدور العصبي الحيوي لـ “اللوزة الدماغية” يساعد في إدراك آلية استغلال يستغل الإعلام قوة الانفعالات في توجيه الإدراك الجمعي، ويهيّئ الأرضية لمناقشة مقومات التحفيز الإعلامي وتأثيراتها على المجتمعات.

الإعلام كأداة تحفيز عصبي

يستخدم الإعلام تقنيات متطورة تسمى بـ “التأثير الصاعق” (Shock Impact) لتحفيز استجابات عصبية سريعة وقوية في المشاهدين. تعتمد هذه التقنيات على تقديم محتوى مفاجئ، مكثف، وعاطفي يستهدف اللوزة الدماغية مباشرة، ما يجعل المتلقي يتفاعل بشكل انفعالي قبل أن يتمكن الدماغ العقلاني من تقييم المعلومة وتحليلها بموضوعية.

الصور المؤثرة، الفيديوهات القصيرة، والأخبار المثيرة التي تثير الخوف أو الغضب أو القلق تُستخدم بشكل ممنهج لتجاوز حاجز التحليل النقدي. عندما تُعرض هذه المحتويات بشكل متكرر ومركّز، تُضعف قدرة العقل على التفكير المنطقي وتُعزز ردود الفعل العاطفية الآنية، مما يفتح الباب أمام تهيئة المشاهد نحو قبول الرسائل الإعلامية دون تمحيص أو تشكيك.

بهذا الأسلوب، تعمل وسائل الإعلام على تحريك “زر الانفعال” في الدماغ، فتتحول عملية استقبال المعلومة من قراءة سردية عادية إلى تجربة عصبية مكثفة، قد تؤدي إلى إحداث تأثير اجتماعي أوسع، كالانقسام أو التضخيم العاطفي للنزاعات.

يساعد فهم هذه التقنيات على كشف كيفية تحفيز الإعلام لعقولنا بطريقة مباشرة ومؤثرة، ويضعنا أمام تحدي تطوير أدوات مقاومة ذكية للحفاظ على وعي نقدي متين.

من التحريض إلى التفكيك الاجتماعي

أصبح الإعلام من أبرز عوامل الاستقطاب الاجتماعي، حيث يمكن أن يحوّل التوترات القائمة إلى انقسامات عميقة، ويعيد إنتاج خطاب يحرض على الكراهية والتعصب بدلاً من تعزيز الوحدة. في العديد من المجتمعات، ظهر كيف تلعب الحملات الإعلامية دورًا في تعميق الانقسامات، كما حدث في سوريا من خلال استقطاب طائفي وسياسي واضح، أظهر الإعلام دوراً سلبياً في تعميق الشروخ بين المكونات الاجتماعية، وزاد من معاناة المجتمع وتشظيه.

وسائل التواصل الاجتماعي تضخّم الانفعالات بسرعة، حيث يُصبح كل منشور أو فيديو مثير للعواطف قبلة لتفاعلات عاطفية متصاعدة، مع انتشار الأخبار الزائفة والشائعات التي تثير الخوف والغضب. تيك توك، مثلاً، أظهرت دراسات ارتباطاً بين كثرة استخدامها من قبل بعض المستخدمين وزيادة مشاعر الانفعال والقلق. هذه المنصات تؤثر في تشكيل القناعات عبر آلية التكرار المكثف الذي يجعل الأفكار العاطفية المتطرفة أكثر رسوخًا في وعي الجمهور، فتظهر فقاعات معلوماتية تعزل الجماهير داخل بيئات إعلامية تشبه “الصدى” تعزز من الانقسام.

تجارب عالمية متعددة توضح أن الإعلام يمكن أن يكون سلاحًا مزدوجًا: إما يعزز السلام والتسامح عبر خطاب متوازن ومسؤول، أو يساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي إذا استُخدم كأداة للتحريض والتجييش الطائفي والسياسي. في فلسطين مثلاً، يُستثمر الإعلام لتكريس الانقسامات الداخلية عبر صفحات مزيفة وحملات سيبرانية تستهدف وعي الشباب، مما يخلق نوعًا من الانقسام النفسي ويبعد الجمهور عن الوحدة الوطنية.

إضافة إلى ذلك، يُظهر مؤشر الثقة في الإعلام العربي تراجعاً كبيراً، حيث أبدى نسبة كبيرة من الجمهور عدم ثقتهم بوسائل الإعلام المحلية، مما يعمّق الهوة بين الإعلام والمجتمع ويوفر مساحة أكبر للاستقطاب وصعوبة بناء قناعات مدروسة ومتوازنة.

تأثير الضغط الجماهيري والفيروسية

تلعب ظاهرة الضغط الجماهيري دورًا بارزًا في دفع الأفراد نحو تبني مواقف متطرفة أو جماعية بشكل شبه آلي، بعيدًا عن التفكير النقدي والوعي الشخصي. عند الانخراط في حشود أو جماعات، يصبح الفرد أكثر عرضة لتلاشي شخصيته الواعية، ويسود تأثير العاطفة والاندفاع اللحظي، ما يؤدي إلى قبول الآراء والمواقف المتطرفة دون تمحيص أو مساءلة.

أما الفيروسية الإعلامية فتتمثل في سرعة انتشار المحتوى العاطفي والمثير عبر منصات التواصل الاجتماعي بطريقة قد تؤجج الانقسامات والصراعات، من خلال إعادة التكرار المستمر لهذه الرسائل وتحفيز التفاعل العاطفي الجماعي. هذه الموجات الفيروسية تخلق حالة من “التفكير الجمعي” الذي يعطل القدرة على النقد الفردي، ويسهم في تعزيز خطاب الاستقطاب، حيث تتحول الآراء إلى معارك حادة مدفوعة بالعاطفة لا بالعقل.

فهم هذا الدور الحيوي للضغط الجماهيري والفيروسية يساعد على إدراك أن التحرر من تأثيرهما يتطلب تقوية مهارات التفكير النقدي وتعزيز الوعي الذاتي، ليظل الفرد صاحب القرار والاختيار الواعي بعيدًا عن أهواء الجموع والتأثيرات المؤقتة.

بعض التجارب والإحصاءات العالمية المتعلقة بتأثير وسائل الإعلام على الدماغ والسلوك

تحصين الإدراك

في مواجهة التأثيرات القوية للتحريض الإعلامي والانفعالات الموجهة، يبرز التفكير النقدي كأداة أساسية لحصانة الإدراك. هذه المهارة تساعد الأفراد على تحليل الرسائل الإعلامية، وتمييز الحقائق من التضليل، وفهم الأهداف الخفية وراء المحتوى العاطفي والإثارة الإعلامية. باستخدام التفكير النقدي، يصبح المتلقي قادرًا على أن يكون مستهلكًا واعيًا، ينتقي المضمون الإعلامي بعناية ويمارس وعيًا ناقدًا يخفف من تأثير الانفعالات المربكة على قراراته.

في تجربتي كمدرب في الإعلام الرقمي، اعتمدت مقولة أرسطو الشهيرة: “أنا لا أعلم، ولكنني أحفز تلاميذي على التفكير”. هذا النهج جعل هدفي لا يقتصر على نقل المعلومات بل على زرع بذرة التفكير النقدي لدى المشاركين في الدورات. كان النجاح الحقيقي هو خروج كل متدرب وهو يحمل القدرة على التعامل مع المحتوى الإعلامي بوعي وتروٍ، وهو ما يؤكد أن الحصانة تبدأ من داخل الفرد وتتسع لتشمل المجتمع ككل.

يشمل تطوير مهارات التفكير النقدي القدرة على طرح أسئلة جوهرية حول مصدر الرسالة الإعلامية وغاياتها وتأثيرها، بما يدعم تفكيك آليات التضليل والتلاعب الإعلامي. كما يُعتبر تعزيز هذه المهارات عبر المناهج التعليمية وبرامج التوعية المجتمعية ضرورة ملحة، لأن الفرد الواعي هو الحصن الأول في وجه موجات الاستقطاب الإعلامي والتفكيك الاجتماعي.

وباختصار، حصانة الإدراك التي تمنحها التربية الإعلامية والتفكير النقدي تشكل خط الدفاع الأهم الذي يوازن بين الإدراك العاطفي والعقلي، ويمنح المجتمعات القدرة على رفع مستوى الحوار، وتقليل تأثير الانقسامات المستغلة إعلاميًا.

الوعي والمساءلة الذاتية

في خضم “حرب الإدراك” التي تجتاح عقولنا ومجتمعاتنا، تتضح حقيقة مؤلمة: لم تعد المعارك تُحسم بالقوة العسكرية فقط، بل أصبح الإعلام أداة استراتيجية تحرّك أعمق مراكز الأعصاب في دماغنا، لتعيد تشكيل وعي الجماهير وتهدد نسيج المجتمعات. هذه الحرب النفسية والإعلامية تستغل مشاعر الخوف والغضب والقلق لتفكيك المجتمعات من داخلها، فتزرع بذور الانقسام والاستقطاب على نطاق واسع.

لذلك، لا يكفي أن نكون متلقين سلبيين لهذه الرسائل المشحونة بالعاطفة، بل يجب أن نتحلى بالوعي والمساءلة الذاتية. التربية الإعلامية والتفكير النقدي هما درعنا في مواجهة هذه الحروب المخفية، وهما الوسيلة التي تمكننا من استعادة قدراتنا على التفكير المستقل والمستنير.

حين نمارس مساءلة ذاتية واعية تجاه ما نستهلكه إعلاميًا، نبدأ برسم حدود تحمينا من اختطاف الإدراك، ونمنح مجتمعاتنا فرصًا للتماسك والسلام رغم العواصف الإعلامية. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن نحول وعي الأفراد إلى قوة جماعية تدافع عن الحقيقة وتعيد بناء الاتصال الإنساني في زمن التفكيك الإعلامي.

إذن… خيارنا الفردي والجماعي هو نقطة الانطلاق للخروج من دوامة الحرب على عقولنا، وبناء مجتمعات قادرة على التأقلم والازدهار في عالم وسائل الإعلام المتحول.

ويبقى السؤال:

كيف يمكن لعقولنا أن تظل حرة وسط زحام التلاعب العاطفي والإعلامي، بينما تُشَكَّل تصوراتنا وتُسَيَّر ردود أفعالنا من أعماق اللوزة الدماغية؟

هل سنختار أن نكون مراقبين واعين يتحكمون في إدراكهم، أم أدوات تُستخدم في حرب خفية تهدف إلى تفكيك ما بنيناه معاً؟ .

#سفيربرس ــ بقلم : حسين الإبراهيم

 

إعلان
إعلان

رئيس التحرير

محمود أحمد الجدوع: رئيس تحرير صحيفة سفير برس. صحيفة سورية إلكترونية، يديرها ويحررها فريق متطوع يضم نخبة من المثقفين العاملين في مجال الإعلام على مختلف أطيافه, وعلى امتداد مساحة الوطن العربي والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *