بين سوريا و أوربا، بقي المسيح مصلوباً. _ بقلم : د. سناء شامي
#سفيربرس _إيطاليا
عندما أفكر بواقع المنطقة، و سوريا على وجه التحديد، أعود للتاريخ السياسي لهذا البلد العريق: شهدت سوريا، بعد استقلالها عام 1946، فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والإنقلابات العسكرية التي بلغت ذروتها بين عامي 1949 و1970، حيث شهدت سوريا 10 إنقلابات كان أولها إنقلاب حسني الزعيم في آذار/مارس 1949، وشهدت فترة من الحكم العسكري بقيادة أديب الشيشكلي، وفترة الوحدة مع مصر (1958-1961)، ثم إنقلاب الانفصال عام 1961، و الإنقلابات المتلاحقة لحزب البعث في عامي 1963 و1966، وصولاً إلى إنقلاب حافظ الأسد عام 1970، الذي أسس لعقود من الحكم الفردي. إنقلاب 1949: هو أول انقلاب عسكري في سوريا بعد الإستقلال، قاده حسني الزعيم، وتبعه إنقلاب سامي الحناوي في أغسطس، ثم إنقلاب أديب الشيشكلي في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه. ثم إنقلاب 1951: قام به أديب الشيشكلي ليصبح حاكماً للبلاد. ثم إنقلاب 1954: أطاح بنظام الشيشكلي، وهو الإنقلاب الوحيد الذي بدأ من حلب، وعاد الحكم المدني مؤقتاً. بعدها، إنقلاب 1961: إنقلاب “الانفصال” الذي أنهى الوحدة مع مصر. بعده، جاء إنقلاب 1963: إستيلاء حزب البعث على السلطة بقيادة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وأطاحوا بالحكم المدني. و مع عام 1966: حصل إنقلاب داخلي داخل حزب البعث بقيادة صلاح جديد، ليعقبه في 1970: إنقلاب “الحركة التصحيحية” بقيادة حافظ الأسد، الذي أطاح برئيس الدولة صلاح جديد وأسس لعقود من حكم عائلي متوارث، و كان الوضع الجيوسياسي في هذه الفترة يسمح بذلك، بل دعم حدوثه … و لكن، جاءت جميع هذه الانقلابات العسكرية والسياسية بأشكال وأعذار مختلفة، و دائماً صعدت على سلم غربي…و تحوّل الإنقلابيون فيها إلى زعماء أقاموا هيئات ومجالس عينوا أنفسهم قادة عليها وعملوا من خلالها على تحويل مجريات الأحداث السياسية في البلاد، بعد أن منحوا أنفسهم الحق المطلق في إمتلاك الرأي السديد في توجيه البلاد وتحديد مستقبلها، دون أن يستطيع أن يفعل الشعب شيئ، و جميع مكونات الشعب السوري كانت تتكيف فقط، و ها هي سوريا تدفع ثمن هذا المسار بوصول إنقلاب آخر بمبرر الثورة… ماذا فعل الشعب؟ كوّع أغلبه برخص، و بغباء، و هذا لا يعني بأن النظام السابق نظاماً أفضل، أو نظاماً عادلاً، لكن غياب الوعي و السلوك الأخلاقي في مرحلة إنتقالية، هو أمر خطير، و يؤدي إلى تبعيات خطيرة قد تجعل من المرحلة الإنتقالية، مصدراً لمشاكل كبيرة، مثل مشكلة الطائفية المقيته، و التي تمنح جميع القوى و أولها إسرائيل اللعب بمصير جميع مكونات المجتمع السوري، و الإصطفاف بجانب الرئيس الشرع أو مهاجمته، و قدح الأسد أو الدفاع عنه، أو الإستمرار في المقارنه بين الرئيس السابق و الرئيس الحالي، كل هذا إلا نوع من الهروب من المسؤوليه و عجز عن تقديم حلول تنطلق من الداخل، و ليس باللجوء لمن فتت و يعمل على تفتيت قلب سوريا و المنطقة. خلال كل هذه الحقبة من تاريخ سوريا، كان هناك دائماً تجار وطن جاهزون ليتصدروا المشهد: هناك التاجر العلوي، الذي يتاجر بإسم طائفته و يلجئ إلى الصهيوني عسى و لعلى ينصبّه سلطان على دويلة علويه، و هناك السني التاجر الذي لم ينقطع عن التجارة بإسم الأغلبية و خان قبلاً و خلال الحرب و بعدها…و دائما القرار يُدار من قوى خارجيه، و هناك المسيحي المحايد المختبئ وراء عباءة الكاردينال الفلاني الذي له إتصالاته السياسية عبر قنوات دينية، و الشيخ الدرزي الغاضب الذي يعمل بالسياسة بمعايير لا يفقهها و يُحاكي عدة جهات هدفها إستعماري… كل زعيم من زعماء مكونات المجتمع السوري، يفكر ببستانه و ليس بسوريا الوطن… الإنتصار على هذا الواقع المسرطن، لم يأتي، و لن يأتي عن طريق أية حكومة من هذه الحكومات المتعاقبة، سيأتي أولاً، بالوحدة و الوعي و التضامن الإجتماعي و الأخلاقي، و رفض فخ الطائفية… و من ناحيتي لعن الله زعماء الأغلبية و زعماء الأقلية، الدينيين و السياسيين منهم، لأنهم ساهموا بتفتيت البلد مرحلة بعد مرحلة، بأنانيتهم و جهلهم، و عندما يجلسون معاً على الطاولة بحضور الصهيوني، أو الأمريكي… يتساوون جميعهم، إذ يجمعهم هدف واحد:،الوصول إلى قطعة من تورته السلطة. ماذا ينفع النقد، أو المدح، أو القدح، يوم تنفخ آمريكا بالبوق، و جوقة إسرائيل تدير إوركسترا الصخب داخل سوريا و خارجها؟؟؟ ماذا يعني أن تكون مع الرئيس الشرع، أو ضده، و مكونات المجتمع السوري تعوم فوق محيط الطائفية، دون أن تجيد السباحة و تزغرد لأول لمعان، يبدو لها و كأنه منارة النجاة… الدعوة الوحيدة التي يمكن أن تكون فاعلة، هي الدعوة لوحدة الشعب و الصف و الموقف و التضامن الإجتماعي الواعي و المنتج، بهذا فقط تُهزم السياسات الداخلية الفاشلة، و الخارجية التي تستهدف المنطقة أرضاً و شعباً….بين المبعوث باراك و زيارة البابا تتهيكل المنطقة: لم ينطق ضيف منطقة الجليل، قداسة البابا لاون الرابع عشر، ولا حتى بكلمة واحدة حول ما حدث و يحدث في فلسطين خلال زيارته لتركيا و لبنان، كما لم تشمل زيارته القدس و دمشق…المسيح على أرض المسيح، تعرّض أكثر من عامين للمذابح والإبادة، بما في ذلك هدم كنائس غزة الموغلة في القدم، والأوقاف المسيحية فيها. لقد شارك العالم في المظاهرات المناهضة لحرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، بما في ذلك في روما، حاضنة الفاتيكان، ولكن حبر الأعظم تجاهل كل ذلك. لماذا؟ هل جاء باراك الأمريكي مبعوث ترامب ليعيد رسم حدود الخرائط السياسية في المنطقة؟و هل الهدف من زيارة قداسة البابا الأمريكي، هو إعادة رسم حدود الخرائط الدينية في ذات المنطقة؟ و كما ذكرت في كتاب لي، الدين لم و لن ينفصل يوماً عن الدولة، و كما في الماضي، الخصام السياسي بين أوربا الغربية و روسيا، هو أيضاً منافسات و نزاعات على نار دينية هادئة، بين الأرثوذكسية الشرقية، و الكاثوليكية و البروتستانية الغربية: الخلاف داخل المسيحية تعاظم في العقد أو العقدين الأخيرين مع عودة ظهور روسيا تحت قيادة بوتين، عندما دخلت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية حقبة ذهبية تحت رعاية الدولة الروسية، حتى أنه كان هناك حديث عن بناء “الفاتيكان الأرثوذكسي” في لافرا الثالوث المقدس للقديس سرجيوس في سيرجيف بوساد، وهو موقع تراثي لليونسكو يعود إلى القرن الثالث عشر خارج موسكو. ويعتبر ثالوث لافرا للقديس سرجيوس، الذي بُني كدير في عام 1337 ، المركز الروحي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية… و الحرب في أوكرانيا، لها أيضاً دهاليز دينية: في الآونة الأخيرة، أشار الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، رغم دعم حكومته للحرب في أوكرانيا، إلا أن 85٪ من سكان بلاده سيدعمون روسيا، مهما حدث، وهذا التصريح لافت للإنتباه، و يعكس نموذجاً التخلخل في البنية السياسية الحالية لأوروبا، عموماً، حيث الإنقسامات الدينية في المسيحية، تتداخل مع الإنقسامات العرقية على وجه الخصوص لتتحول إلى مسألة حساسة للغاية و لكن يتم إخفاؤها….حرب أوكرانيا تزيد كل يوم مآزق أوربا الأطلسية، ليست فقط السياسية و الإقتصادية، إنّما أيضاً الدينية، فالكنائس في أوربا الغربية فارغة، و رُفعت الحدود بين العقيدة و الإلحاد، بينما مركز القوة العالمية يتحول نحو الشرق الغني أيضاً بالعقيدة و الروحانيات، و أوربا الكاثوليكية و البروتستانية، كما في الماضي، تخشيان من هيمنة الكنيسة الشرقية و (روسيا المقدسة)… و لا سيما بأن محتمعات أوربا الشرقية بدأت تنظم نفسها و هويتها حول الكنيسة الأرثوذكسية…
و الإقتصادية، إنّما أيضاً الدينية، فالكنائس في أوربا الغربية فارغة، و رُفعت الحدود بين العقيدة و الإلحاد، بينما مركز القوة العالمية يتحول نحو الشرق الغني أيضاً بالعقيدة و الروحانيات، و أوربا الكاثوليكية و البروتستانية، كما في الماضي، تخشيان من هيمنة الكنيسة الشرقية و (روسيا المقدسة)… و لا سيما بأن محتمعات أوربا الشرقية بدأت تنظم نفسها و هويتها حول الكنيسة الأرثوذكسية… في الشرق كما في الغرب، السلطة الدينية و السلطة الدنيوية لم ينفصلا أبداً، و زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى نيقية و من ثم لبنان دليل على ذلك، بينما سيدنا المسيح تُرك وحيداً في غزة تحت القصف، فالعرب مشغولون بنقاشات التطبيع مع إسسرائيل، و رجال الدين ينثرون بخوراً بإسم السلام، و الغرب منهمك بزيادة التسليح و ترميم نفوذه و مستمر منذ قرون في محاربة روسيا، و منشغل مع زلينسكي في حرب أوكرانيا، و ڤون دير لاين أعلنت بأن أوربا لن تحتاج بعد اليوم إلى بترول روسيا، و ترامب مستمر سخريته من العالم، و الأوليغارشيه هانئة و راضية على تصاعد قوتها و نفوذها… و المسيح ما زال مصلوباً في فلسطين، و حيداً فوق صليبه، و حتى البابا إنشغل عن زياراته السياسية للمنطقة، لكن نشكر الله على قوة المسيح و كرم أخلاقه، فهو لا ينتظر زيارةً أو رداً للجميل، القرآن كرّمه، و في قلوب الصادقين يسكن، يبث أملاً و تشبثاً بالبقاء و بالإيمان اليقين، و مؤكداً على قوله تعالى يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(البقرة: 208) صدق الله، و مسيحه و رسوله و جميع رسل السلام الأولين.
#سفيربرس _إيطاليا _بقلم : د. سناء شامي



