وهران: حيث يلتقي تاريخ الأسود بنبض الراي على شاطئ المتوسط

سفير برس – نعيمة حمادي – الجزائر
مدينة الأسود والباهية، هكذا تُلقب عاصمة الغرب الجزائري “وهران”. سُميت بمدينة الأسود نسبة إلى الأسود التي كانت تعيش في أراضيها، أما “الباهية” فهي الصفة التي تليق بالمدينة التي تسحر كل من تطأ قدماه أرضها الطيبة، الأرض التي رويت بدماء شهدائها الأبرار.
في الشمال الغربي للجزائر، حيث يحتضن خليج واسعُ إلتقاءَ البحر الأبيض المتوسط بجبل “مرجاجو”، تقبع وهران بكل بهائها، مدينة لا يمكن اختزالها في تعريف.

مركز حضري واستراتيجي
تعد وهران ثاني أكبر مدن الجزائر بعد العاصمة. تجمع في موقعها الإستراتيجي بين الأصالة والحداثة، حيث يشهد عمرانها على حقب تاريخية متعاقبة، إلى جانب مبانيها العصرية الشاهقة ونشاطها التجاري الحيوي، مما جعلها مقصداً للسياح والإقتصاديين. وقد حافظت المدينة عبر العصور على دورها المحوري كمركز للتجارة والثقافة والسياسة، وهو ما أكسبها أهمية اقتصادية وسياحية كبيرة في شمال إفريقيا.
نسيج تاريخي وحضاري:
تعتبر وهران مهداً للحضارات، تحمل إرثاً غنياً يعكس تنوع الثقافات التي مرت عليها. تأسست في القرن العاشر الميلادي، وعاصرت فترات الاحتلال الإسباني والعثماني، وصولاً إلى الحقبة الفرنسية. ترك هذا الخليط الثقافي بصماته الواضحة على العمارة المحلية، حيث يمكن للزائر أن يرى الأبنية ذات الطراز الإسباني القديم مجاورةً للعمارة العثمانية والفرنسية، مما يجعل المدينة متحفاً مفتوحاً للتاريخ المعماري

إقتصاد حيوي وروح فنية :
ليست وهران مدينة تاريخية فحسب، بل هي مركز اقتصادي حيوي. يُعد ميناؤها الكبير من أهم الموانئ الجزائرية، مما يسهم في النشاط التجاري المحلي والإقليمي. كما تدعم المدينة قطاع الصناعة، خاصة الصناعة النفطية، وتشتهر بصناعاتها التقليدية كالنسيج والأثاث. وفي السنوات الأخيرة، شهد قطاع الخدمات والسياحة نمواً ملحوظاً.
وثقافياً، إذا كان التاريخ قد كتب جسد وهران، فإن موسيقى الراي هي روحها النابضة. فهي المدينة التي تنغّم بالحرية، وتنفتح على المستقبل دون أن تنسى ماضيها المركب. تُعتبر وهران مهد موسيقى الراي التي اشتهرت منذ الستينيات ولا تزال تؤثر في الموسيقى العربية والعالمية. وتحتضن المدينة مهرجانات فنية كبرى، مثل مهرجان وهران الدولي للفنون والموسيقى، الذي يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم.
طبيعة خلابة ومعالم ساحرة:
تتمتع وهران بمناخ متوسطي معتدل، حيث يكون الصيف حاراً وجافاً نسبياً، بينما يكون الشتاء ممطراً ومعتدلاً، مما يجعلها وجهة سياحية مفضلة على مدار العام. وتتنوع تضاريسها بين السواحل والشواطئ الرملية والتلال، مما يوفر فرصاً رائعة لممارسة الأنشطة البحرية والرياضية. ومن أبرز معالمها: ساحة أول نوفمبر، حصن المرسى الكبير، قصر الباي، مسجد عبد الله بن سلام، متحف زبانة، سبخة وهران، المسرح الإقليمي، حصن سانتا كروز، وكورنيش وهران الساحر.
عاصمة للعلم والعلماء :
في مجال التعليم والبحث العلمي، تحتضن وهران أكبر الجامعات والمعاهد في المنطقة، وتُعتبر مهداً للعلماء والمفكرين، حيث عاش فيها العلامة “ابن خلدون”. تسهم جامعتها الكبيرة، بما تضم من كليات ومراكز بحثية متخصصة، في تطوير التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، مما يجعلها مركزاً تعليمياً مهماً في غرب البلاد.
حياة نابضة وتراث إنساني :
تستمتع وهران بحياة حضرية نابضة، تعكسها أسواقها الشعبية التقليدية ومقاهيها ومطاعمها المتنوعة التي تقدم أطباقاً محلية وعالمية. ويُعرف سكانها بالكرم وحسن الضيافة، مما يعزز تجربة الزائر ويجعل من وهران مدينة ترحب بالجميع.
تمثل وهران مثالاً حياً للتنوع الثقافي والتاريخي في الجزائر، تجمع بين إرث الماضي العريق وحيوية الحاضر. وتستمر في لعب دور محوري في الاقتصاد والثقافة والتعليم. إن زيارة وهران ليست مجرد رحلة إلى مدينة ساحلية، بل هي تجربة للتعرف على تاريخ غني، وثقافة نابضة، وطبيعة خلابة، وهو ما يجعلها واحدة من أبرز المدن الجزائرية جاذبية للزوار من كل أنحاء العالم.
#سفير برس_ نعيمة حمادي #



