فلسفة التنوّع والتعدديّة في معرض دمشق الدولي للكتاب.. بقلم : سعاد زاهر
#سفيربرس _تغطية معرض الكتاب الأول

بين أجنحةٍ صغيرةٍ متلاصقة، تتجاور عناوين لا يجمعها اختصاص واحد، ولا يفرقها سوى رفوف خشبية، تتجلى فلسفة معرض الكتاب في دورته الأولى بعد التحرير في سوريا.
تنوعٌ لافتٌ في العناوين والموضوعات، من التراث الإسلامي إلى الفلسفة، ومن الرواية إلى الفكر والأدب، في مشهدٍ يعكس حالة ثقافية جديدة، تثير الدهشة لدى الزائر، وتفتح باب التساؤل حول معنى هذا التنوع وحدوده.
حتى أصحاب دور النشر أنفسهم لم يُخفوا دهشتهم، فقد استغرب خالد العطار صاحب دار “الفكر” من وجود داره في مكانٍ لا يمت لاختصاصه بصلة، معتبراً الأمر غريباً، إذ تحيط به كتب الفلسفة والروايات وكتب الفكر والأدب بمختلف صنوفها، في مشهدٍ غير مألوف في المعارض التقليدية التي اعتادت تصنيف الأجنحة حسب الاختصاص.
لكن، من زار معارض الكتاب العربية سابقاً، قد يبدو هذا المشهد مألوفاً؛ فالمعرض الأول بعد التحرير في سوريا جاء على المنوال ذاته، حيث لا حواجز فكرية ولا تصنيفات صارمة، بل مساحة غنية ومتنوعة وشاملة، يلتقي فيها كل ما يهم القارئ، على اختلاف ميوله واهتماماته.
وأنت تمشي كمتابعٍ مهتم بالشأن الثقافي بين تلك الأجنحة، ترى جنباً إلى جنب كتب التراث الإسلامي، والفلسفة، والفكر السياسي، والرواية، والأدب، وكأن المعرض أراد أن يعكس صورة القارئ العربي بكل تناقضاته وأسئلته.
أكثر من مئة ألف نافذة على الفكر
خالد العطار، صاحب دار “الفكر” للطباعة والنشر والتوزيع، وهي دار معروفة باختصاصها في أمهات الكتب التراثية، والتفسير، والحديث، والتاريخ، عبّر عن دهشته من هذا التجاور غير المألوف، إذ وجد نفسه محاطاً بكتب فلسفية وروايات وأعمال فكرية معاصرة، دهشة العطار لم تكن اعتراضاً بقدر ما كانت مؤشراً على التحوّل، فالمعرض لم يعد يفرض على الكتاب أن يبقى داخل حدوده الآمنة، بل يدفعه ليكون جزءاً من حوار أوسع.
هذه الفلسفة، وإن بدت جديدة في السياق السوري، إلا أنها مألوفة لمن اعتاد زيارة المعارض العربية والدولية، حيث لا حواجز فكرية ولا تصنيفات أيديولوجية صارمة، بل مساحة غنية وشاملة، يلتقي فيها كل ما يهم القارئ، على اختلاف ميوله واهتماماته، والمعرض الأوّل بعد التحرير جاء على هذا المنوال، كأنه يعلن انتماءه المبكر إلى مفهوم المعرض الدولي، لا المحلي الضيق.
وحين تتابع سيرك بتأنٍ بين الأجنحة لا يمكنك إلا أن تلاحظ هذا التداخل المتعمّد، كتب التراث الإسلامي بجوار الفلسفة، الفكر السياسي إلى جانب الرواية، وأدب الطفل غير بعيد عن كتب النقد والفكر، وكأن المعرض أراد أن يعكس صورة القارئ السوري والعربي اليوم، القارئ الذي لم يعد أحادي الاهتمام، ولا يقبل بأن يُختصر في توجه واحد.
كسر القوالب التقليدية للمعارض
هذا التنوع في العناوين رافقه تنوع لافت في دور النشر المشاركة، من سوريا ولبنان ومصر والسعودية والعراق والأردن، وصولًا إلى تركيا والكويت وإندونيسيا، في خريطة ثقافية تشبه العالم المصغّر.
في هذا السياق، التقت صحيفة الثورة السورية بعدد من المشاركين من مختلف الدول وبشتى التخصصات، في جولة كشفت أن التعددية ممارسة حقيقية.
من جناح الكتب المختصة بالتراث الإسلامي، أكد صاحب دار “الرسالة” أن الدار تشهد إقبالاً كبيراً، وأنها أصدرت خصيصاً للمعرض الأول بعد التحرير إصدارات جديدة، مشيراً إلى أن التنوع في العناوين يمنح المعرض حيوية خاصة، لو “مشيت قليلاً، سترى كتباً فلسفية وفكرية، وإلى الجانب الآخر كتب أدبية، وهذا ما يجعل المعرض حياً”.
أما عامر بصبوص من دار نشر “الشامي”، المتخصصة في التراث الإسلامي، رأى أن القارئ اليوم قادر على أن يجد كل ما يلائم ذوقه، خاصة مع غياب الرقابة، حيث تستطيع دور النشر المشاركة بكل مطبوعاتها دون مساءلة، وغياب الرقابة هنا لم يُقرأ كفوضى، بل كشرط أساسي لحرية الاختيار، حيث تُترك الكلمة الأخيرة للقارئ.
وفي جناح مكتبة “الرشد”، التي تجاور كتبها المتنوعة الأجنحة الإسلامية، يشرح عمر السيد أن الدار، رغم قربها من كتب التراث، تعرض إصدارات في الفلسفة، وتطوير الذات، والأدب، والفكر، والفقه، وعلوم القرآن، والسيرة، في مزيج يسمح للقارئ بأن ينتقي ما يريد دون أن يشعر بأنه محاصر بتصنيف واحد، وحركة البيع، بحسبه، جيدة، والتنظيم مميز، والاختصاص لم يعد قيداً بل هوية مرنة.
وعلى المستوى العربي والدولي، برزت مشاركة هيئة الشارقة للكتاب، إذ أوضح زاهر السوسي، مسؤول البرامج الثقافية والمهنية، أن المشاركة جاءت بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة، بهدف تعريف القارئ السوري بإصدارات الشارقة المتنوعة، من إصدارات الحاكم، إلى دار كلمات، إلى مشروعات الترجمة والمنح، وبالنسبة له، فإن هذا التنوع اللافت في الدورة الأولى بعد التحرير مؤشر إيجابي على تعطش الجمهور للمعرفة بمختلف أشكالها.
المعرفة بلا حدود
من تركيا، شارك علاء الفرا من مكتبة “كتاب سراي” بإصدارات توثق الثورة السورية، معتبراً أن الإقبال الكبير يؤكد وجود تكامل في العناوين، وغياب أي قيود على ما يمكن عرضه.
خالد الوهب من دار “نون 4″، ومقرها الحالي تركيا، تحدّث عن تنوع الاهتمامات، من أدب وفكر وسياسة وشعر، مشيراً إلى أن القدرة الشرائية تشكل عائقاً، ما دفع الدار إلى تقديم خصومات كبيرة وصلت إلى 50بالمئة، أو البيع بسعر التكلفة، إيماناً بأهمية الحضور في هذا الحدث.
من لبنان، رأى وليد دعيبس من دار “رياض الريس” أن الغنى والتنوع في المعرض لافتان، خاصة أن الدار تقدم عناوين أدبية وشعرية وفكرية، إضافة إلى كتب لكتاب سوريين، وكتب مترجمة وأعمال عن الثورة السورية، وبالنسبة له، المعرض حدث ثقافي مهم، والقارئ قادر على أن يجد شغفه ويتوجه إليه مباشرة دون وساطة.
خريطة عربية وعالمية في مكان واحد
حتى أدب الطفل لم يكن هامشياً في هذا المشهد، من إندونيسيا، شاركت مرام عبد القادر بمنهج تعليمي كامل للأطفال، معتبرة أن التنوع رائع جداً، فيما أكد زياد كسارة من دار “سفير سوريا” للنشر أن المعرض يشبه فسيفساء فكرية تعكس الحالة المجتمعية السورية المتنوعة، إذ تتجاور مختلف العلوم واللغات والمعارف.
ولا يمكن تجاهل حضور الشباب في المعرض، وهي ظاهرة لفتت انتباه يزن يعقوب من دار “صفحات”، المتخصصة بتاريخ الأديان والحضارات، والذي رأى أن النسبة الكبيرة من الزوار بين 16 و25 عاماً مؤشر صحي لم يشهده في معارض أخرى، وهؤلاء الشباب، الذين يتنقلون بين أجنحة الروايات البوليسية والرعب والغموض، وكتب التنمية البشرية وعلم النفس، يؤكدون أن الذائقة القرائية في طور التشكل، بعيداً عن الوصاية.
حضور القارئ
وزارة الثقافة، من جهتها، تركت القارئ يختار توجهه، دون فرض تصنيفات أو إملاءات، في خطوة تُحسب لها في هذا السياق، والأكثر مبيعاً، بحسب رصد الناشرين، كانت الروايات البوليسية والرعب والغموض، تليها كتب التنمية البشرية وعلم النفس، ثم الروايات الاجتماعية، في دلالة على حاجة القارئ إلى الهروب، والفهم، وإعادة قراءة ذاته والعالم.
ومن السعودية، تحدث مدثر خيري عن فلسفة المعرض بوصفها محاولة لجمع كل إصدارات العالم في مكان واحد، حيث يقف الناشر السوري بجوار اللبناني والعراقي والأردني والسعودي، في مشهد يختصر العالم بين يدي القارئ.
راكان الشمري من دار “نادي الكتاب العربي” أشار إلى اهتمام القراء بكتب السينما والفلسفة والروايات، خاصة العناوين التي تُعرض للمرة الأولى، مثل كتب “الإبستيمولوجيا وفلسفة القانون” و”القراءة والتأويل”.
ورغم الإقبال الكبير، بقيت القدرة الشرائية عائقاً حاضراً في أحاديث معظم الناشرين، إلا أن هذا العائق لم يُفسد الجو العام، فالتخفيضات، والمبادرات، والبيع بسعر التكلفة، تحوّلت إلى فعل ثقافي بحد ذاته، في محاولة لجعل الكتاب في متناول الجميع.
لا يمكن قراءة معرض الكتاب الأوّل بعد التحرير إلا بوصفه مرآة لمجتمع يحاول أن يستعيد صوته المتعدد، وهنا، لا تُفرض الذائقة، ولا يُملى الاتجاه، بل يُترك القارئ حرّاً، يتجوّل، يختار، يخطئ، ويكتشف، في هذا المعرض، البطولة للقارئ، كشريك في كتابة فصل جديد من الحكاية الثقافية السورية، فصلٍ عنوانه الأوسع التعددية بوصفها شرطاً للحرية والإبداع.
#سفيربرس _سعاد زاهر




